بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

لغز الديون السيادية (3-3)

الدين الأمريكي يتضخم وواشنطن ترفض التقشف.. رهان على الذكاء الاصطناعي والنمو لاحتواء المديونية

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا تتحرك الولايات المتحدة وكأنها دولة على حافة الإفلاس، رغم دينها العام التريليوني. فالدولار لا يزال في قلب النظام المالي العالمي، وسندات الخزانة لا تزال أحد أهم الأصول المالية وأكثرها سيولة، والاقتصاد الأمريكي ما زال يمتلك عمقاً إنتاجياً وتكنولوجياً ومالياً لا يتوفر لمعظم الاقتصادات الكبرى.

لكن هذه ليست القصة كاملة. والسؤال هنا مختلف: إذا كانت الديون تتراكم، والفوائد ترتفع، والهامش المالي يضيق، فلماذا لا تزال واشنطن تراهن على المستقبل؟ الإجابة تكمن في النمو.

تصر الولايات المتحدة على الخروج من عبء الديون عبر تقشف شامل أو خفض جذري للإنفاق. هي تراهن، قبل أي شيء آخر، على أن اقتصادها يستطيع أن يتوسع بما يكفي لجعل الدين قابلاً للإدارة. بعبارة أخرى، لا تسأل واشنطن فقط: كيف نخفض الدين؟ بل تسأل: كيف نجعل الاقتصاد أكبر من العبء الذي يحمله؟

معادلة القوة الأمريكية

يقدم التاريخ الاقتصادي الأمريكي درساً مهماً بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت الولايات المتحدة بمستويات دين مرتفعة قياساً بحجم اقتصادها. لكن ما حدث لاحقاً لم يكن سداداً سريعاً للدين بقدر ما كان توسعاً كبيراً في الناتج والإنتاجية والدخل القومي. وعندما يكبر الاقتصاد بسرعة، يصبح الدين أقل ثقلاً نسبة إلى حجم الثروة التي ينتجها.

هذه هي الفكرة المركزية في الرهان الأمريكي: ليس ضرورياً أن ينخفض الدين رقمياً حتى تصبح أوضاعه أكثر قابلية للإدارة. الأهم هو العلاقة بين الدين وحجم الاقتصاد، وبين كلفة الفوائد وقدرة الدولة على توليد إيرادات ونمو مستقبلي.

لكن هذه المعادلة لم تعد سهلة كما كانت. فمكتب الميزانية في الكونغرس يتوقع أن ترتفع نسبة “الدين الممسوك من الجمهور” (Public Debt Held by the Public) ويُقصد به إجمالي قيمة الدين العام الذي تمتلكه أطراف من خارج الحكومة، من 101% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 إلى 120% في 2036، وأن تواصل مدفوعات الفائدة الصافية الارتفاع كنسبة من الناتج خلال الفترة نفسها. هذا يعني أن النمو لم يعد خياراً سياسياً مفضلاً فقط، بل أصبح شرطاً ضرورياً لمنع الدين من التحول إلى قيد استراتيجي أثقل.

في المنطق الأمريكي، النمو ليس هدفاً اقتصادياً فحسب. إنه أداة لإدارة الدين، والحفاظ على القوة، وتمويل التفوق في الوقت نفسه.

الذكاء الاصطناعي: الرهان الأكبر  

من الصعب فهم الاستراتيجية الاقتصادية الأمريكية الحالية من دون النظر إلى الذكاء الاصطناعي.

داخل واشنطن و”وول ستريت” و”وادي السيليكون”، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً قوياً لزيادة الإنتاجية على مستوى الاقتصاد بأكمله، لا مجرد قطاع تقني جديد فقط. فإذا استطاعت الشركات إنتاج أكثر بالموارد نفسها، وإذا تمكن العامل الواحد من إنجاز قيمة أكبر، فإن الاقتصاد يمكن أن ينمو من دون توسع مماثل في العمالة أو المواد الخام.

لهذا، لا تتعامل الولايات المتحدة مع الذكاء الاصطناعي كملف تكنولوجي منفصل، بل كجزء من رهان أوسع على الإنتاجية والنمو والقدرة التنافسية. 

لكن، من المهم هنا تجنب المبالغة. فالأدلة لم تثبت حتى الآن أن الاقتصاد الأمريكي دخل فعلاً عصراً جديداً من الإنتاجية العالية. بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو أشار في مايو/أيار 2026، إلى أن مكاسب إنتاجية العمل في السنوات الأخيرة رفعت السؤال حول احتمال دخول الاقتصاد مرحلة نمو إنتاجي أعلى، لكنه أوضح أيضاً أن المقاييس الأوسع للإنتاجية لا تقدم بعد دليلاً حاسماً على هذا التحول.

الرقائق: صناعة الأمن القومي

على مدى عقود، استفادت الولايات المتحدة من العولمة ونقل أجزاء واسعة من التصنيع إلى الخارج. لكن أزمات سلاسل التوريد، والتوتر مع الصين، والاعتماد العالمي على مراكز إنتاج محدودة في آسيا، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في معنى الصناعة.

هنا صعدت أشباه الموصلات إلى قلب السياسة الاقتصادية والأمنية الأمريكية. فالرقائق لم تعد مجرد مكونات تدخل في الهواتف والسيارات والحواسيب. إنها البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والصناعات الدفاعية، والاتصالات، ومراكز البيانات. ومن يملك قدرة متقدمة على تصميمها وإنتاجها، يملك جزءاً مهماً من القوة الاقتصادية والعسكرية في القرن الحادي والعشرين.

لهذا خصص قانون الرقائق والعلوم الأمريكي نحو 50 مليار دولار لدعم البحث والتطوير والتصنيع في أشباه الموصلات، بينها 39 ملياراً حوافز للاستثمار في المنشآت والمعدات داخل الولايات المتحدة، و11 ملياراً لبناء منظومة بحث وتطوير محلية.

الطاقة: الميزة المهملة 

عندما يناقش العالم مستقبل القوة الاقتصادية الأمريكية، يذهب التركيز غالباً إلى التكنولوجيا، والأسواق المالية، والدولار. لكن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية: الطاقة.

خلال العقدين الماضيين، تحولت الولايات المتحدة إلى واحدة من أكبر منتجي الطاقة في العالم بفضل النفط والغاز الصخري. وفي 2025، سجلت البلاد مستوى قياسياً جديداً في إنتاج الطاقة، كما بلغ إنتاج النفط الخام رقماً قياسياً عند 13.6 مليون برميل يومياً، مع استمرارها في تصدر منتجي النفط الخام عالمياً.

وفي عالم يحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، وشبكات كهرباء أكثر قوة، ومصانع رقائق، وصناعات متقدمة، تصبح وفرة الطاقة شرطاً للنمو. فالتكنولوجيا لا تعمل في الفراغ. الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كهرباء، والمصانع تحتاج إلى إمدادات مستقرة، وسلاسل التوريد الجديدة تحتاج إلى كلفة طاقة قادرة على المنافسة.

التكنولوجيا الحيوية: الجبهة الأقل ظهوراً

بينما يتركز الضوء الإعلامي على الذكاء الاصطناعي والرقائق، تستثمر الولايات المتحدة في مجال أقل ضجيجاً لكنه قد يكون واسع الأثر خلال العقود المقبلة: التكنولوجيا الحيوية.

من العلاجات الجينية وتطوير الأدوية إلى التصنيع الحيوي والزراعة المتقدمة، تمثل التكنولوجيا الحيوية أحد القطاعات التي تجمع فيها الولايات المتحدة بين الجامعات، ورأس المال المخاطر، والشركات الكبرى، والقدرات البحثية المتقدمة.

واللافت أن هذا الملف لم يعد يُنظر إليه كقطاع صحي فقط. اللجنة الوطنية للأمن في التكنولوجيا الحيوية الناشئة، التي أنشأها الكونغرس، ربطت صراحة بين الريادة الأمريكية في هذا المجال وبين الأمن القومي والمرونة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على سلاسل توريد خارجية، خصوصاً في سياق المنافسة مع الصين. 

لماذا لا تختار أمريكا التقشف؟

قد يبدو الحل بديهياً: إذا كان الدين مرتفعاً، فلماذا لا تخفض الحكومة الإنفاق بقوة؟

لكن التجربة الاقتصادية تقول إن المسألة أكثر تعقيداً. فالتقشف الحاد قد يخفض العجز على المدى القصير، لكنه قد يبطئ النمو أيضاً. وإذا تباطأ النمو أكثر من اللازم، فقد ترتفع نسبة الدين إلى الناتج حتى لو جرى خفض بعض بنود الإنفاق.

لهذا تتعامل واشنطن بحذر مع فكرة التقشف الشامل. فالهدف ليس فقط تحسين أرقام الموازنة، بل حماية قدرة الاقتصاد على توليد الثروة. وإذا كانت الولايات المتحدة تراهن على التكنولوجيا والطاقة والصناعة والابتكار، فإن خفض الاستثمار العام والبحث العلمي والبنية التحتية بصورة عشوائية قد يضعف الأدوات نفسها التي تحتاجها لإدارة الدين.

لكن هذا لا يعني أن النمو وحده يكفي. فالمعادلة المالية تتطلب ثلاثة عناصر معاً: نمو قوي، وفوائد قابلة للتحمل، وعجز أولي لا يخرج عن السيطرة. فإذا اختل أحد هذه العناصر لفترة طويلة، يصبح الرهان على النمو أقل قدرة على احتواء الدين.

التحدي الحقيقي: الزمن

رغم كل محركات القوة الاقتصادية الأمريكية، ضمان النجاح غير موجود بعد. النمو يحتاج إلى وقت، أما الفوائد فتُدفع الآن، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والرقائق والطاقة والتكنولوجيا الحيوية قد تحتاج سنوات قبل أن تتحول إلى إنتاجية واسعة في الاقتصاد، هذه الفجوة الزمنية هي جوهر التحدي الأمريكي.

واشنطن تراهن على أن الاستثمارات الحالية ستنتج اقتصاداً أكثر قوة خلال العقد المقبل. لكن إذا جاءت النتائج أبطأ من المتوقع، أو إذا تعرض الاقتصاد لصدمات كبيرة، أو إذا واصلت الفوائد ابتلاع حصة أكبر من الموازنة، فإن الضغوط المالية ستزداد.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي الذي يدور بخصوص الدين الأمريكي ليس حجمه، إنما: هل تستطيع محركات النمو الجديدة إنتاج ما يكفي من الثروة قبل أن تصبح كلفة الدين أثقل من قدرة السياسة على إدارتها؟

الرهان على الابتكار

القصة الأمريكية ليست قصة دولة تحاول سداد نحو 40 تريليون دولار من الديون عبر إجراءات تقشفية صارمة. إنها قصة دولة تراهن على قدرتها التاريخية على الابتكار، وتوسيع الاقتصاد، وخلق قطاعات جديدة تستطيع حمل الأعباء القديمة.

الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والتكنولوجيا الحيوية، وإعادة بناء القدرات الصناعية ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من رهان واحد يتمثل بجعل الاقتصاد الأمريكي أكبر، وأكثر إنتاجية، وأقدر على تمويل نفسه. فمن سيقود هذه الطفرة الجديدة؟

التكنولوجيا تحتاج إلى عقول، والصناعة المتقدمة تحتاج إلى مهارات، والجامعات تحتاج إلى باحثين، والشركات تحتاج إلى مواهب قادرة على تحويل الاختراعات إلى إنتاج. وهنا يظهر عنصر أقل ضجيجاً من الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقل أهمية عنه، وهو البشر.

يراهن الاقتصاد الأمريكي على قدرته على جذب الكفاءات من الداخل والخارج أكثر من رهانه على رأس المال والتكنولوجيا وحدهما. ومع تباطؤ نمو قوة العمل في الولايات المتحدة بفعل الشيخوخة وانخفاض الهجرة، يصبح ملف العمالة البشرية جزءاً أساسياً من معادلة النمو نفسها. وقد أشار الفيدرالي في 2026 إلى أن نمو قوة العمل الأمريكية يتباطأ وقد يقترب من الصفر، مدفوعاً بضعف النمو السكاني وانخفاض صافي الهجرة وشيخوخة السكان.