بدأت منصات البث التلفزيوني حول العالم خلال الأسابيع الماضية بث حلقات المسلسل الوثائقي الجديد “الحرب العالمية الثانية مع توم هانكس”، وهي حلقات وثائقية تسلط الضوء من جديد على الحرب الأشد دمويةً وتدميرًا في تاريخ البشرية من منظور القرن الماضي، متتبعةً مساراتها الكاملة، منذ ما قبل صعود أدولف هتلر إلى السلطة في ألمانيا، وحتى تفجير القنبلتين الذريتين اللتان أعادتا تشكيل النظام العالمي الجديد.
الحلقات التي بدأ عرضها على قناة “سكاي هيستوري” في الخامس والعشرين من مايو، وتستمر حتى السابع والعشرين من يوليو 2026، يصل عددها إلى 20 حلقة في نحو 20 ساعة، ومن المقرر أن يتم عرضها في جميع أنحاء أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط في وقت واحد ضمن حملة بث منسقة، ويشارك النجم توم هانكس في تقديمها وإنتاجها كمنتج منفذ.
يقدم المسلسل سردًا شاملًا ودقيقًا لمجريات الحرب، معتمدًا على مواد أرشيفية نادرة، إلى جانب طرح رؤى لعدد من الخبراء والمؤرخين، ومتناولًا أصول الصراع، ونقاط التحول الحاسمة، إلى جانب بعض القصص الإنسانية التي تتماس مع جوهر المعركة، وصولًا إلى تقديم منظور بانورامي مؤثر عن الحرب التي أعادت تشكيل العالم. وهو المسلسل الذي قال توم هانكس قبل البدء في تصويره: “خلال سنوات تكويني، كان كل شخص بالغ في حياتي يذكر كلمة الحرب، ولهذا لم تغب عني الآثار الدائمة لها، سواء على المستوى العالمي أو على مستوى عائلتي، ولهذا أيضًا يسعدني التعاون في إنتاج هذه السلسلة الشاملة المطوّلة، خصوصًا أنها تتيح لنا سرد هذه الحقبة التاريخية المهمة بكامل تفاصيلها، من خلال سرد قصصي متميز وذي صلة عالمية على نطاق واسع، لتذكير المشاهدين من جميع الأعمار بأهمية فهم أحداث هذه اللحظة المحورية في التاريخ وتأملها”.
جيد لكنه غير مُلهم
يبدأ المسلسل بمقدمة تبدو ترويجية من توم هانكس وهو ينظر إلينا في لقطة قريبة ومتوسطة، وبنظرة هادئة وحازمة يقول: “الحرب العالمية الثانية هي الحدث الأكبر في تاريخ البشرية. لم يسلم منها أي جزء من العالم. غيرت الحرب العالمية الثانية كل شيء. بالنسبة لنا جميعًا”، ولأن هانكس هو الراوي الرئيسي للحلقات، فإنه يظهر في بداية ونهاية كل حلقة من الحلقات العشرين، لتنتقل الشاشة بعدها إلى عرض لقطات لتوضيح مدى ضخامة الحرب وتأثيرها على العالم.
وتستعرض الحلقات الثلاث الأولى بسرعة كبيرة رحلة صعود هتلر إلى السلطة، واستخدام الألمان غير المتوقع لغابة “آردين” كطريق إلى فرنسا عام 1940، ثم إجلاء “دنيكرك”، وهي الأحداث التي سبق تناولها في كتب ضخمة، ولم يكن أمام النسخة التلفزيونية غير تلخيصها في سياق جاذب، ورؤية مدققة، خصوصًا وأن المسلسل يأتي بعد نحو خمسين عامًا من إنتاج الفيلم الوثائقي “العالم في حرب”، في سبعينيات القرن الماضي، واعتمد على مقابلات مع مجموعة مذهلة من شهود العيان، وكثير منهم كانوا يتحدثون للمرة الأولى، وكشفوا عن تفاصيل لم يكن المشاهدون على دراية بها.
هؤلاء الأشخاص رحلوا الآن، ولأنه لابد لأي وثائقي جديد أن يستبدل المصادر الأولية بشيءٍ ما، وقع هذا المسلسل ضحيةً لآفة وثائقيات القرن الحادي والعشرين، وهي آفة الاعتماد على المتحدثين، وربما كان ذلك هو مبعث تساؤل جاك سيل، الكاتب المتخصص في النقد الفني في مقال بصحيفة “الغارديان” البريطانية: “لماذا لا يبدو المسلسل ملحميًا؟ ويُعاني الارتقاء بنا وإثارة مشاعرنا مع عظمة التاريخ؟!”
انتقادات للإيقاع والسرد رغم ضخامة الإنتاج
يقول سيل، الذي يصف العمل بأنه أحد أضخم المشاريع الوثائقية عن الحرب العالمية الثانية، إن اللقطات الأرشيفية وسرد توم هانكس الرصين والهادئ يتخللهما ظهور متكرر لأكاديميين ومؤرخين، إلا أن مداخلاتهم نادرًا ما تقدم قراءة مختلفة أو تضيف عمقًا حقيقيًا للأحداث، إذ يكتفي معظمهم بإعادة سرد ما تعلمناه ونحن صغار في حصص التاريخ”.
وأضاف: “صحيح أن الفيلم يُحاول التعافي من بدايته الكارثية، ولكن بعد أن يبدأ هانكس سرد القصة بوصف القوة المرعبة للغزو الألماني لبولندا، مدعمًا بإحصائيات دقيقة حول عدد الجنود والطائرات والدبابات التي أرسلها هتلر، ولقطات حية تُظهر مدى عنف الهجوم، فربما يكون المشاهد معذورًا إذا أغلق التلفاز بمجرد ظهور مقدم البودكاست التاريخي دان كارلين على الشاشة ويصرخ بلا جدوى: “1 سبتمبر 1939! عاصفة هوجاء تعصف ببولندا”.
ويتابع سيل حديثه: “عادةً ما يكون المساهمون غير ضروريين إلى هذا الحد، خصوصًا وأن هذه المقابلات السريعة تُضفي على الحلقات رتابة مملة، مقطع أرشيفي، تعليق صوتي، مقابلة، مقطع مصور، تعليق، مقابلة.. ومما يزيد الطين بلة أن تصويرها وإضاءتها كانا بسيطين، تمامًا كما لو كانت لفيلم وثائقي جيد، لكنه غير مُلهم ومنخفض الميزانية”.
الأرشيف النادر ينقذ الوثائقي من رتابة السرد
تنجح اللقطات الحية من الحرب والمواد الأرشيفية النادرة في تعويض ما يعتري الوثائقي من ضعف في حضور الضيوف ورتابة الانتقال بين المقاطع المصورة ومشاهد الخبراء والمؤرخين داخل الاستديو. ولعلها تمثل الدافع الأبرز لمواصلة مشاهدة ما يقارب 20 ساعة من الحلقات، لا سيما أن بعض هذه اللقطات لم يُكتشف إلا خلال السنوات الأخيرة. فمنذ بدايات السينما، حرصت الجيوش على إيفاد مصورين لمرافقة قواتها وتوثيق مجريات المعارك، حتى في أكثر اللحظات خطورة، لعرضها لاحقاً في دور السينما ونشرات الأخبار. واليوم، تتيح هذه المواد للمشاهد فرصة نادرة لمعايشة الحرب كما وثقتها الكاميرات آنذاك، إلى جانب القوات البريطانية والسوفيتية والألمانية، مستفيدًا من إتاحة الأرشيفات العسكرية ونشرات الأخبار التي أصبح الوصول إليها أسهل خلال العقود التي أعقبت انتهاء الحرب.
أخيرًا، ربما لا يغير هذا المسلسل الوثائقي أيًا من الآراء السائدة حول الحرب بطبيعة الحال، ورغم سيل المعلومات والحقائق المثيرة للفضول، خصوصًا مع غياب التحليل العميق للأحداث وما وراءها، لكن هذا لا يعني أن جهود هانكس ذهبت سدى، فهناك على الأقل جيلان أو ثلاثة أجيال لا تعرف عنها شيئًا، ويمكنها استثمار 20 ساعة للتزود بالأساسيات حول ما جرى في تلك الفترة الحاسمة من التاريخ.. ربما يبدو المسلسل سطحيًا بعض الشيء، ولكن ذلك مرجعه أن الحرب وتداعياتها كانت، ولازالت، أكبر من أن يغطيها فيلم أو مسلسل أو وثائقي من 20 حلقة.















