بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر (3-8)

الخلايا الصغيرة والتطرف الرقمي يعيدان تشكيل مشهد الإرهاب في أوروبا ويضعان المنظومة الأمنية أمام تحديات مصيرية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

منذ مطلع الألفية الجديدة، شهدت القارة الأوروبية تحوّلات جوهرية في طبيعة التهديدات الإرهابية. فبعد أن كانت الهجمات مرتبطة في الغالب بتنظيمات مركزية كبرى، اتجه المشهد تدريجياً نحو أنماط أكثر تفككاً، قوامها أفراد أو خلايا صغيرة، تعمل بدوافع أيديولوجية متعددة وأساليب أقل تعقيداً من حيث التنفيذ، وأكثر إرباكاً من حيث الاكتشاف والاستباق.

هذا التحول لا يقتصر على التطرف الإسلامي الأصولي، بل يمتد ليشمل أنماطاً أخرى من التطرف اليميني واليساري في بعض الدول الأوروبية. ويعكس هذا التعدد الأيديولوجي تعقيد البيئة الأمنية، ويزيد من صعوبة التنبؤ بالهجمات. وتشير معطيات السنوات الأخيرة إلى أن نسبة كبيرة من الهجمات الدموية نُفّذت على يد أفراد متأثرين بخطاب متطرف عبر الإنترنت، من دون ارتباط تنظيمي مباشر، ما يضع الأجهزة الأمنية أمام تحديات غير مسبوقة.

استغلال الليبرالية الأوروبية

تُمثّل الحركات الإسلامية الأصولية أحد أخطر أنماط الإرهاب في السياق الأوروبي المعاصر، نظراً لقدرتها على استغلال منظومة الحريات، وسهولة التنقل، وطبيعة المجتمعات متعددة الثقافات. وتستهدف هذه الحركات، على نحو خاص، فئات من الشباب المهمشين أو الأفراد الذين يعانون شعور الاغتراب أو الإحباط أو فقدان المعنى، مقدّمة لهم سرديات تبريرية للعنف ومسوغات أيديولوجية للانتقام من المجتمع والدولة.

وتلعب المنصات الرقمية دوراً مركزياً في هذا المسار، إذ تُستخدم كوسيط للتأثير النفسي المستمر، وبناء القناعات، وتطبيع العنف، ما يمنح هذه الجماعات قدرة على الانتشار والتأثير تتجاوز القيود الجغرافية والتنظيمية التقليدية.

الهجمات الفردية.. نموذج تكتيكي

تُجسّد الهجمات الفردية، المعروفة إعلامياً بـ”الذئاب المنفردة”، نموذجاً تكتيكياً يقوم على استقلالية التنفيذ، مع الحفاظ على ارتباط فكري أو رمزي بتنظيمات إرهابية كبرى. يوفّر هذا النموذج درجة عالية من المرونة، إذ يسمح بتنفيذ عمليات عنف من دون الحاجة إلى بنية لوجستية معقدة أو توجيه مباشر من قيادة مركزية.

من أبرز هذه النماذج الهجوم الإرهابي في باريس، نوفمبر/تشرين الثاني 2015، والذي أسفر عن مقتل 130 شخصاً وإصابة أكثر من 400 آخرين. وهجوم مانشستر في مايو/أيار 2017، حيث فجّر انتحاري نفسه في حفل موسيقي، ما أدى إلى مقتل 22 شخصاً وإصابة 59 آخرين. كما شهدت كوبنهاغن هجمات في 2015، مستوحاة من محتوى متطرف على الإنترنت من دون ارتباط مباشر بأي تنظيم، استهدفت تجمعات مدنية ومساجد، وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى.

الخلايا الصغيرة والتخطيط المعقد

بالإضافة إلى الهجمات الفردية، شكلت الجماعات خلايا صغيرة للتخطيط لهجمات أكثر تعقيداً، تستهدف المدنيين والبنية التحتية والمؤسسات الحكومية باستخدام مزيج من التكتيكات التقليدية والتكنولوجية لتحقيق أثر نفسي واسع النطاق. وفي هذا السياق، أدى الاستهداف الإرهابي لمطار ومحطة المترو في بروكسل، مارس/آذار 2016، إلى مقتل 32 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين. لتُظهر هذه الخلايا قدرة على تنسيق عمليات متعددة في وقت واحد، ولتُؤكد أن الجماعات الصغيرة قادرة على استغلال الفراغات القانونية والاجتماعية لتوسيع تأثيرها وإبقاء شعور الخوف مستمراً في المجتمعات الأوروبية.

تلعب العوامل الاقتصادية والاجتماعية دوراً أساساً في إنعاش الجماعات الإرهابية، التي تستغل الأفراد من خلفيات فقيرة أو مهمشة، وتُقدم لهم وعوداً بالانتماء والقدرة على التأثير وإيجاد مكان في مجتمع يشعرون فيه بالغربة. وتُعد البطالة والتهميش وغياب الفرص التعليمية بيئة خصبة للتحريض على التطرف. كما تُعتبر معالجة هذه الفجوات الاجتماعية والاقتصادية جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجيات الأمنية، إذ إن التدخل الأمني وحده لا يحقق نتائج مستدامة.

الخطر الرقمي والمحتوى المتطرف

أصبحت المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي أدوات رئيسة في يد الحركات الإسلامية الأصولية. يتم استخدامها لتوجيه الدعاية بشكل مخصص لكل فئة مستهدفة، وتحفيز الغضب والإحباط أو شعور التهميش لدى الأفراد، وتحويل هذه المشاعر إلى أعمال عنف ملموسة.

بالفعل، استوحى منفذو هجمات كوبنهاغن في 2015، وبرشلونة في 2017، أفكارهم من محتوى متطرف متداول عبر الإنترنت. هذا الخطر الرقمي يتيح للجماعات الصغيرة والأفراد تنفيذ هجمات دقيقة من دون الحاجة إلى بنية تنظيمية تقليدية، ما يزيد من صعوبة احتواء الظاهرة.

تلعب السياسات الأوروبية دوراً مزدوجاً. الانفتاح السياسي والاجتماعي يمكن أن يسمح ببروز الجماعات، في حين أن التعاون الاستخباراتي بين الدول الأوروبية يحد من قدرتها على الحركة بحرية وتنفيذ هجمات واسعة النطاق. والتركيز على الجانب الأمني من دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للتطرف يكون أقل فاعلية، وتتطلب الحلول الشاملة دمج الأمن، التعليم، التنمية، والوعي المجتمعي لمواجهة التطرف بشكل فعال.

أبرز الهجمات الإرهابية في أوروبا منذ 2001

شهدت أوروبا سلسلة من الهجمات الدامية خلال العقدين الماضيين، أبرزها:

  • هجمات مدريد 2004: سلسلة انفجارات على قطارات أسفرت عن مقتل 191 شخصاً وإصابة أكثر من 1800 آخرين.
  • هجمات لندن 2005: تفجيرات متزامنة في مترو لندن وحافلات أدت إلى مقتل 52 وإصابة 700.
  • هجمات شارلي إيبدو باريس 2015: قُتل 12 شخصاً داخل مكتب الصحيفة.
  • هجمات باريس نوفمبر 2015: أوقعت 130 قتيلاً وأكثر من 400 جريح، وجرت عبر تنسيق بين خلايا متعددة.
  • هجمات بروكسل 2016: في مطار ومترو المدينة، 32 قتيلاً وأكثر من 300 جريح.
  • هجوم نيس 2016: هجوم بشاحنة خلال احتفالات وطنية أدى إلى مقتل 86 شخصاً.
  • هجوم مانشستر مايو 2017: أوقع 22 قتيلاً و59 جريحا، أثناء حفل موسيقي.
  • هجمات برشلونة 2017: سيارة مسروقة تدهس المارة، والحصيلة 16 قتيلاً و150 جريحاً.

توضح هذه الهجمات قدرة الأفراد والجماعات الصغيرة على تنفيذ أعمال عنف قاتلة باستخدام أساليب بسيطة ولكنها مؤثرة نفسياً واجتماعياً.

التأثر بالإرهاب الدولي

تتفاعل الجماعات الصغيرة في أوروبا مع التنظيمات الدولية الكبرى مثل الدولة الإسلامية والقاعدة. وتوفر هذه التنظيمات أيديولوجيا موحدة وتحفيزاً مستمراً للأفراد، حتى من دون ارتباط مباشر بالقيادة المركزية. يظهر هذا في هجمات بروكسل وباريس ومانشستر، حيث تبنت العناصر المحلية الخط الفكري والتنظيمي للتنظيمات الكبرى، مستفيدة من الانتشار الرقمي لتوجيه العمليات.

تُشكل الحركات الإسلامية الأصولية تحدياً معقداً بسبب قدرتها على استغلال الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، والتحريض النفسي عبر الإنترنت، والانتقال من الهجمات الفردية إلى التخطيط الجماعي عبر خلايا صغيرة. وتتطلب مواجهة هذه التهديدات استراتيجية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية التعليم والتوعية المجتمعية والتعاون الدولي، وتشمل مراقبة النشاط الرقمي وتعزيز الاستخبارات العابرة للحدود ومعالجة الأسباب الجذرية للتطرف لضمان استدامة الأمن.

السياسة تصنع الأمن

يبقى الأمن الأوروبي رهين قدرة الدول على تنسيق السياسات الداخلية والخارجية لمواجهة الإرهاب. ولا يمكن الاعتماد على القوة الأمنية وحدها، بل يجب دمجها مع التنمية الاجتماعية والتعليمية، لأن معالجة البطالة والتهميش والفجوات الاقتصادية تعتبر جزءاً أساساً من الحل.

لقد أصبح التعاون الدولي ومشاركة المعلومات الاستخباراتية ضرورة لمواجهة تهديدات الجماعات الصغيرة والفردية. ومن دون هذه الجهود المتكاملة، ستظل أوروبا عرضة لعمليات عنف متكررة ومؤثرة على المجتمع بأكمله، ما يجعل من الاستراتيجية الشاملة ضرورة ملحة لاستقرار القارة.