بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

الذهب يتنازل عن عرشه التاريخي لصالح الدولار والفيدرالي.. كيف انقلبت العوامل الداعمة إلى ضغوط خانقة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

سجّل الذهب واحدة من أسوأ فتراته، بعدما تراجعت الأسعار بوتيرة حادة خلال الأشهر الأخيرة، لتتبدد المكاسب الاستثنائية التي حققها خلال موجة صعود تاريخية امتدت لنحو ثلاث سنوات متتالية. وأثار هذا الهبوط تساؤلات بين المستثمرين حول ما إذا كان الذهب لا يزال قادراً على أداء دوره التقليدي كملاذ آمن وأداة للتحوط من التضخم، أم أن البيئة الاقتصادية الجديدة بدأت تسحب البساط من تحت المعدن النفيس.

تراجعت أسعار الذهب بنسبة 11.1% خلال الثلاثين يوماً الماضية، لتنخفض دون مستوى 4200 دولار للأونصة للمرة الأولى منذ مارس/آذار. وتسارعت وتيرة الخسائر في تداولات الأربعاء، مع هبوط المعدن بنحو 3% إلى 3996 دولاراً للأونصة، وهو أدنى مستوى له منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025. 

ويعكس هذا التراجع تحولاً ملحوظاً في مسار الذهب بعد موجة صعود استثنائية استمرت لعدة سنوات، حقق خلالها عوائد سنوية مزدوجة الرقم بدعم من الطلب القوي للبنوك المركزية وصناديق الاستثمار ومديري الأصول والمستثمرين الأفراد، ما دفع أسعاره إلى أكثر من الضعف مقارنة بمستوياتها السابقة.

هل انتهت السوق الصاعدة؟

وصل الذهب في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي إلى مستويات قياسية تاريخية قاربت 5600 دولار للأونصة، لكن الزخم بدأ يتلاشى سريعاً بعد ذلك. وبحلول يونيو/حزيران، كان المعدن قد فقد أكثر من 20% من قيمته مقارنة بذروته الأخيرة، وهو مستوى يعتبره المستثمرون تقليدياً بداية سوق هابطة. وعند الأسعار الحالية، 4000 دولار للأونصة تقريباً، يتوسع النزيف إلى حدود 40%. ليدفع ذلك عدداً من المؤسسات المالية الكبرى إلى خفض توقعاتها المستقبلية للأسعار.

خفّض “غولدمان ساكس” توقعاته بنحو 500 دولار للأونصة، رغم استمراره تقديراته بإنهاء العام قرب 4900 دولار. وراجع “دويتشه بنك” نظرته لأسعار الذهب في الربع الرابع بنسبة 17% هبوطاً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الخصم السعري للذهب داخل الصين مقارنة بعقود “كومكس” الأمريكية يوحي بأن الواردات الصينية لن توفر دعماً قوياً للسوق في المدى القريب. كما خفّض محللو ING توقعاتهم لمتوسط أسعار الذهب إلى​ 4300 دولار للأونصة في الربع الثالث من العام 2026 و4600 دولار في الربع الرابع، مقارنة بتوقعاتهم السابقة البالغة 4850 دولاراً و5000 دولار على التوالي.  

وأظهرت البيانات استمرار التخارج من الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، ما يشير إلى غياب أحد أهم مصادر الدعم التي ساهمت في دفع الأسعار إلى مستويات قياسية خلال السنوات الماضية.

الحرب والتضخم

رغم أن الذهب يُنظر إليه تاريخياً كملاذ آمن خلال فترات الاضطرابات أياً كان نوعها، فإن اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران أفرز نتائج مغايرة لتوقعات كثير من المستثمرين.

فمع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة، تسارعت الضغوط التضخمية عالمياً، ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية. وبدلاً من استفادة الذهب من حالة عدم اليقين، تعرض لضغوط تخارجية مع تزايد الرهانات على بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

قال دان كوتسوورث، رئيس الأسواق لدى “إيه جيه بيل”، إن “الذهب غالباً ما يُنظر إليه كملاذ آمن في الأوقات الصعبة، لكن كثيرين لا يدركون أن سعره قد ينخفض أيضاً عندما تتراجع الأسواق بشكل عام، إذ يميل المستثمرون إلى بيع الأصول الأكثر سيولة لتوفير النقد، ويُعد الذهب من بين أكثر تلك الأصول سيولة”.

كما أن جزءاً من موجة البيع ارتبط بسلوك المستثمرين الذين حققوا أرباحاً كبيرة من صعود الذهب خلال السنوات الماضية، ما جعل المعدن هدفاً طبيعياً لجني الأرباح مع تصاعد الاضطرابات المالية واحتياجات السيولة.

الفيدرالي المتشدد

لكن، العامل الأكثر تأثيراً على الذهب لم يكن الحرب وحدها، بل التحول في توقعات السياسة النقدية الأمريكية بعد تولي كيفن وارش رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

يُنظر إلى وارش بوصفه أكثر تشدداً من أسلافه في ما يتعلق بمكافحة التضخم، وهو ما انعكس سريعاً على توقعات المستثمرين. فمع ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة إلى 4.2% في مايو، بدأت الأسواق تتخلى تدريجياً عن رهانات خفض الفائدة، بل وأخذت في الحسبان احتمال العودة إلى رفعها إذا استمرت الضغوط التضخمية.

وجاء الاجتماع الأول للجنة السوق المفتوحة الفيدرالية برئاسة وارش في منتصف الشهر الجاري ليعزز هذه التوقعات، إذ أظهرت محاضر الاجتماع مراجعة أعضاء اللجنة لتوقعاتهم المستقبلية بشأن أسعار الفائدة نحو مستويات أعلى.

ويرى محللو الأبحاث لدى “دويتشه بنك”، أن الاجتماع لم يُظهر أي معارضة لتسعير الأسواق لاحتمالات رفع الفائدة، كما لم يكشف إمكانية حدوث تحول أكثر تشدداً في السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للذهب، لأن المعدن لا يدرّ عائداً دورياً مثل السندات أو الودائع. وبالتالي، كلما ارتفعت أسعار الفائدة زادت جاذبية الأصول المولدة للدخل مقارنة بالذهب.

الدولار يستعيد قوته

إلى جانب الفائدة المرتفعة وظروف الحرب والتضخم، يواجه الذهب تحدياً إضافياً يتمثل في تعافي الدولار الأمريكي، وهو عامل لطالما ارتبط بعلاقة عكسية معه. خلال الفترات التي يضعف فيها الدولار، يصبح الذهب أرخص نسبياً للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، ما يعزز الطلب العالمي عليه ويدفع أسعاره إلى الارتفاع. أما عندما تستعيد العملة الأمريكية قوتها، كما يحدث حالياً، فإن شراء الذهب يصبح أكثر تكلفة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، ما يؤدي عادة إلى تراجع الطلب ويضغط على الأسعار.

كما ساهم تراجع المخاوف بشأن استقلالية البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة، وخصوصاً الاحتياطي الفيدرالي، في إضعاف ما يُعرف بين المستثمرين بـ”تجارة إضعاف العملات”. وتقوم هذه الفكرة على الرهان بأن التوسع في الإنفاق الحكومي والعجوزات المالية الضخمة والسياسات النقدية التيسيرية قد تؤدي إلى تراجع قيمة العملات بمرور الوقت، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى التحوط عبر أصول محدودة المعروض مثل الذهب، وأحياناً العملات المشفرة.

إلا أن النبرة المتشددة التي تبنّاها رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، فضلاً عن تراجع المخاوف من تدخلات سياسية في قرارات البنوك المركزية، خففت من هذه الرهانات، وأعادت بعض الثقة إلى الدولار والأصول المقومة به. نتيجة لذلك، تراجعت الحاجة إلى الاحتفاظ بالذهب كوسيلة للتحوط من ضعف العملات، ما أضاف ضغوطاً جديدة عليه في وقت يواجه بالفعل رياحاً معاكسة من ارتفاع الفائدة وتراجع التدفقات الاستثمارية.

مشتريات البنوك المركزية.. الرهان الأقوى

رغم الصورة القاتمة على المدى القصير، لا يزال كثير من الخبراء يرون أن الذهب يحتفظ بدور استراتيجي داخل المحافظ الاستثمارية، ويوفر حماية مهمة ضد مفاجآت التضخم وتدهور الأوضاع المالية وعدم اليقين المرتبط بالعملات الاحتياطية العالمية والصدمات الاقتصادية الكبرى.

ويبدو أن البنوك المركزية العالمية تمثل حالياً نقطة الدعم الأكثر صلابة للسوق. فقد زادت كُبرى المؤسسات النقدية مشترياتها من الذهب خلال الربع الأول بأسرع وتيرة منذ أكثر من عام، فيما تشير استطلاعات الرأي إلى نيتها زيادة الاحتياطيات خلال الفترة المقبلة.

استناداً إلى ما سبق، يمكن القول إن الذهب يواجه اختباراً حقيقياً لقدرته على الاحتفاظ بمكانته كملاذ آمن في بيئة اقتصادية تتسم بفائدة مرتفعة ودولار قوي. وبينما تراهن الأسواق على استمرار الضغوط الحالية، فإن العوامل التي صنعت جاذبية المعدن النفيس على المدى الطويل لم تختفِ بعد؛ ما يجعل التراجع الحالي أقرب إلى تصحيح مؤلم لمسار صاعد، وليس بالضرورة إعلاناً لنهاية عصر ذهبي.