بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

بروفايل

“الحارسة السمراء” مبروكة الشريف.. من حراسة القذافي إلى قيادة الطوارق

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

رحلت “الحارسة السمراء”، مبروكة الشريف عبد الكريم، صباح الأربعاء 5 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، عن عمر يناهز السبعين عاماً بعد صراع طويل مع المرض، لتُسدل الستار على حياة امتدت بين الولاء للنظام الليبي السابق، والدور السياسي والاجتماعي في الجنوب بعد سقوطه.

الشريف لم تكن مُجرّد حارسة، بل شخصية تاريخية جمعت بين القوة والرمزية والقدرة على إعادة صياغة حضورها بعد تحولات كبرى في البلاد. شغلت في سنواتها الأخيرة منصب نائبة رئيس الشؤون الخارجية في مجلس شيوخ قبائل الطوارق، وذلك بعد مسيرة طويلة، بدأت في عهد العقيد مُعمّر القذافي، الذي عيّنها قائدة للحراسات النسائية الخاصة به، قبل أن تتوسع سلطتها لتشمل دعم المشير خليفة حفتر، وتنسيق الشؤون الاجتماعية لقبائل الجنوب، وتعزيز الوحدة الوطنية.

انتشرت قبل سنوات، شائعات عن اغتيال مبروكة داخل منزلها في طرابلس على يد الثوار الليبيين في سبتمبر/أيلول 2011، وأفادت تقارير بالعثور على أسلحة وطلاسم سحرية، إلا أن الحقيقة كانت مختلفة تماماً، إذ نجت مبروكة من المداهمة وغادرت ليبيا متجهة إلى الجزائر، لتقيم هناك بوصفها لاجئة حرب برفقة ثلاثة من أفراد عائلتها.

أمضت مبروكة سنوات بعيداً عن الأضواء، مُتجنّبة الملاحقة المباشرة من الثوار، ومُحتفظة بمكانتها كأحد رموز النظام السابق. هذا اللجوء جعلها شخصية بارزة في الإعلام، إذ أجرت مقابلات عدة تحدثت فيها عن تفاصيل حياة القذافي الخاصة، ما زاد من شهرتها خارج ليبيا.

“الحارسة السمراء”: الولاء والرمزية

أُطلق على مبروكة لقب “الحارسة السمراء”، نظراً لمكانتها في دائرة القذافي الضيقة، إذ كانت مسؤولة عن حماية الزعيم في كافة تحركاته الداخلية والخارجية وقيادة وحدة الحرس النسائي، ما منحها حضوراً قوياً في الإعلام والمشهد العام. وغذّت شائعات الطلاسم والسحر، التي رُوِّجت عنها بعد سقوط النظام، صورتها شبه الأسطورية بين الولاء الشخصي، والقدرة على التأثير في دوائر السلطة، وبين الأدوار الرمزية للمرأة في النظام الليبي السابق.

لجأت مبروكة بحسب بعض الروايات إلى استخدام الطلاسم والشعوذة لتعزيز ولاء القائد، خصوصاً في مواجهة الغيرة والمنافسة بين الحارسات، إذ كان القذافي معروفاً بمزاجه المُتقلّب وميوله نحو نساء من خلفيات مختلفة. وقد عثرت كتيبة القعقاع التابعة للثوار أثناء المداهمة على طلاسم وقوارير طعام مكتوب عليها “للأخ القائد”، ما عزّز الصورة الأسطورية لشخصيتها وأضفى بُعداً خيالياً على دورها الأمني.

مزيج بين القوة والجمال

كان القذافي يشترط على المرشحة ألا تتجاوز سن العشرين، وأن تكون قوية البنية وجميلة الملامح وقادرة على القتال والدفاع عن نفسها، وأن يكون ولاؤها المُطلق له حتى على حساب الأسرة، وأن تجتاز اختبارات اللياقة وفنون القتال مثل الجودو والكاراتيه. وشكّلت هذه المعايير كتيبة الحراسات النسائية، المعروفة باسم “كتيبة الأمازون”، رمزاً سياسياً ودعاية بصرية للنظام، إلى جانب كونها أداة أمنية وشخصية لحماية الزعيم.

بعد سقوط النظام، امتدت مسيرة مبروكة لتصبح عنصراً مُؤثراً في السياسة الاجتماعية للجنوب الليبي، إذ عملت ضمن إطار دعم المشير خليفة حفتر على تعزيز الوحدة الوطنية والتنسيق مع شيوخ الطوارق، ما جعلها جسراً بين الجنوب والشمال، كما وصفها صدام حفتر. ويعكس هذا التحول قدرة بعض رموز النظام السابق على إعادة بناء مكانتهم السياسية والاجتماعية بعد سقوط السلطة المركزية.

حارسات القذافي.. السجن والشهرة والاختفاء

D.R

لم يكن مصير الحارسات واحداً، فمنهن من يقبع في السجون، مثل “عائشة” التي كانت ضمن الحارسات اللواتي أطلق عليهن القذافي هذا الاسم تيمّناً بابنته. وهناك جميلة درمان، المقربة جداً من القذافي، التي شاركت في عمليات تنفيذ الأحكام وملاحقة المعارضين خلال الثمانينات، لكن مصيرها الحالي لا يزال مجهولاً، إذ لم تعلن السلطات الليبية عن محاكمتها.

وبينما حصلت مبروكة الشريف على حق اللجوء في الجزائر، اختارت حارسات أخريات الاختفاء بعيداً عن الأضواء، لتجنّب المطاردات والملاحقات بعد سقوط النظام، فيما برزت جميلة المحمودي إعلامياً لكشفها أسرار القذافي في الأيام الأخيرة قبل مقتله.

في غضون ذلك، لازمت القذافي أربع ممرضات أوكرانيات، أشهرهن جالينا كولوتنيتسكا، التي رافقته في رحلاته الدولية، وأصبحت جزءاً من أساطير القذافي الخاصة، إذ أرسل لها طائرة خاصة لتلحق بالوفد الرسمي، ما يعكس طبيعة ولاء القائد الشخصي للنساء القريبات منه.

الولاء للسلطة والقدرة على النجاة

تجمع قصة مبروكة بين الولاء الشخصي للسلطة، والقدرة على النجاة من الفوضى، والتحول السياسي والاجتماعي بعد سقوط النظام. فمن شائعات الموت والطلاسم في طرابلس، إلى اللجوء في الجزائر، ومن ثم الدور القيادي في مجلس شيوخ الطوارق، تركت الشريف تاريخاً مُعقداً يشهد على تقاطع السلطة والأسطورة وقدرة بعض الشخصيات على إعادة تشكيل حضورها الرمزي والسياسي بعد صراع طويل مع التغيرات التاريخية. وتمثل قصتها نموذجاً لكيفية تحوّل رموز النظام السابق إلى شخصيات سياسية واجتماعية فعالة، وكيف يمكن للأسطورة أن تتماهى مع الواقع السياسي في ليبيا بعد 2011.

يُذكر أن صدام حفتر أشاد بمبروكة في بيان التعزية، واصفاً إياها بالصوت الحكيم للطوارق والجسر بين الجنوب والشمال، فيما نعاها مجلس الطوارق رسمياً، مؤكداً دورها في مواجهة التهميش وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي في الجنوب الليبي.

تصدّر هاشتاغ #مبروكة_الشريف الترند المحلي على منصة “إكس”، مع مئات التعازي من الحسابات الموالية، فيما أعادت بعض التعليقات النقاش حول خلفيتها في عهد القذافي، ما يعكس استمرار الجدل حول تقييم الشخصيات التاريخية في ليبيا بين الولاء والنقد التاريخي، ويبرز الصراع بين الذاكرة الجماعية والسياسة المعاصرة.