هناك حرب على الفلسفة، تجري في وضح التاريخ.
الحرب ضد الفلسفة ليست وليدة زمننا السياسي والديني الراهن، إنها ممارسة عريقة تنزل من العصور الإسلامية الأولى، وللمسلمين والعرب باع في هذه الحرب ولهم فيها أخبار ومقاصل!
وحين نقول أن هناك حرباً قائمة اليوم على الفلسفة معنى ذلك أن دار لقمان لا تزال على حالها فكرياً ودينياً وسياسياً في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
يفتخر المسلمون اليوم ويتشدقون بذكر بعض أسماء فلسفية وعلمية كبيرة وصل صيتها إلى العالم الغربي من أمثال ابن رشد وابن سينا والراوندي والحلاج وابن المقفع، ويصرخون من على المنابر بأن كتاباتها أثرت في مسار تكون العقل الأوروبي الحديث المتميز بسلطة العقلانية والبراغماتية والنقد والعلمانية، وهذا أمر حقيقي ولا غبار عليه، ولكنهم ينسون أو يتناسون أن هذه الأسماء التي يفتخرون ويتفاخرون بها اليوم قد تعرضت في زمنها لشتى أنواع التنكيل والقتل والتعذيب والتهجير والسجن، وأن كثيراً من مؤلفات هذه الأسماء التي يفتخرون بها، وقد أحرقت كثير من مؤلفاتهم، بل أُحرق في بعض الحالات مؤلفوها معها.
هناك حرب على الفلسفة، ومعنى ذلك أن واقع اليوم يشبه إلى حد كبير واقع البارحة، وأن السلسلة الثقافية لم تنقطع، والممارسات لم تتبدل كثيراً، فأسماء فلسفية وفكرية معاصرة اغتيلت أو سُجنت أو نُفيت أو غُيّبت من أمثال حسين مروة ومهدي عامل وفرج فودة ونجيب محفوظ ومحمد أحمد خلف ونصر حامد أبو زيد وهادي علوي ومحمود محمد طه وطه حسين وعلي عبد الرازق والطاهر الحداد وغيرهم.
حين تحارب الفلسفة فإن هناك حرباً مفتوحة وممنهجة ضد العقل وضد السؤال المحرج وهناك حجْر على حرية الفكر والإبداع من مدخل جديد.
من خلال متابعتي لما يجري من حوارات ونقاشات بين النخب الجامعية وغير الجامعية في مصر وتونس والجزائر، التي تقول بصراحة أن الفلسفة تعيش حالة من الحصار وحرب تشنها عليها القوى الإخوانية والسلفية في منظومة التعليم الثانوي والجامعي، يتم كل ذلك في وضح التاريخ.
فبعد أن تم تهميش علم الاجتماع (الريفي والصناعي والديمغرافي والثقافي) الذي كان تدريسه سائداً في الجامعات خلال الستينيات والسبعينيات، وقد ترافق الاهتمام بعلم الاجتماع كمادة تنويرية مع صعود أحلام بناء الدولة الوطنية العادلة والمتعددة والحداثية بعد تجربة الاستعمارات التقليدية المريرة والمتوحشة، ها هو الدور قد جاء على الفلسفة حيث تتم محاربتها من خلال تبريرات وغطاءات بيداغوجية مشبوهة وغير مقنعة وبخلفيات أيديولوجية واضحة.
ما الخلفية الأيديولوجية التي تقود هذه الحرب ضد الفلسفة في نظام التعليم الثانوي والجامعي في البلدان العربية وبلدان شمال إفريقيا؟
لنحدد الأطراف التي تشكل هذه الجبهة الظلامية ضد تدريس الفلسفة وتتحالف من أجل قبرها نهائياً.
يأتي في طليعة قادة الحرب ضد الفلسفة التيارُ السلفي وتيارُ الإخوان المسلمين، وقد وضع هذا الأخير يده على المدرسة بإحكام، فمنذ مطلع الستينات دأب الإخوان المسلمون ومن بعدهم، لاحقاً، السلفية بكل تلوّناتها على استعمار المدرسة باعتبارها الموقع الاستراتيجي والحساس الذي يمكنها أن تؤسس فيه لجيل من الإنكشارية “العلموية” والبيداغوجية التي ترفض كل تحديث وكل حرية في التفكير وفي السلوك، أكانت الحرية فردية أم جماعية.
ما يقلق الفكر الشمولي لقادة التيار الإخواني والسلفي في حضور الفلسفة في المجتمع وفي المؤسسات هو تأسُّسها على العقل والنقد والسؤال، وهذا الثالوث هو العدو الأول لفكر “القطيع” أو “الدهماء” الذي يقوم عليه التيار الإخواني والسلفي ويتغذى منه بشكل يومي، إن الفكر الشعبوي الديني هو الضرع السخي الذي يعتاش منه سياسياً واجتماعياً ومالياً هذان التياران المحافظان في ضرب الفلسفة، وهو تقليد ثقافي وأيديولوجي قديم.
كلما ساد العقل والنقد وتعدد السؤال المحرج تفرق القطيع من حول الإخوان أو انفرط عقد السلفية، وهو ما يجعل سلطتهما السياسية في خطر، وحين يجدان نفسيهما في مثل هذا الوضع يبدآن في التنقيب عن العوامل التي تنتج العقل والسؤال وتكون الانطلاقة من المدرسة والجامعة، ويتضح لهما أن الفلسفة كمادة هي من يحرك الراكد وينتقد الدجل لذلك هي المستهدفة في هذه المرحلة.
أما القوة الثانية التي تتماهى مع التيار الإخواني والسلفي في حربهما ضد الفلسفة فتتمثل في غالبية الأنظمة السياسية في البلدان العربية وشمال إفريقيا، فالأنظمة هذه حين تشعر بأنها بدأت تفقد جزءاً كبيراً أو قليلاً من سلطتها ومن “هيبتها” في المجتمع، ويبدأ الخوف يسكن مؤسساتها وقادتها جراء ريح التغيير التي تهب، تجد نفسها تتحالف وبشكل مباشر أو غير مباشر مع القوى المحافظة من أجل الإبقاء على “تنظيم القطيع” القائم على النقل وغياب النقد واغتيال العقل، فالأنظمة السياسية حين تعيش حالة “الخوف” تنتج أوتوماتيكيا ثقافة “التخويف”، وثقافة “المؤامرة الخارجية” و”العدو الخارجي” و”المس بالتراث” و”المس بالذاكرة” وما شابه ذلك من خطابات هدفها تصدير الأزمة الداخلية، التي هي اقتصادية واجتماعية وثقافية ودينية وديمقراطية، إلى شبح عدو خارجي، وفي كل ذلك تمثل الفلسفة مصدراً من مصادر “وجع الرأس” للسلطة بأسئلتها ونقدها الجريء.
الأنظمة السياسية في بلدان الجنوب، هي الأخرى، لا تريد مواطناً يسأل أو يتساءل أو ينقد، فهي ترتاح لمجتمع يتكون من أفراد لا من مواطنين، من أعداد لا من بشر، لأن المواطنة خطر على هذه الأنظمة بما هي سلوك حضاري عالٍ ومسؤول، وبما هي فلسفة تتطلب وجوباً حماية الحرية في التفكير وفي الرأي وفي الاختلاف وتثمين ذلك، وهذه الأنظمة حين تشارك في الحرب ضد الفلسفة تشارك فيها بحجة أن الفلسفة تثير “الفتنة” والفتنة أكبر من القتل، وبالتالي فمشاركتها في الحرب ضد الفلسفة تكون تحت شعارات براقة كحجة “البحث عن الاستقرار” وهي في ذلك لا تفرّق بين “الاستقرار” كحالة إيجابية stabilité و”التعفن” كحالة سلبية stagnation، فالفلسفة تناهض “التعفن” وتدعو إلى نقض الإيمانيات القائمة على مسلمات يجب هدمها وإعادة بنائها من جديد وفق رؤية جديدة ومتجددة.
وفي مرات كثيرة توكل الأنظمة السياسية العربية التي تعيش حالة من الانحباس الشعبي مهمة محاربة الفلسفة إلى الإخوان والسلفيين، وهذا “العمل بالوكالة” يتجسد في الصمت حيال ما يقومان به ضد العقل والعقلانية في المدرسة أو في الجامعة أو في وسائل الإعلام وهي مؤسسات تحت حماية الدولة أو تابعة لها.
هكذا يتجلى التحالف ما بين صوت الإخوان والسلفية من جهة والأنظمة السياسية القائمة في حربهما ضد الفلسفة، والهدف الأخير والأكبر من ذلك هو إسكات العقل وإطلاق اليد الطولى للدجل بكل تجلياته في المجتمع: الدجل السياسي والدجل الثقافي والدجل الديني والدجل الطبي والدجل الإعلامي وما إلى ذلك.
المجتمعات التي يحكمها الدجل هي مجتمعات هشة قابلة للانفجار وللانكسار بسرعة وفي أي وقت، مجتمعات تعيش بحزام ناسف، وهي لا ترغب في حضور الفلسفة لأنها تزرع شجرة العقل كمفتاح لفك أسرار الطبيعة وفك أسرار الذات البشرية.
حين يصبح العقل في مجتمعاتنا مزرعة للخرافة والقدرية والاستسلام والانهزامية فإنه لا يتردد في شن حرب ضد الفلسفة لأنها تعمل على تقديم فهم لمصير الإنسان حيال مشكلاته من مشكلات الحياة اليومية وصولاً إلى مواجهة الذكاء الاصطناعي بكل ما يحمله من مصير غامض للإنسان.
في المجتمعات التي يسيطر عليها الفكر الإخواني والسلفي فإن عقل المواطن لا دور له لأن هذا المواطن قد أوكل مهمة التفكير لغيره، لسيده، لشيخه، فلا حاجة له بالعقل أو النقد أو السؤال، فهناك من ينوب عنه في ذلك كله، أما هو فدوره ينحصر في التصفيق والاتباع، وقد جاءت الفلسفة لمحاربة مصادرة العقل ولنقد الكسل الفكري بذلك فهي تعيش حرباً أيديولوجية واضحة المعالم، إن منظري وقادة الفكر الإخواني والسلفي يريدون مواطناً بلا عقل، يريدونه قطيعاً غارقاً في وحل الخرافة، ومن جهة أخرى تريده الأنظمة السياسية غارقاً في وحل الحياة اليومية بكل متاعبها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية.
إن المجتمع الذي لا تزدهر فيه الفلسفة مجتمع معرض لهيمنة ثقافة الفساد بكل أنواعه، فساد مالي وفساد سياسي وفساد أخلاقي وفساد ديني.
الفلسفة توأم حرية المواطن وحاميتها، والمجتمعات التي تُحارَب فيها الفلسفة هي مجتمعات تحجب الحرية الفردية أو الجماعية، وتعتبرها شططاً أو فتنة أو مساساً بالتراث أو بالدين أو بالذات الإلهية، ومن يفعلون ذلك ينصبون أنفسهم ظلالاً لله عز وجل، ويصدرون أحكاماً باسمه، وهدفهم الأساس هو مصادرة الدين وتحويله إلى رأسمال تجاري في شركة خاصة لا يحق لأحد المشاركة في أسهمها.


