بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

سياسة نقدية

“الخدمات الأمريكية” يقاوم ضعف التوظيف.. ارتفاع التكاليف يضع الفيدرالي أمام خيار أصعب

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

تدخل الولايات المتحدة مرحلة أكثر تعقيداً من التباطؤ التقليدي: قطاع الخدمات ما زال يتوسع، والطلبات الجديدة تحافظ على قوتها، لكن الشركات تقلص التوظيف في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليفها. هذه التركيبة لا تمنح الاحتياطي الفيدرالي إشارة مريحة؛ فالاقتصاد أقوى من أن يبرر خفض الفائدة، لكنه أضعف من أن يتحمل تشديداً إضافياً بلا كلفة على سوق العمل.

تكشف بيانات يوليو أن المشكلة لم تعد في غياب النمو، بل في نوعيته. النشاط يستمر، لكن قدرته على إنتاج وظائف تتراجع، بينما تبقى ضغوط الأسعار مرتفعة. لذلك ينتقل القرار النقدي من سؤال توقيت التيسير إلى مفاضلة أدق بين تثبيت الفائدة ورفعها، في انتظار أن يحسم تقرير الوظائف ما إذا كان ضعف التوظيف عارضاً أم بداية تحول أوسع.

تحديات التضخم والتوظيف 

فقد أظهر تقرير معهد إدارة التوريد ISM، الصادر في 5 أغسطس، ارتفاع مؤشر مديري المشتريات للخدمات إلى 54.1 نقطة خلال يوليو، مقابل 54 نقطة في يونيو 2026، لكنه جاء أدنى قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 54.5 نقطة.

وتشير القراءة التي تتجاوز 50 نقطة إلى توسع النشاط. ووفقاً للمعهد، بقي قطاع الخدمات داخل نطاق التوسع للشهر الخامس والعشرين على التوالي، ما يؤكد استمرار الطلب المحلي وعدم دخول القطاع الأكبر في الاقتصاد الأمريكي مرحلة انكماش واسعة.

غير أن استقرار المؤشر الرئيسي يخفي تبايناً واضحاً بين مكوناته. فقد ارتفع مؤشر النشاط التجاري إلى 59.1 نقطة، وصعدت الطلبات الجديدة إلى 57.2 نقطة، في إشارة إلى استمرار قوة الطلب وتدفق الأعمال الجديدة.

في المقابل، انخفض مؤشر التوظيف إلى 47.4 نقطة، بعدما سجل 51.2 نقطة في يونيو، ليعود إلى نطاق الانكماش. كما ارتفع مؤشر الأسعار المدفوعة إلى 70.3 نقطة من 67.7 نقطة، مسجلاً رابع قراءة تتجاوز 70 نقطة خلال خمسة أشهر.

وتضع هذه التركيبة صنّاع السياسة النقدية أمام صورة غير مريحة: المؤسسات الخدمية تسجل نشاطاً أعلى وتتلقى طلبات جديدة، لكنها تتردد في إضافة وظائف، بينما تتسع الضغوط على تكاليف التشغيل والمدخلات.

نمو لا يتحول إلى وظائف

يمثل قطاع الخدمات أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي الأمريكي، ويشمل قطاعات مثل التمويل والتجزئة والنقل والاتصالات والعقارات والمطاعم والخدمات المهنية.

وبحسب مسح ISM، سجلت 13 صناعة خدمية توسعاً خلال يوليو، بدعم من قطاعات من بينها تجارة التجزئة والإنشاءات والتمويل، بينما أبلغت أنشطة أخرى، من بينها الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية، عن انكماش.

لكن اتساع النشاط لم يدفع المؤسسات إلى زيادة العمالة بالمعدل نفسه. وأشار بعض المشاركين في المسح إلى خفض محدود في الوظائف تزامن مع تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن التقرير لا يتيح تحديد مدى انتشار هذا الاتجاه أو وزنه مقارنة بعوامل أخرى، مثل ارتفاع التكاليف والحذر تجاه التوقعات الاقتصادية.

وتتوافق إشارة ISM مع بيانات شركة معالجة الرواتب ADP، التي أعلنت إضافة القطاع الخاص 44 ألف وظيفة فقط خلال يوليو، مقابل 95 ألفاً بعد مراجعة يونيو، وبأقل من توقعات السوق.

وأظهر تقرير ADP في الوقت نفسه ارتفاع الأجور السنوية للعاملين المستمرين في وظائفهم بنسبة 4.4%، ما يشير إلى أن تباطؤ التوظيف لا يترافق حتى الآن مع اختفاء ضغوط الأجور أو نقص المهارات في بعض القطاعات.

وتعزز هذه البيانات وصف سوق العمل الأمريكية بأنها منخفضة التوظيف والتسريح معاً. فالشركات لا تطلق موجات فصل واسعة، لكنها تتردد في فتح وظائف جديدة، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل واستمرار الغموض بشأن مسار الطلب والسياسة النقدية.

ولا تعني قراءة ISM أن الاقتصاد فقد وظائف بالفعل؛ فالمؤشر يُعد مسحاً لاتجاهات المؤسسات المشاركة، وليس إحصاءً مباشراً لعدد العاملين. مع ذلك، يقدم إشارة مبكرة إلى تراجع شهية الشركات الخدمية للتعيين، وهو ما يكتسب أهمية إضافية إذا أكدته البيانات الرسمية.

التضخم إلى الواجهة

تكمن الإشارة الأكثر حساسية في تقرير يوليو في صعود مؤشر الأسعار المدفوعة إلى 70.3 نقطة، وهو مستوى يدل على انتشار واسع لزيادات تكاليف المدخلات بين المؤسسات المشاركة في المسح.

وأبلغ المشاركون عن ارتفاع أسعار مدخلات متنوعة، من بينها اللحوم والنحاس والبرمجيات وبعض الخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا، إلى جانب استمرار الضغوط على أجزاء من سلاسل التوريد.

كما ارتفع مؤشر تسليم الموردين إلى 52.8 نقطة، ما يعني أن عمليات التسليم أصبحت أبطأ. وقد يرتبط ذلك بقيود في الإنتاج والنقل أو نقص بعض المكونات، وليس بتراجع الطلب.

ولا يقيس مؤشر الأسعار المدفوعة التضخم الاستهلاكي مباشرة، لكنه يوضح اتجاه تكاليف المؤسسات، التي قد تحاول الشركات تمرير جزء منها إلى العملاء، خصوصاً في الأنشطة التي تتمتع بقدرة أكبر على التسعير.

وتحظى تكاليف الخدمات باهتمام خاص لدى الاحتياطي الفيدرالي، لأنها عادة أكثر ثباتاً من أسعار السلع والطاقة. فقد تتراجع أسعار النفط أو بعض المواد الخام سريعاً، بينما تستمر تكاليف الأجور والإيجارات والتأمين والبرمجيات والخدمات المهنية لفترات أطول.

لذلك، لا يقدم التقرير ما يدعم الثقة بأن ضغوط التكلفة داخل قطاع الخدمات بدأت تتراجع بصورة مستدامة. لكنه لا يثبت وحده أيضاً أن التضخم العام سيتسارع، إذ يحتاج هذا الاستنتاج إلى تأكيد من بيانات أسعار المستهلك ونفقات الاستهلاك الشخصي والأجور.

الفيدرالي بين ضعف التوظيف والرفع

أبقى الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه الأخير سعر الفائدة ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75%، لكن القرار كشف انقساماً واضحاً داخل لجنة السوق المفتوحة، بعدما صوّت ثلاثة أعضاء ضد التثبيت وفضلوا رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وتعزز بيانات الخدمات جزءاً من حجة الداعين إلى رفع الفائدة. فالنشاط الاقتصادي ما زال متماسكاً، والطلبات الجديدة تتوسع، فيما تبقى تكاليف المدخلات مرتفعة. وهذه مؤشرات تقلل الحاجة إلى تقديم دعم نقدي للاقتصاد، وتزيد القلق من استمرار التضخم.

في المقابل، يقدم انكماش مؤشر التوظيف وضعف بيانات ADP حجة للتريث. فرفع الفائدة يزيد كلفة الاقتراض على الشركات والأسر، وقد يضغط على مؤسسات مترددة أصلاً في إضافة وظائف جديدة.

ولا تجعل بيانات يوليو رفع الفائدة قراراً محسوماً، لكنها تضعف بوضوح أي حجة لخفضها في المدى القريب. فالخيارات الفعلية تتحرك الآن بين تثبيت الفائدة ورفعها، وليس بين الخفض والتثبيت وحدهما.

وتتمثل المعضلة أمام الفيدرالي في أن النشاط لا يزال قوياً بما يكفي لإبقاء ضغوط الأسعار، لكنه لا ينتج وظائف جديدة بالقوة نفسها. وإذا رفع البنك المركزي الفائدة لمواجهة التضخم، فقد يسرع ضعف سوق العمل. أما إذا أبقاها دون تغيير لفترة طويلة، فقد يمنح تكاليف الخدمات وقتاً أطول للانتقال إلى الأسعار النهائية.

وأظهرت الأسواق تردداً مماثلاً. فقد تراجعت مؤشرات “ستاندرد آند بورز 500” و”ناسداك”، بينما ارتفع “داو جونز”، وانخفض عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى قرب 4.62%. لكن الجلسة تأثرت أيضاً بنتائج الشركات وأسعار النفط والتطورات الجيوسياسية، ما يمنع نسبة التحركات إلى تقرير الخدمات وحده. كما تراجعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر مقارنة بمستوياتها مطلع الأسبوع، لكنها بقيت مرتفعة بما يكفي لإظهار أن الأسواق لا تستبعد التشديد الإضافي.

تقرير الوظائف يختبر الإشارات  

يتجه الاهتمام الآن إلى تقرير الوظائف غير الزراعية المقرر صدوره في 7 أغسطس، وسط توقعات بإضافة نحو 80 ألف وظيفة خلال يوليو، وبقاء معدل البطالة عند 4.2%.

إذا جاءت الوظائف أقل بكثير من التوقعات، فستكتسب إشارات ISM وADP وزناً أكبر، وقد يُنظر إلى ضعف التوظيف بوصفه بداية تباطؤ أوسع في سوق العمل، لا مجرد حركة شهرية في المؤشرات الخاصة والمسحية. أما إذا تجاوز نمو الوظائف التوقعات، فستقوى حجة الأعضاء الداعين إلى رفع الفائدة، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع استمرار نمو الأجور وثبات ضغوط الأسعار في قطاع الخدمات.

يجب التعامل مع مؤشر التوظيف في ISM وبيانات ADP بوصفهما إشارتين استباقيتين، لا بديلاً عن تقرير وزارة العمل. فكلاهما يختلف عن البيانات الرسمية في العينات والمنهجيات والقطاعات المشمولة، وقد يتحرك أحياناً في اتجاه مختلف عن عدد الوظائف غير الزراعية.

لا يغير تقرير الخدمات التقدير الأساسي بأن الاقتصاد الأمريكي ما زال ينمو، لكنه يغير طبيعة السؤال المطروح أمام الفيدرالي. الخطر القريب ليس ركوداً فورياً، بل استمرار اقتصاد يجمع بين طلب متماسك، وتكاليف مرتفعة، وقدرة أضعف على إنتاج وظائف جديدة.

وسيحدد تقرير 7 أغسطس ما إذا كان ضعف التوظيف كافياً لمنع رفع الفائدة، أم أن قوة النشاط واستمرار ضغوط التكلفة سيمنحان معسكر التشديد داخل الاحتياطي الفيدرالي حجة أقوى في الاجتماع المقبل.