بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

الهيمنة الأمريكية (2-4)

الدولار كسلاح جيوسياسي: كيف تحوّلت العملة الأمريكية إلى مقصلة مالية تحكم النظام العالمي

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في صيف عام 1971، أمام قلق أوروبي متصاعد من اضطراب العملة الأمريكية، أطلق وزير الخزانة الأمريكي آنذاك، جون كونالي، عبارته الشهيرة: «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم أنتم». بعد أكثر من نصف قرن، لم تعد هذه الجملة توصيفاً وقحاً لخلل نقدي عابر، بل تحوّلت إلى عقيدة استراتيجية كاملة.

اليوم، لم يعد الدولار مجرد أداة تبادل أو مخزناً للقيمة، بل أُعيد تعريفه، بهدوء ومنهجية، ليصبح أقوى سلاح غير عسكري في الترسانة الأمريكية. لقد تحوّل النظام المالي العالمي إلى أداة ضبط جيوسياسي، وأصبحت البنوك خطوط تماس، ما يجعل الهروب من قبضة «نظام الدولار» أكثر تعقيداً مما يتصوره أنصار عالم متعدد الأقطاب.

الدولار.. من “المحايدة”: إلى “الشبكة المغلقة”

لفهم مكانة الدولار، لا بد من التمييز بين مرحلتين مختلفتين في استخدامه. المرحلة الأولى، التي امتدت حتى نهاية القرن العشرين، تمتعت الولايات المتحدة خلالها بما وصفه الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان بـ«الامتياز الباهظ». العالم كان يبيع سلعاً حقيقية، نفطاً، سيارات، مواد خام، مقابل أوراق خضراء تطبعها واشنطن بتكلفة شبه معدومة. بهذه الآلية، استطاعت الولايات المتحدة تمويل عجزها والعيش فوق إمكاناتها، فيما استمر العالم في شراء ديونها بوصفها ملاذاً آمناً.

أما المرحلة الثانية، فقد بدأت فعلياً بعد هجمات 11 سبتمبر. في سياق ما سُمّي «الحرب على الإرهاب»، اكتشفت واشنطن حينها أن تتبّع المال أكثر فاعلية من تتبّع الأفراد. 

تدريجياً، تحوّل هذا الاكتشاف من أداة أمنية محدودة إلى سلاح جيوسياسي واسع النطاق. ولم يعد الهدف شبكات عابرة فقط، بل دول بأكملها، من إيران إلى فنزويلا، ومن كوريا الشمالية إلى روسيا. في هذه اللحظة، خرج الدولار من كونه وسيطاً «محايداً» وأصبح شبكة مغلقة: من يسيطر على بواباتها، يملك حق الطرد منها.

الهيمنة المتكاملة

تُظهر حصة العملات في الاحتياطيات العالمية الفارق البنيوي الأوضح في ميزان القوة النقدية. فالدولار الأمريكي يستحوذ اليوم على نحو 59% من الاحتياطيات الرسمية للبنوك المركزية حول العالم، مقابل نحو 20% لليورو، ونحو 2.5% فقط لليوان الصيني. هذه الهيمنة لا تعكس الثقة بالدولار فحسب، بل تمنح الولايات المتحدة قدرة فريدة على تمويل عجزها المزمن والإنفاق العسكري واسع النطاق دون ضغوط فورية، وهو امتياز لا يتوفر لأي قوة أخرى.

أما على مستوى تسوية التجارة العالمية، فيبرز الدولار بوصفه العمود الفقري للنظام التجاري الدولي، إذ تُسوى قرابة 80% من معاملات التجارة العالمية بالدولار. في المقابل، يظل استخدام اليورو محصوراً إلى حد كبير في الإطار الإقليمي الأوروبي، في حين لا تتجاوز حصة اليوان الـ 4% فقط. هذا الواقع يجعل الجزء الأكبر من التجارة العالمية مكشوفاً بشكل مباشر، أو غير مباشر، للرقابة والعقوبات الأمريكية، ويحوّل العملة إلى أداة نفوذ تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة.

وفي سوق الصرف الأجنبي، تتجلى سيولة الدولار بصورة أوضح. فالعملة الأمريكية تدخل طرفاً في نحو 88% من معاملات الصرف عالمياً، مقارنة بنحو 31% لليورو وقرابة 7% لليوان. هذه الكثافة تعني أن الدولار يبقى الملاذ الآمن شبه الوحيد في أوقات الأزمات، حيث تتجه إليه رؤوس الأموال عند أي اعتلال في النظام المالي العالمي.

من حيث البنية التحتية المالية، تشير بيانات نظام “سويفت” إلى أن الدولار يستحوذ على نحو 40% إلى 45% من إجمالي الرسائل المتبادلة، مقابل 35% إلى 40% لليورو، و3% إلى 4% فقط لليوان. هذه الأرقام تعكس مدى اعتماد النظام المالي العالمي على البنية التحتية الغربية، وتفسر لماذا تتحول أي عقوبات مالية أمريكية إلى أداة ذات أثر عالمي واسع.

وأخيراً، يبرز عامل حرية حركة رأس المال كقيد هيكلي حاسم في المنافسة النقدية. فبينما يتمتع الدولار واليورو بحرية شبه كاملة في حركة رؤوس الأموال، لا يزال اليوان خاضعاً لقيود صارمة تفرضها بكين. هذه القيود، رغم دورها في حماية الاستقرار الداخلي للصين، تمثل عائقاً بنيوياً يمنع اليوان من التحول إلى عملة عالمية مكتملة الوظائف.

بصورة عامة، ووفقاً للبيانات المجمعة من تقارير صندوق النقد الدولي ونظام “سويفت” لا تعكس هذه المؤشرات مجرد تفوق كمي للدولار، بل تكشف عن هيمنة مالية مترابطة تجمع بين الثقة، والسيولة، والبنية التحتية، وحرية الحركة، وهي عناصر يصعب على أي عملة منافسة استنساخها في المدى المنظور.

كيف تعمل “المقصلة” المالية؟

السؤال الذي يتكرر دائماً هو: لماذا تلتزم بنوك في أوروبا أو آسيا أو الشرق الأوسط بالعقوبات الأمريكية، حتى عندما تعترض حكوماتها سياسياً عليها؟ الجواب لا يكمن في الولاء السياسي، بل في التصميم التقني للنظام المالي نفسه. فأي معاملة تُجرى بالدولار، مهما بدا طرفاها بعيدين عن الولايات المتحدة، تمرّ تقنياً، ولو لثوانٍ، عبر حسابات مراسلة في نيويورك. في تلك اللحظة القصيرة، يصبح المال خاضعاً للقانون الأمريكي.

هذا التفصيل التقني منح وزارة الخزانة الأمريكية، وتحديداً مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، ولاية قضائية عابرة للحدود. لم تعد العقوبات قراراً سياسياً فحسب، بل إجراءً «قانونياً» يُطبَّق داخل النظام نفسه.

بصورة أدق تفصيلاً، عندما تُباع شحنة نفط، أو تُشترى طائرة، أو تُسوى صفقة قمح، فإن العملية غالباً ما تُسعَّر وتُصفّى بالدولار. هذا يعني أن المعاملة، مهما كان أطرافها، تمرّ في لحظة ما عبر النظام المالي الأمريكي لتصبح خاضعة للقانون الأمريكي.

بهذا المعنى، لا يملك الدولار فقط وظيفة اقتصادية، بل وظيفة سيادية عابرة للحدود. وأي دولة تستخدمه، تدخل تلقائياً تحت مظلة قواعده. وهذا ما منح واشنطن امتيازاً غير مسبوق في التاريخ الحديث، وهو القدرة على فرض قواعدها على الآخرين دون الحاجة إلى التفاوض معهم.

الأمر لا يتعلق بالتآمر، بل بالهندسة. فكلما ازداد استخدام الدولار، ازدادت كفاءته وسيولته، وارتفعت كلفة التخلي عنه. هذه هي «تأثيرات الشبكة» التي جعلت الدولار خياراً شبه إلزامي، حتى لمن يعارضون السياسة الأمريكية.

العقوبات الثانوية: الامتثال بالإكراه

الخطوة الأخطر جاءت مع ما يُعرف بـ«العقوبات الثانوية». هنا لا تكتفي واشنطن بمعاقبة خصمها المباشر، بل تفرض على الآخرين خياراً قاسياً: إما التعامل مع الجهة المستهدفة، أو التعامل مع الاقتصاد الأمريكي. لا مجال للجمع بين الاثنين.

النتيجة معروفة سلفاً. نظراً لحجم السوق الأمريكية ومركزية الدولار، تختار البنوك والشركات الكبرى الانسحاب «طوعاً» من أي تعامل محفوف بالمخاطر. هذا ليس امتثالاً سياسياً، بل امتثال قسري تمليه قواعد البقاء في النظام.

ظهر هذا التكتيك بوضوح في الحالات الإيرانية والروسية. فعندما انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق النووي مع طهران في 2018، حاولت الدول الأوروبية حماية شركاتها عبر “قانون التعطيل” (Blocking Statute)، وآلية INSTEX للتبادل التجاري. ومع ذلك، رضخت الشركات الأوروبية الكبرى، مثل “توتال”، و”ميرسك”، و”سيمنز” للعقوبات الأمريكية وانسحبت من إيران. لأنه لا يمكن لأي شركة عالمية المخاطرة بفقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي وسوق الدولار. وهذا يثبت أن قوة الردع المالي الأمريكي تتفوق حتى على القوانين السيادية للحلفاء.

في الحالة الروسية، بعد غزو أوكرانيا، استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها العقوبات لعزل روسيا عن نظام “سويفت” وتجميد أصولها. التهديد بالعقوبات الثانوية جعل حتى البنوك في الدول “الصديقة” لروسيا (مثل الصين وتركيا) تتوخى الحذر الشديد في تعاملاتها، ما أدى إلى تعقيد سلاسل التوريد والمدفوعات لروسيا بشكل كبير.

قضية “سويفت”: حياد نظري ونفوذ فعلي

غالباً ما يُشار إلى نظام “سويفت” على أنه مؤسسة تقنية محايدة مقرها بلجيكا. نظرياً، هذا صحيح. لكن عملياً، أظهرت التجربة أن الحياد يتوقف عندما تدخل السياسة من الباب الخلفي. فإقصاء البنوك الإيرانية، ثم الروسية، كشف أن واشنطن لا تحتاج إلى السيطرة الرسمية على النظام كي تتحكم به. يكفي الضغط القانوني والتهديد بالعقوبات على أعضاء مجلس الإدارة، ليصبح «مفتاح الإيقاف» في متناول اليد.

فصل دولة عن “سويفت” لا يعني مجرد تعطيل تقني، بل عمى مالي كامل: لا صادرات تُحصّل أثمانها، ولا واردات تُدفع كلفتها. النتيجة غالباً انهيار سريع في العملة وثقة الأسواق.

لماذا لا ينجح التمرد على الدولار؟

بعد تجميد مئات المليارات من الاحتياطيات الروسية في عام 2022، بدأ العالم يدرك أن أمواله ليست بمنأى عن السياسة. تصاعد الحديث عن «نزع الدولرة»، لكن الواقع جاء أقل دراماتيكية. السبب الجوهري هو ما يُعرف بـ«تأثير الشبكة». النظام المالي يشبه اللغة: قوته في عدد مستخدميه.

يظل الدولار العملة الأكثر سيولة، القادرة على تمويل التجارة العالمية دون اختناقات حادة. ورغم كل الانتقادات، لا تزال الأسواق تعتبر النظام القانوني الأمريكي، تجارياً، أكثر قابلية للتنبؤ من بدائله. أما التعامل بالعملات المحلية، فيصطدم دائماً بسؤال بسيط: ماذا تفعل بفائض عملة لا يقبلها أحد خارج حدود ضيقة؟ حتى الآن، لا يوجد بديل مكتمل يمكنه أداء وظيفة «العملة الوسيطة» على نطاق عالمي.

الدولار كأداة ضبط

ما نراه اليوم يتجاوز الهيمنة المالية التقليدية، نحن أمام نظام ضبط يستخدم العملة لفرض السياسة دون حروب، والولايات المتحدة لا تحتاج إلى إرسال جنود عندما تستطيع شلّ اقتصاد كامل بقرار مالي.

لكن هذا السلاح يحمل مفارقة واضحة: كلما زاد استخدامه، زادت الرغبة في الهروب منه. تسييس الدولار يدفع خصوم واشنطن، ومعهم حلفاء مترددون، إلى البحث عن بنى مالية بديلة، حتى وإن كانت مكلفة وبطيئة.

العالم اليوم عالق في منطقة رمادية، الجميع يضيق ذرعاً بديكتاتورية الدولار، لكن لا أحد يستطيع بعد تحمّل كلفة الاستغناء عنه.