بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

لغز الديون السيادية (1-3)

الدين الأمريكي يقترب من 40 تريليون دولار: لماذا تنجو واشنطن من أزمات المديونية.. وكيف يحميها امتياز الدولار العالمي؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا يبدو اقتراب الدين العام الأمريكي من عتبة 40 تريليون دولار حدثاً عادياً في الاقتصاد العالمي. ففي معظم الدول، كان لمثل هذا الرقم أن يثير ذعر الأسواق، ويرفع كلفة الاقتراض، ويدفع المستثمرين إلى التشكيك في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. لكن الولايات المتحدة تبدو استثناءً واضحاً. فهي تواصل الاقتراض بكثافة، وسندات الخزانة الأمريكية لا تزال تحظى بطلب واسع، والدولار ما زال يقف في قلب النظام المالي العالمي.

هذه المفارقة هي المدخل الحقيقي لفهم الدين الأمريكي. فالسؤال لا يتعلق بالرقم وحده، مهما بدا ضخماً، بل بطبيعة الدولة التي تصدر هذا الدين، وبمكانة العملة التي يُقوَّم بها، وبالدور الذي تلعبه سندات الخزانة في تمويل العالم وإدارة مخاطره.

في الواقع، لا تُعامل الأسواق الدين الأمريكي كما تُعامل ديون الدول الأخرى، فالولايات تقترض بعملة تصدرها بنفسها، وبسندات ينظر إليها المستثمرون والبنوك المركزية بوصفها أكثر الأصول أماناً وسيولة في العالم.

لكن هذا الامتياز لا يعني أن واشنطن تمتلك حصانة مطلقة. فالدولار يمنحها وقتاً أطول، ومرونة أوسع، وقدرة استثنائية على الاقتراض، لكنه لا يلغي قوانين الاقتصاد. ومع استمرار تضخم الدين، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا لا تنهار أمريكا تحت عبء ديونها؟ بل: إلى متى يستطيع هذا الامتياز أن يحميها من كلفة الديون المتراكمة؟

الدين كأصل مالي

في معظم الدول، يمثل الدين الحكومي التزاماً على الدولة. أما في الولايات المتحدة، فإن الدين يؤدي وظيفتين في الوقت نفسه. فهو التزام على الحكومة الأمريكية، لكنه أيضاً أحد أهم الأصول المالية التي يعتمد عليها النظام المالي العالمي.

كما أن سندات الخزانة الأمريكية ليست مجرد أدوات اقتراض، إنها تشكل أساساً للتسعير والتمويل وإدارة السيولة لدى البنوك المركزية وصناديق التقاعد وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية حول العالم. فعندما تبحث البنوك المركزية والعالمية عن أصول عالية الجودة لدعم ميزانياتها، وعن مكان آمن لوضع احتياطاتها، تتجه إلى تلك السندات. وحتى في أوقات الأزمات التي تهز الاقتصاد الأمريكي نفسه، غالباً ما يتدفق المستثمرون نحوها.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر غرابة: في كثير من الأزمات العالمية، تستفيد الولايات المتحدة من الخوف الذي يصيب الأسواق. وكلما زادت المخاطر في العالم، زاد الطلب على الدين الأمريكي.

امتياز الدولار

لفهم هذه الظاهرة أكثر، لا بد من العودة إلى العنصر الأهم في منظومة المال الأمريكية، وهو الدولار. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تطور الدولار من مجرد عملة وطنية إلى البنية التحتية الأساسية للنظام المالي العالمي.

التجارة الدولية، أسواق الطاقة، الاحتياطيات النقدية، التمويل العالمي، تسعير السلع الأساسية، وحتى كثير من المعاملات بين دول لا علاقة لها بالولايات المتحدة، ما زالت تعتمد على الدولار بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا بالضبط ما يمنح واشنطن ميزة لا تمتلكها أي دولة أخرى.

ولأن الحكومة الأمريكية تقترض بعملة خلقتها هي، وتصدّر الدين بها، فإنها لا تواجه أزمات سعر الصرف ونقص السيولة الخارجية التي تعاني منها دول أخرى كثيرة. فالبنك المركزي الأمريكي يمتلك القدرة النظرية على توفير السيولة الدولارية للنظام المالي عند الحاجة، ضمن حدود التضخم والثقة في العملة واستقرار الأسواق.

هذا لا يعني أن أمريكا تستطيع طباعة الأموال بلا حدود دون تكلفة، لكنه يعني أن قواعد اللعبة مختلفة جذرياً.

لماذا لا تقارن أمريكا باليونان؟

خلال أزمة الديون الأوروبية، كثيراً ما ظهرت مقارنات شعبوية بين الولايات المتحدة والدول التي واجهت أزمات مالية حادة مثل اليونان.

لكن المقارنة كانت مضللة منذ البداية. فاليونان لم تكن تسيطر فعلياً على العملة التي تقترض بها. السياسة النقدية كانت بيد البنك المركزي الأوروبي. كما أن الاقتصاد اليوناني لا يشكل مركز النظام المالي العالمي. أما الولايات المتحدة فتجمع بين أربع مزايا لا تجتمع عادة في دولة واحدة:

  • أكبر اقتصاد في العالم.
  • أكبر سوق مالية في العالم.
  • مصدر العملة الاحتياطية الأولى عالمياً.
  • أكبر سوق للسندات الحكومية وأكثرها سيولة.

هذه العوامل تجعل المستثمرين يتعاملون مع الدين الأمريكي بطريقة مختلفة تماماً عن تعاملهم مع ديون الدول الأخرى.

الأسواق لا تنظر إلى الرقم فقط

عندما يقفز الدين الأمريكي من تريليون إلى عشرة تريليونات، ثم إلى عشرين، ثم إلى أربعين تريليون دولار، يبدو الرقم مخيفاً بطبيعته. لكن المستثمرين لا يركزون على الرقم المجرد، ما يهمهم هو أسئلة أخرى:

  • هل تستطيع الحكومة سداد فوائد الدين؟
  • هل الاقتصاد ما زال ينمو؟
  • هل الدولار ما زال العملة المهيمنة؟
  • هل يوجد بديل حقيقي للسندات الأمريكية؟

حتى الآن، لا تزال الإجابات تميل لصالح الولايات المتحدة. فالصين مثلاً تملك اقتصاداً ضخماً، لكنها لا تملك سوقاً مالية مفتوحة بالقدر نفسه. أوروبا تملك عملة مهمة، لكنها لا تملك اتحاداً مالياً وسياسياً متكاملاً يضاهي السوق الأمريكية. أما الاقتصادات الأخرى، فبعيدة عن توفير العمق والسيولة والثقة التي توفرها الولايات المتحدة.

لهذا السبب لا يقيس المستثمرون المخاطر الأمريكية وفق المعايير التقليدية وحدها، بل يقارنونها بالبدائل المتاحة. وفي كثير من الأحيان، تبدو الولايات المتحدة أقل خطراً من جميع البدائل الأخرى. لكن الامتياز ليس أبدياً، وهنا يقع الخطأ الأكثر شيوعاً في النقاش العام.

يفترض البعض أن وضع الدولار يمنح الولايات المتحدة حصانة دائمة ضد أي مشكلة مالية. وهذا استنتاج مبالغ فيه، لأن امتياز الدولار يمنح واشنطن وقتاً أطول، لكنه لا يلغي قوانين الاقتصاد.

فكلما ارتفع الدين، ارتفعت الحاجة إلى إصدار سندات جديدة. وكلما ارتفعت أسعار الفائدة، ارتفعت كلفة خدمة هذا الدين. وكلما زادت مدفوعات الفوائد، تراجعت قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق نحو أولويات أخرى.

بمعنى آخر، الخطر الحقيقي لا يتمثل في لحظة انهيار مفاجئة، بل في تآكل تدريجي للهامش المالي الذي يمنح الولايات المتحدة مرونتها الاستراتيجية. وهذا هو التطور الذي بدأ يجذب اهتمام الاقتصاديين وصناع القرار أكثر من حجم الدين نفسه.

ما الذي تخشاه واشنطن؟

إذا كان المستثمرون لا يخشون رقم الأربعين تريليون دولار، فما الذي يقلق صناع القرار الأمريكيين؟ الإجابة ليست الدين ذاته، القلق الحقيقي يتمحور حول تكلفة هذا الدين.

الدولة التي تنفق جزءاً متزايداً من موازنتها على دفع الفوائد، تجد نفسها مضطرة تدريجياً إلى الاختيار بين أولويات متنافسة: الدفاع، البنية التحتية، البحث العلمي، الرعاية الصحية، أو برامج الدعم الاجتماعي.

في هذه المرحلة يتحول الدين من رقم محاسبي إلى قضية استراتيجية. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: كم يبلغ الدين الأمريكي؟ بل: كم تكلف الولايات المتحدة خدمة هذا الدين كل عام؟

حتى الآن، لا تواجه الولايات المتحدة أزمة ديون بالمعنى التقليدي الذي عرفه العالم في تجارب أخرى. مكانة الدولار، وحجم الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقها المالية، تمنح واشنطن قدرة استثنائية على الاقتراض لا تملكها أي دولة أخرى.

لكن هذه القدرة ليست تفويضاً مفتوحاً بلا حدود، فالديون لا تسقط الدول العظمى عادة في لحظة واحدة. ما تفعله غالباً هو تقليص الخيارات المتاحة أمامها تدريجياً. وعندما تبدأ الدولة بإنفاق مواردها المستقبلية لخدمة التزاماتها السابقة، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بالمحاسبة وأكثر ارتباطاً بالقوة.

لهذا السبب لا تكمن أهمية الدين الأمريكي في حجمه وحده، بل في تأثيره على قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوقها الاقتصادي والجيوسياسي خلال العقود المقبلة. وفي هذا السياق تحديداً، تصبح الفوائد أهم من أصل الدين نفسه، وهي النقطة التي يبدأ منها الفصل التالي في هذه السلسلة.