يُعد الدكتور عميرة عليّة الصغير واحداً من المؤرخين التونسيين الذين برزوا خلال سبعينيات القرن الماضي، وتمردوا مبكراً على سلطة “الأب” الحبيب بورقيبة، مؤسس الجمهورية التونسية. وانحاز إلى التيار اليساري، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع داخل الجامعة التونسية قبل صعود التيار الإسلامي، ممثلاً في “حركة الاتجاه الإسلامي” التي تحولت لاحقاً إلى “حركة النهضة” ذات الجذور الفكرية المتأثرة بـ”الإخوان المسلمين”. ومن هنا، تكتسب مقاربته للتاريخ التونسي المعاصر خصوصيتها، بحكم خلفيته الفكرية والسياسية.
اهتم المؤرخ عميرة عليّة الصغير بالتاريخ الاجتماعي والحركة الوطنية والثورة الجزائرية، وعُرف بمقاومته للفكر الديني المتشدّد وحركات الإسلام السياسي، وقدّم عدة كتب ودراسات باللغتين العربية والفرنسية، نذكر منها: “اليمين الفرنسي بتونس بين 1934 و1946″، و”المقاومة الشعبية في تونس في الخمسينيات”، و”الإرهاب في تونس: الآباء والأبناء”، وغيرها.
في هذا الحوار الخاص يتحدّث الدكتور عميرة عليّة الصغير لـ”غلوبال ووتش عربية” عن أسباب فشل المشروع الإصلاحي العربي وانحداره.
– اهتممت بالفكر الإصلاحي التونسي منذ القرن الثامن عشر، الذي كان منخرطاً في موجة تحديث وإصلاح في مناطق عربية، خاصة في مصر والشام. كيف تقرأ اليوم نكوص الفكر الإصلاحي؟
لقد تعرضت في عدة بحوث لي، في إطار نظرة شمولية، للتأثير والتأثر بين الحركة الإصلاحية في تونس وما كان يوجد في الشرق العربي، حتى الإسلامي، وبيّنت مثلاً أن النخبة الإصلاحية في تونس، وإن كانت معجبة ومولعة بالنهضة الأوروبية، فهي على اطلاع، وحتى متأثرة، بحركة الإصلاح في المجال العربي.
في قضية المرأة، كانت النخبة المتعلّمة في تونس، وخاصة المتخرّجة من “الزيتونة”، مشدودة إلى الشرق العربي بحكم شعورها بالانتماء إلى نفس الأمة الإسلامية ثمّ العربيّة، ومجابهة نفس العدو (الاستعمار الغربي). وكانت الاتصالات الفكرية بين تونس والشرق تتمّ عبر تنقل الرجال، وخاصةً الأفكار، منذ القرن التاسع عشر. وكانت الصحف والكتب الصادرة في البلدان الشرقية، وخاصة في مصر، تلقى رواجاً لدى المثقفين في تونس. فلا غرو إذن أن تنتشر الأفكار الإصلاحية التي نادى بها رواد النهضة في الشرق داخل البلاد التونسية.
دون إسهاب، نذكّر بأهم الأفكار التحررية التي نادى بها أنصار المرأة هناك. تعرّض رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873) لهذه القضية، خاصة في مؤلفيه: “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” (1869)، و”المرشد الأمين في تربية البنات والبنين” (1873)، اللذين نادى فيهما بضرورة تعليم المرأة ومساواتها مع الرجل في طلب العلم والشغل، واعتبر تعدد الزوجات من باب الضرورات التي أجازها الإسلام بشروط، كما اعتبر أن حجاب المرأة ليس ضامناً لعفتها.
واعتبر سليم البستاني، في مجلة “المقتطف” (تموز 1883)، أن المرأة مساوية للرجل في القدرات العقلية. ونادى أحمد فارس الشدياق (1805 – 1887)، في كتابيه “الساق على الساق” و”كشف المخبأ عن فنون أوروبا”، بتعليم المرأة. كذلك فعل عبد الرحمن الكواكبي (1846 – 1902) في “أم القرى”.
كما لاقت أفكار قاسم أمين (1865 – 1908)، المناصر الأول لتحرير المرأة في الشرق العربي، خاصة في كتابيه “تحرير المرأة” (1899)، و”المرأة الجديدة” (1900)، معارضة شديدة من معاصريه المحافظين، شأن الطاهر الحداد المتأثر به في تونس.
وقد ثار قاسم أمين ضد اضطهاد المرأة من الرجل، وضد شيوخ الدين وتفسيرهم المضلّل لروح القرآن، واعتبر أن انحطاط الأمة هو نتيجة الوضع الذي كانت عليه المرأة، لذا، نادى بتحريرها ومنحها حقها في التعليم والعمل، وحريتها في فكرها وإرادتها، وشدد على ضرورة إصلاح قانون الطلاق المجحف في حقها، واعتبر أن تعدد الزوجات هو نتيجة انتشار الرق، وشرح مساوئه، وعارض الحجاب، وبيّن أنه دخيل على الإسلام وعائق للنهوض بالمرأة. وقد دافع عن هذه الأفكار عديد من الكتّاب والصحافيين، وذهب جميل صدقي الزهاوي، في “المؤيد” المصرية، إلى حد المناداة بالمساواة في الإرث سنة 1910.
تبيّن أن هذا التوق إلى الإصلاح والتحديث و”اللحاق بركب الحضارة”، مثلما نادى الزعيم الحبيب بورقيبة، كان قاصراً على إحداث تغيير جذري لأوضاع الدول والمجتمعات العربية بالخصوص. وإن تفاوتت درجات التحديث من بلد إلى آخر، فإن الغالب هو الفشل، إن لم يكن النكوص والارتداد على ما كانت عليه موجة المناداة بالإصلاح وتغيير الثقافة والعادات وتحرير المجتمع، وخاصة إقرار حق النساء في المساواة والإنسانية.
لو استثنينا بعض مظاهر العصرنة في العمران والاستهلاك، والارتفاع النسبي في تعليم الإناث أو مشاركة المرأة في الحياة العامة، فإن جل المجتمعات العربية هي حالياً مضروبة، ولو بدرجات متفاوتة، بموجة من النكوص ومرض المحافظة والتمسك بالموروث، وحتى تثمينه باسم الحفاظ على الهوية “العربية الإسلامية” والدفاع عنها “أمام هجمة التغريب وأعداء الأمة”. لماذا هذا الفشل والنكوص؟ لأنه فشل النخب القائدة والحاكمة.
– شهدت مرحلة الخمسينيات حالة نهوض كبيرة في العالم العربي، لكننا نشهد منذ سنوات تراجعاً في مشروع التحديث وعودة التكفير والتدافع الاجتماعي الذي يحاصر الحريات الخاصة، ما هو تفسيرك كمؤرخ؟
– نعم، لقد عرفت الدول العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي حالة نهوض في إطار بروز حركة العالم الثالث وصعود نخب مثقفة مدنية للحكم كانت قد قادت حركة التحرر من الاستعمار في المغرب، ونخب أخرى عسكرية، خاصة في الشرق العربي، وفي إطار انجذاب واسع، وحتى عالمي، للعقيدة الاشتراكية وما تنادي به من قيم المساواة وتحرر الشعوب من السيطرة الإمبريالية، مع الأخذ بأسباب التقدم من علم وتكنولوجيا، وخاصة من تطوير للبنى الفكرية والثورة على التقاليد، حتى وإن أُلبست لباس المقدس والديني.
غير أنّ هذا التوجه لم يدم طويلاً، ومنذ أواخر سبعينيات القرن الفائت غزا الفكر الرجعي والظلامي، ممثلاً في الفكر الإخواني والوهابي وغيره، جل المجتمعات العربية. هذا خارجياً، والعلة نراها خاصة داخلية، وهي فشل النخب القائدة وعدم تمثّلها الجدي والفعلي لقيم الحداثة والتحديث، لتجد نفسها، وهي في الحكم، إما أن تذهب إلى الأمام بمشروع الإصلاح الشامل وتجازف حتى بمستقبل بقائها في الحكم، أو تخضع لضغط مجتمع تتحكم فيه النخب المحافظة، وتشحنه دائماً بالعداء للأفكار والقيم التحررية التي تُقدّم له على أنها معادية للدين ولخلاصه الدنيوي والأخروي.
– ستحتفل تونس قريبًا بذكرى صدور مجلة الأحوال الشخصية. هل ترى أن بورقيبة نجح في تثبيت مشروعه الإصلاحي من خلال رهانه على المرأة؟
– في تقديري، إنّ هناك فعلاً تأميناً نسبياً وحقيقياً لضمان استمرار مشروع بورقيبة الإصلاحي في ما يخص المرأة وما اكتسبته من سنّ مجلة الأحوال الشخصية وغيرها من الإجراءات، بالمراهنة على المرأة التونسية ذاتها. غير أن ذلك، والدلائل كثيرة، ليس ضماناً مطلقاً ونهائياً، ولا يوجد في التاريخ أصلاً واقع ثابت لا يتغير، لأن المجتمعات، كالطبيعة، لا يمكن السيطرة عليها وتوجيهها إلا بالخضوع لقوانينها وقبول شروطها الموضوعية.
بمعنى آخر، لا يستطيع السياسي، مهما كان إرادياً، أن يغيّر إلا ما يسمح له الواقع بتغييره. وما ينسف كذلك التأصيل للقيم الحداثية في ما يخص المرأة والمجتمع هو فشل السياسة البورقيبية على المستوى الثقافي.
– كنت من الذين ساندوا موجة الربيع العربي في البداية، لكنك تراجعت واتخذت مسافة، بل راجعت قراءتك. لماذا؟
– كنتُ فعلاً من الذين ساندوا، وما زلت، ما اصطلح عليه بـ”الربيع العربي”. وقد ساهمت، من موقعي وبتواضع، فيه كمشارك في تحركات فاعليه، وكاتب وناقد ومؤرخ. وحتى نشرت كتاباً في موضوعه عنونته “الثورة في عيني مؤرخ” (2012)، وكتاباً ثانياً بالاشتراك والإشراف على إنجازه، وهو “الثورة في تونس من خلال الوثائق” (2012)، وآخر بالاشتراك صدر في نيويورك تحت عنوان: “الثورة والانتفاضة والإصلاح في شمال أفريقيا 2014” (Revolution, Revolt, and Reform in North Africa 2014).
نعم، ساندتُ تلك الموجة من الانتفاضة أو التمرد أو الثورة على النظام القائم في 2010، وكنت أرى التمرد عليه حقاً، بل واجباً، على كل من كان يحلم بتونس أجمل، وبدولة عادلة ديمقراطية تضمن الحرية والكرامة لمواطنيها، وتحارب الفساد والظلم والمحسوبية. وكنت أنا وأمثالي ممن سايروا التيار، ولم نكن ممن أطلقوه ولا من قادته، ولا ندعي ذلك، قد غمرتنا الفرحة وهزّنا الشوق إلى وطن أجمل.
كنت، وربما غيري كذلك، واعياً بأن ما كان يحدث، وإن كان فاعلوه يطمحون إلى دولة تضمن لهم الكرامة، وترفع عنهم الغبن والتهميش، وتوفر لهم العمل والعناية، “ثورة” وقعت دون تخطيط ولا قيادة ولا برنامج ثوري يُطبَّق، وإنما كانت مجرد حلم بالعدالة. كان الشباب والناس يتحركون في الداخل من تلقاء أنفسهم، لكن ما كنا نجهله، أو ما كنت أجهله شخصياً، أن ما كان يقع في تونس، وما صار لاحقاً في مصر وليبيا وغيرها من البلدان العربية، كان مخططاً له من المخابرات الأمريكية في إطار رؤية استراتيجية للمنطقة، حُدد فيها مسبقاً من سيحكم، وفي أي اتجاه يجب أن تسير الأمور، وملخصها إيصال التيار الإخواني إلى الحكم، وصياغة نظام على المقاس يحقق غايات المخطط ومن سيخدمه من الوافدين الجدد إلى المناصب.
لذلك تغير موقفي مما حدث في 2011 وما تلاها. والثورات أو الانتفاضات، حتى وإن فشلت، فهي تبقى في التاريخ ثورات وانتفاضات فاشلة أو مغدورة، في عيون وقلوب من فعلها أو تماهى معها، ولن يتوقف التاريخ عندها.
– كيف ترى اليوم الواقع العربي مع ما تشهده المنطقة من تحولات إقليمية؟ وأي مستقبل لمشروع التحديث؟
– لست متفائلاً أبداً بما آل إليه الواقع العربي، خاصة بعد ما آلت إليه أوضاع دول كالعراق وليبيا ولبنان، وخاصة سوريا. أما قضية الفلسطينيين فهي في أسوأ مرحلة من تاريخها. والوضع في شمال إفريقيا أقل قتامة، وإن كان وضع التقسيم في ليبيا، وعربدة الميليشيات المسلحة، والتدخل الأجنبي، لا يُنبئ بخير، لا لليبيين ولا للشعوب التي تجاورهم. كما أن الوضع في تونس كذلك في حالة انسداد.
لكن لا أمر يدوم، ولن أُحيل هنا مستقبل البلاد إلى الأقدار، كما يفعل الكثيرون. فقط، كمؤرخ، أقول إن التاريخ لا يتطور في خط مستقيم، وحركته فيها تعرجات وانكسارات. ومستقبل التحديث في الواقع العربي يبقى مرهوناً بوعي الشعوب، أو قل بوعي قادتها، بأن لا بقاء لدول أو شعوب في عالم مُعولم تحكمه رأسمالية متوحشة، إلا بالتحديث الفعلي والشجاع الذي يهزّ البنى الثقافية والأخلاقية المتيبسة والموروثة منذ قرون، وبامتلاك ناصية العلم والتكنولوجيا عبر تعليم عصري وحداثي.















