تعيد الهجمات الأخيرة التي يشنّها “الحوثيون” باتجاه الأراضي السعودية، بعد أشهر من الهدوء النسبي على الجبهة اليمنية، خلط أوراق المشهد الأمني في شبه الجزيرة العربية، وتضع واحدة من أكثر ساحات النفوذ الإيراني حساسية في واجهة الأحداث. فالتصعيد الأخير، الذي تزامن مع تهديدات متجددة باستهداف العمق السعودي واستمرار المناوشات في البحر الأحمر، لا يقتصر تأثيره على أمن المملكة، بل يمتد إلى أحد أهم المشاريع الجيوسياسية التي تراهن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وهو الممر الاقتصادي: الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، الذي يعتمد نجاحه إلى حدّ كبير على استقرار الخليج والبحر الأحمر.
تأتي هذه التطورات في وقت تحكم العلاقة بين واشنطن وطهران هدنة هشة فرضتها اعتبارات الردع أكثر من تسوية سياسية مستقرة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تسعى، عبر أحد أبرز أذرعها الإقليميين، إلى تذكير خصومها بأن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية جديدة في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل حضورها الإقليمي.
وتزداد أهمية الحدث لأنه يلي فترة شهدت تراجعاً ملحوظاً في الهجمات العابرة للحدود، عقب التقارب السعودي–الإيراني والمساعي الرامية إلى احتواء الحرب اليمنية. إلا أن عودة “الحوثيين” إلى التصعيد، بالتزامن مع مؤشرات إلى تحركات للفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق، توحي بأن مرحلة التهدئة لم تُنهِ الصراع، بل نقلته إلى مستوى جديد تُدار فيه المنافسة عبر ساحات النفوذ الإقليمية.
سياسة الردع بالوكلاء
منذ قيام الجمهورية الإسلامية العام 1979، بنت إيران شبكة واسعة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة خارج حدودها، لتصبح أحد أهم مرتكزات سياستها الخارجية. وقد منحها هذا النموذج قدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية من دون الانخراط المباشر في الحروب، عبر توزيع مصادر الضغط على أكثر من جبهة.
وتقوم هذه المقاربة على مبدأ واضح: كلما ارتفعت الضغوط على إيران، زادت احتمالات تحريك ساحات مختلفة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وبلاد الشام، بما يرفع كلفة أي مواجهة مع طهران ويحول دون حصرها داخل حدودها الجغرافية.
في هذا الإطار، لا تبدو التهدئة مع الولايات المتحدة نهاية للمواجهة، بل مرحلة لإعادة إدارة أدواتها. فالحفاظ على شبكة الحلفاء يشكل بالنسبة إلى إيران ورقة استراتيجية لا تقل أهمية عن برنامجها الصاروخي أو النووي، لأنها تمنحها قدرة مستمرة على التأثير في حسابات خصومها.
السعودية هدف استراتيجي
على الرغم من التحسّن الذي شهدته العلاقات السعودية–الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، لا تزال المملكة تحتل موقعاً محورياً في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، فهي أكبر اقتصاد عربي، وأحد أبرز منتجي الطاقة في العالم، كما تمثل الشريك الخليجي الأهم للولايات المتحدة في الملفات الأمنية والاقتصادية.
لذا، فإن أي تهديد للأراضي السعودية يتجاوز بعده العسكري، ليحمل رسائل سياسية إلى أكثر من عاصمة. فهو يذكر واشنطن بأن استقرار الخليج يبقى مرتبطاً بتوازنات القوى الإقليمية، كما يضع الأسواق العالمية أمام حقيقة أن أمن الطاقة لا يزال عرضة للتقلبات.
وتزداد أهمية المملكة في الحسابات الجيوسياسية مع تحولها إلى ركيزة أساسية في مشروع الممر الاقتصادي “الهند–الشرق الأوسط–أوروبا”، الذي تراهن عليه الولايات المتحدة وشركاؤها لإعادة رسم مسارات التجارة العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد في السعودية أو البحر الأحمر لا يستهدف الأمن الخليجي فحسب، بل يوجه رسالة إلى مشروع استراتيجي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز أدوات المنافسة الاقتصادية مع الصين، فضلاً عن كونه مدخلاً لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة.
جبهتان ورسالة واحدة
لا يمكن فصل التصعيد “الحوثي” عن التحركات التي شهدتها الساحة العراقية خلال الفترة نفسها. فالتزامن بين الجبهتين يعكس أسلوباً درجت إيران على استخدامه، يقوم على توزيع الضغط عبر أكثر من ساحة بما يربك حسابات الخصوم ويمنحها هامشاً أكبر للمناورة.
ففي اليمن، يمتلك “الحوثيون” القدرة على تهديد البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب استهداف العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تمثل الفصائل المسلحة في العراق أداة ضغط على المصالح الأمريكية، وتبقي الجبهة الشمالية للخليج ضمن دائرة التوتر المحتمل.
وعلى الرغم من اختلاف طبيعة كل ساحة، فإن النتيجة واحدة: شبكة نفوذ قادرة على التحرك في أكثر من اتجاه، بما يجعل أي مواجهة مع إيران ذات أبعاد إقليمية تتجاوز حدودها الوطنية.
تفاوض من موقع القوة
لا تنظر طهران إلى التصعيد المحدود باعتباره نقيضاً للمفاوضات، بل تعتبره جزءاً من إدارة التفاوض نفسه. فقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن القيادة الإيرانية تحرص على الدخول في أي مسار تفاوضي وهي تحتفظ بأكبر قدر ممكن من أوراق القوة، بما يعزز موقعها السياسي ويمنع خصومها من الاعتقاد بأن الضغوط العسكرية أو الاقتصادية أضعفت نفوذها.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أي انفجار واسع في الخليج أو البحر الأحمر ستكون له تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يدفعها إلى احتواء التصعيد بدلاً من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، ما دامت مصالحها الحيوية لم تتعرض لضربة مباشرة.
هدنة لا تعني السلام
تعكس التطورات الأخيرة انتقال التهدئة بين واشنطن وطهران إلى مرحلة تُدار فيها المنافسة بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة. فبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، باتت ساحات النفوذ الإقليمية المسرح الرئيس لتبادل الرسائل وفرض معادلات الردع.
وتبدو السعودية نقطة ارتكاز رئيسة في هذا التنافس، ليس فقط بسبب وزنها السياسي والاقتصادي، بل أيضاً لدورها المتنامي في مشاريع الربط التجاري والطاقة التي تسعى القوى الكبرى إلى ترسيخها خلال السنوات المقبلة.
بينما تبدو المنطقة بعيدة، حتى الآن، عن حرب إقليمية شاملة، فإنها لا تزال تعيش على وقع توازن هش قابل للاهتزاز في أي لحظة. ومع استمرار كل طرف في التمسك بأوراق قوته، ستبقى الجبهات الممتدة من اليمن إلى العراق مرشحة للاشتعال كلما تبدلت حسابات الردع أو تعثرت مسارات التفاوض. وعندها، لن تكون الهجمات مجرّد تطورات أمنية عابرة، بل جزءاً من صراع أوسع على رسم خرائط النفوذ والتجارة وموازين القوة في الشرق الأوسط.















