بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

مقالات مشابهة

تحول دراماتيكي

الجفاف القياسي يضرب بريطانيا: أسوأ حصاد منذ 1984 ومخاوف متصاعدة من أزمة غذائية بفعل تغير المناخ

بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

تستمر أزمة المناخ في إظهار آثارها في أوروبا، مجبرة المملكة المتحدة هذه المرة على الإعلان رسمياً حالة “الجفاف الشديد” في أكثر من نصف أنحاء إنجلترا وسائر ويلز، في أعقاب صيف قياسي خلقته موجات حرارة استثنائية؛ لتجد البلاد نفسها أمام ما قد يكون الحصاد البريطاني الأسوأ منذ العام 1984، ولتعلو التحذيرات خوفاً من أزمة غذائية تلوح في الأفق.

بسبب تغير المناخ، باتت المملكة المتحدة، كغيرها من دول العالم، تواجه ظروفاً مناخية قاسية بشكل متزايد، وسط تحول دراماتيكي هذا العام من شتاء شديدة الرطوبة إلى صيف حار وجاف بشكل استثنائي، نتج عن أربع موجات حر قياسية منذ مايو الماضي أدت إلى انخفاض مستويات المياه المتاحة للاستهلاك البشري والزراعة والنظم البيئية.

حلقة مناخية مفرغة

أعقب الصيف الحالي ربيعاً جافاً أيضاً أدى إلى موجة حر شديدة للعام الثاني على التوالي، وسط تحذيرات من محدودية القدرة على التكيف مع هذه الظروف القاسية ومن خطر دخول الزراعة في المملكة المتحدة “حلقة مناخية مفرغة” تتحول فيها المساحات الخضراء الشاسعة إلى أراضٍ أكثر جفافاً وأقل إنتاجية.

المشهد البريطاني الحالي بات يُختصر في أنهار منخفضة المنسوب، وحصاد اضطراري مبكر للمحاصيل خوفاً من فقدانها، إلى جانب الخطر المتزايد من نشوب حرائق في الغابات، بينما يعيش الملايين وسط قيود صارمة على استخدام المياه.

ويتوقع مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن أزمة المناخ ستجعل فصول الصيف في المملكة المتحدة أكثر جفافاً بنسبة تصل إلى 60% بحلول 2070، مقارنة بالعام 1990.

آمال المزارعين في مهبّ الحر

أواخر الربيع وبعدما شهدت المملكة المتحدة موسمين سيئين على التوالي، كانت الوقائع تبشر بمحاصيل وفيرة هذا العام. لكن أشهر الجفاف وموجات الحرارة أنهت تلك الآمال. فبعدما كانت التوقعات التي أصدرتها الهيئات الزراعية الأوروبية في شهري مارس وإبريل تشير إلى أن متوسط ​​الإنتاج في المملكة المتحدة يسير على الطريق الصحيح هذا العام ليعادل أو يتجاوز نظيره في السنوات العشر الماضية، أتت تقديرات الإنتاج المؤقتة، لتشير إلى أن محصول الحبوب والبذور الزيتية في المملكة المتحدة سيصل إلى 19.5 مليون طن، متجاوزاً العام 2020 باعتباره الأسوأ منذ بدء السجلات في 1984، بحسب الاتحاد الأوروبي.

وتشير وحدة معلومات الطاقة والمناخ، وهي منظمة بريطانية متخصصة، إلى أن الحرارة خلال فصلي ربيع وصيف 2026 قد تقلص محصول الحبوب والبذور الزيتية في المملكة المتحدة بمقدار 2.5 مليون طن، مقارنة بالتوقعات المبكرة، وهو ما قد يكلف المزارعين 390 مليون جنيه إسترليني (456 مليون يورو).

ووفقاً لوكالة البيئة البريطانية، فإن سائر ويلز ونحو نصف أراضي إنجلترا تعاني من الجفاف، في موجة هي الثالثة خلال خمس سنوات (بعد جفاف العامين 2022 و2025).

أزمة غذاء في الأفق

بدوره، حذّر الاتحاد الوطني للمزارعين من نقص محتمل في بعض المنتجات الغذائية إذا استمرت ظروف الجفاف الحالية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض تلك المواد، لا سيما المرتبطة منها بالمحاصيل المتضررة.

وقال رئيس الاتحاد، توم برادشو، إن إنتاجية القمح والشوفان كانت “سيئة للغاية” هذا العام، محذراً من أن مربي الماشية اضطروا إلى استخدام حصص العلف الشتوية لأنهم لم يتمكنوا من زراعة العشب.

وأضاف، بأن منتجي الخضروات يعانون من نقص المياه، ما يقلل من كمية الغذاء المنتج في المملكة المتحدة ويزيد من تكلفة زراعته، داعياً الحكومة إلى زيادة الاستثمار في الخزانات بدلاً من تصريف مياه الشتاء في بحر الشمال. كما اقترح منح المزارعين إعفاءات ضريبية لبناء أنظمة تخزين على أراضيهم استعداداً للسنوات المقبلة.

إجراءات لترشيد الاستهلاك

أما على صعيد إمدادات مياه الشرب، فلا ترى شركات المياه أي خطر وشيك حتى الآن، إذ إن الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال الشتاء أبقت مستويات المياه في الخزانات ضمن المعدلات المتوقعة. ومع ذلك، لا يزال نحو 23 مليون شخص في إنجلترا وويلز خاضعين لقيود على استخدام خراطيم المياه، في إطار إجراءات ترشيد الاستهلاك.

تُضاف أزمة الجفاف في المملكة المتحدة إلى سلسلة من التحذيرات الدولية حول تحول التغير المناخي إلى واقع أكثر وضوحاً يهدد أنماط الطقس والنظم البيئية والأنشطة الحيوية للمجتمعات؛ ما يجدد النقاش الملح حول مستوى الاستعداد للتكيف مع هذا الواقع واحتواء تداعياته.

تضع موجة الجفاف الحالية قدرة بريطانيا على التكيف تحت اختبار مباشر، ليس فقط في حماية المحاصيل، بل في تخزين المياه وتوزيعها وتخفيف كلفة المواسم المتطرفة. وسيحدد اكتمال الحصاد ومستويات الأمطار خلال الخريف ما إذا كانت خسائر الإنتاج ستبقى محصورة في دخل المزارعين، أم ستنتقل بصورة أوسع إلى الأسعار والإمدادات.