جمال بدومة
جمال بدومة

مقالات مشابهة

سينما

الدورة الـ 79 من مهرجان “كان”: سعفة ذهبية خارج التكهنات ولجنة تحكيم تنقصها الجرأة

جمال بدومة
جمال بدومة

انتهت دورة أخرى من مهرجان “كان”، ولم ينته الجدل حول جوائز الحدث السينمائي الذي يملأ الدنيا ويشغل الناس كل صيف، ويترك زوابع صغيرة في الصحف والمواقع ووسائل التواصل الاجتماعي، بين نقاد السينما وجمهورها الواسع عبر العالم.

الأفلام المتوجة تحظى بامتياز في قاعات العرض السينمائية، رغم أن خيارات لجنة التحكيم تظل في النهاية ذاتية، تعكس ذائقة أعضائها وتدافع آرائهم أثناء المداولات… فإلى أي حد توفّق بارك تشان ووك ودومي مور، ومن معهما، في توزيع جوائز الدورة الـ 79 من مهرجان “كان”؟ 

سعفة ذهبية خارج التكهنات 

الفيلم الذي حظي بالسعفة الذهبية لم يكن الأكثر رواجاً في تكهنات النقاد والصحافيين، مقارنة مع أفلام أخرى حظيت بإجماع واضح في وسائل الإعلام المتخصصة في السينما، مثل “مينوتور” و”الكرة السوداء” و”خلاصنا”.

لجنة التحكيم اختارت فيلماً هادئاً، مرّ دون صخب، تجري أحداثه في النرويج. “فيورد” يطرح سؤال اختلاف الثقافات وأثره على الأطفال، من خلال مواجهة بين عائلة مسيحية محافظة تتحدر من رومانيا، وقوانين الدول الاسكندنافية، التي ترمق الثقافات المختلفة بتعالٍ وتمارس عليها الوصاية. المخرج لا يأخذ موقفاً واضحاً بقدر ما يزرع الشك في عقول المشاهدين. جمال الشريط في تقشف لغته السينمائية، كريستيان مونجيو ذهب الى العمق دون استعراض، وتمكن من خلخلة يقينيات جمهوره، وسرق إعجاب لجنة التحكيم. 

مونجيو يملك مبضعاً دقيقاً، ما انفكّ يشرّح به المجتمع الروماني في كل مرة يحرّك الكاميرا. فيلمه “أربع سنوات، ثلاثة أشهر، ويومان” سبق وأن أحرز السعفة الذهبية عام 2007، مما يمنحه بطاقة العضوية في نادي المتوجين بسعفتين ذهبيتين رفقة مايكل هانيكه وكين لوتش والأخوان داردين وروبن أوستلاند وأمير كوستوريكا وبيل أوغست وشوهي إيمامورا.

بتواضع الكبار، اعترف مونجيو أنه يشعر بعقدة الذنب إزاء مخرجين كبار لم يفوزوا ولو مرة بالسعفة بالذهبية. ربما كان يقصد بيدرو ألمودوفار، المخرج الإسباني الذي لم يكترث الحكّام إطلاقاً بـ “تخييله الذاتي”. طبعاً، مخرج “كل شيء عن أمي” أكبرُ من جميع الجوائز، مثل كل المبدعين العظماء، ألم يعش ميلان كونيديرا 94 عاماً دون أن يحصل على جائزة “نوبل” للآداب، رغم رواياته التي مازالت تسحر الملايين عبر العالم؟

صوت الأقليات والمهمشين 

لا السينما داخل السينما استهوت بارك تشان ووك وزملاؤه في لجنة التحكيم “تخييل ذاتي” لألمودوفار، “قصص متوازية” لأصغر فرهدي، “المحبوب” لرودريغو سوروغوين، ولا أفلام المغامرة والتشويق والفانتازيا، “هوب” لنا هونغ جين، “نمر من ورق” لجيمس غراي، “المجهول” لأرتير هاراري، “حكايات الليل” لليا ميسيوس، ولا الدراما الاجتماعية “غارانس” جان هيري، “حياة امرأة” لشارلين بورجوا-تاكيه، “وحش لطيف” لماري كرويتزر. الأفلام التي صعد أصحابها لمنصة التتويج، تدور جميعها حول الحرب والجبن والايديولوجيات الشمولية وحقوق الأقليات والمهمشين.

الجائزة الكبرى ذهبت إلى “مينوتور”. فيلم يصوّر تداعيات الحرب الأوكرانية على بلدة روسية، تعيش بقلق إرسال أبنائها إلى الجبهة. يرصد أندريه زفياغينتسيف تصدع أسرة وانهيار بلد، بسبب تغول السلطة وتكلفة الحرب، وانتشار الفساد والرشوة والبيروقراطية. الفيلم عميق في موضوعه ورفيع في لغته البصرية، بقدر ما يمتع الجمهور الواسع، يبهج النخبة السينمائية، لأنه مقتبس من “المرأة الخائنة” لكلود شابرول، الذي يعدّ إحدى تحف الموجة الجديدة. ينجح المخرج في زرع قصة شابرول داخل بلدة روسية، على إيقاع الحرب في أوكرانيا. زفياغينتسيف صعد إلى الخشبة مع مترجمه، ووجه رسالة مباشرة إلى فلاديمير بوتين: “أوقف هذه المجزرة، العالم كله ينتظر ذلك “!

جائزة الإخراج كانت من نصيب فيلمين عن الحرب أيضاً. الحرب الأهلية الإسبانية في “الكرة السوداء” وتداعيات الحرب العالمية الثانية على ألمانيا في “أرض الأجداد”. الثنائي الإسباني خافيير أمبروسي وخافيير كالفو تحكم في ثلاثة خيوط سردية، دون أن يضيع منهما الإيقاع أو يتفسخ البناء الدرامي. مغامرة فنية مدهشة، تنبش جثة الفاشية، وتستعرض وصية الشاعر فيديريكو غارسيا لوركا حول الحرية والاختلاف. أما بافل بافليكوفسكي، فقد جعل من عودة الكاتب توماس مان إلى ألمانيا بعد الحرب ذريعة ليرصد تفاصيل منسية من تاريخ أوروبا الحديث، ويكرس نفسه رائداً للأبيض والأسود.

ازدحام منصة التتويج أكثر من مرة، يعكس نقصاً في الجرأة لدى لجنة التحكيم، التي لم تستطع الحسم في أكثر من جائزة.

هذا ليس فيلماً للمسابقة الرسمية!

أحياناً يضطر الصحافيون إلى مغادرة الفيلم قبل نهايته، لأسباب شتى، تتعلق بإكراهات الشغل وكثرة العروض في المهرجان. غادرت قاعة ديبيسي قبل نهاية الشريط بربع ساعة، ووجدت في البهو صحافياً يصرخ: هل يضحك على ذقوننا تيري فريمو (مندوب المهرجان)؟ هذا ليس فيلماً للمسابقة الرسمية؟ كان يمكن أن يدرجه في “نظرة ما” أو “يتركه لقناة آر تي… إنها فضيحة”!

اكتفيت بتأييد رأيه، رغم أنني كان يمكن أن أصرخ معه، لأن الشريط عبارة عن ثلاث ساعات كاملة من التعذيب، انتظرنا طويلاً أن يحدث شيء ما على الحدود بين بلغاريا وتركيا، يشير إلى أننا في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان”، دون جدوى. الفيلم عنوانه “المغامرة التي حلمت بها” للمخرجة الألمانية فاليسكا غريسباخ وقد منحته لجنة التحكيم جائزتها الخاصة، نكاية بنا جميعاً، بمن صرخ ومن أيّد ومن عُذِّب !

البطل-المضاد الذي قدمه الممثل سوان أرلو في “خلاصنا” يستحق جائزة أفضل ممثل، لكن اللجنة تأثرت أكثر بأداء الثنائي البلجيكي إيمانويل ماكشيا وفالانتان كامباني في فيلم “جبان” للمخرج لوكاس دونت، الذي يعالج المثلية الجنسية وسط الخنادق، في عزّ الحرب العالمية الأولى. “خلاصنا” لم يعد يخفي حنين بل ربح جائزة السيناريو. إيمانويل مار (المخرج والسيناريست) غامر بأسرار عائلية، كي يقدم لوحة رمادية لفرنسا النازية، ويكسر قواعد الفيلم التاريخيّ.

على غرار الأداء الرجالي، جائزة أفضل ممثلة تقاسمتها البلجيكية فيرجيني إيفيرا مع اليابانية تاو أوكاموتو عن دوريهما في فيلم “فجأة” للمخرج الياباني ريوسوكي هاماغوشي. إيفيرا لعبت دوراً في “فجأة” ودورين في “حكايات متوازية” لأصغر فرهدي، وكانت مدهشة في الثلاثة، لكن ليست وحدها، بل كوكبة كاملة من الممثلات أبدعن في التشخيص خلال هذه الدورة: أديل إكزاركوبوليس في “غارانس” وليا دروكر في “حياة امرأة” وإيريس ليبيديفا في “مينوتور” وإيزابيل أوبير في “حكايات متوازية” وريناتي رينسف في “فيورد” وليا سيدو في “وحش لطيف” وحفصية حرزي في “حكايات الليل”… ماذا لو صعدن كلهنّ لاستلام جائزة واحدة؟