الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

قضايا جدلية

الجزائر وجدل “الحجاب”.. حين يتحوّل لباس المرأة إلى قضية مركزية

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

أعادت تصريحات الباحثة والألسنية البارزة خولة طالب الإبراهيمي، حفيدة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أحد أبرز مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورموزها، بشأن الحجاب، إشعالَ نقاش قديم متجدد في الجزائر.

لم يكن سبب الجدل موقفاً فقهياً جديداً أو اجتهاداً دينياً غير مسبوق، بقدر ما كانت المفاجأة التي أحدثتها شهادتها حين أكدت أن نساء عائلة الشيخ الإبراهيمي لم يُجبَرن على ارتداء الحجاب، وأن أياً من بناته أو حفيداته لم تتعرض لضغط أو إكراه في هذا الشأن. وأضافت في حوار متلفز: “كبرنا على قوله إن الحجاب في أذهانكم وليس في لباسكم”.

بيئة إصلاحية

وسرعان ما اتسع النقاش ليشمل أسماء أخرى من البيئة الإصلاحية الجزائرية، من بينها الأديبة والوزيرة السابقة زهور ونيسي، إحدى أبرز خريجات مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة)؛ والإعلامية الراحلة زينب الميلي، ابنة الشيخ العربي التبسي وزوجة محمد الميلي نجل الشيخ مبارك الميلي؛ والبرلمانية السابقة فوزية بن باديس، ابنة أخ رائد النهضة ومؤسس الجمعية الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس. وغيرهن من النساء اللواتي ارتبطن فكرياً أو عائلياً بأبرز رموز الحركة الإصلاحية الجزائرية، دون أن يمثّلن النموذجَ الذي يتخيله كثيرون عن المرأة المحافظة.

ولعل السؤال الحقيقي ليس لماذا لم ترتدِ بعض حفيدات الشيوخ الحجابَ، بل لماذا تبدو هذه الحقيقة صادمة أصلاً؟

تكشف ردود الفعل الواسعة أن شريحة من الجزائريين تحمل صورة جاهزة عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، باعتبارها مرادفاً للمحافظة الاجتماعية الصارمة، ويفترض كثيرون تبعاً لذلك أن رجالها جعلوا من لباس المرأة القضية المركزية في مشروعهم الفكري والإصلاحي.

غير أن العودة إلى كتابات عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي ومبارك الميلي تفضي إلى صورة أكثر تعقيداً. تكفي مراجعة مقالاتهم في جريدتَي الجمعية “البصائر” و”الشهاب” لندرك أن معركتهم الكبرى كانت في محاربة الأمية وتعليم البنات وإصلاح الأسرة. لم يكن سؤالهم الأول: ماذا ترتدي المرأة؟ بل كان: كيف تتعلم؟ وكيف تربي أبناءها؟ وكيف تصبح شريكاً في نهضة المجتمع وتكوين جيل قادر على مقاومة الاستعمار ثقافياً وحضارياً؟

الحشمة قيمة وليست المشروع  

لم يكن تركيز جمعية العلماء على محو الأمية وتكوين المرأة المتعلمة يعني أنها لم تكن معنية بقضايا الحشمة والأخلاق العامة؛ فهي حركة إصلاحية ذات مرجعية إسلامية واضحة، لم تدعُ يوماً إلى تجاوز القيم الدينية أو التقليل من شأنها.

غير أن قراءة متأنية لتراثها تكشف أن الحشمة كانت جزءاً من منظومة أخلاقية متكاملة، لا عنواناً وحيداً للتدين ولا معياراً أوحد للحكم على النساء. كان الإصلاحيون مقتنعين بأن المرأة المتعلمة الواعية أقدر على خدمة مجتمعها من امرأة حُصرت وظيفتها في الامتثال الشكلي لبعض المظاهر الخارجية. ولهذا ركّزوا على فتح المدارس أمام البنات، وتعليم اللغة العربية، وتكوين المرأة المربّية والمثقفة، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لبناء مجتمع سليم. بعبارة أخرى، لم يكن الستر بديلاً عن المعرفة، ولم يكن الالتزام الأخلاقي بديلاً عن التعليم.

من الجسد إلى الهوية

قد تكمن إحدى أهم مفاتيح فهم هذا الجدل في أن الحجاب الذي يُناقَش اليوم بوصفه رمزاً مركزياً للهوية الدينية، لم يكن يؤدي الوظيفة الاجتماعية ذاتها في زمن الحركة الإصلاحية. ففي النصف الأول من القرن العشرين، كانت معركة الإصلاحيين تدور حول التعليم واللغة والاستعمار والنهضة. أما منذ سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، ومع صعود الحركات الإسلامية في المنطقة، فقد اكتسب الحجاب أبعاداً جديدة وأصبح في أحيان كثيرة علامةَ انتماء ثقافي وديني وسياسي.

لهذا فإن جزءاً من الصدمة التي أحدثتها تصريحات حفيدة الإبراهيمي لا يتعلق بتاريخ جمعية العلماء، بقدر ما يتعلق بالصورة التي تشكّلت لاحقاً في أذهاننا عن التدين نفسه؛ إذ ننظر إلى جيل الثلاثينيات والأربعينيات من خلال مفاهيم تشكّلت في سياقات مختلفة تماماً.

ماذا تخبرنا حفيدات الشيوخ؟

لن يكون من المنصف تحويل حفيدات الإبراهيمي والتبسي وابن باديس والميلي، أو زهور ونيسي وسواهن، إلى مراجع فقهية أو أدلة حاسمة في نقاش ديني معقد. لكن وجود هذه النماذج يظل معطى تاريخياً واجتماعياً جديراً بالتأمل؛ إذ يكشف أن البيئة الإصلاحية الجزائرية لم تكن بالضرورة ذلك الفضاء المغلق الذي يتخيله البعض اليوم، وأن العلاقة بين التدين واللباس كانت أكثر تنوعاً وأقل اختزالاً مما آلت إليه في العقود الأخيرة. كما يذكّرنا بأن رجال الإصلاح الذين خاضوا معارك كبرى ضد الاستعمار والجهل والأمية كانوا منشغلين قبل كل شيء بصناعة الإنسان، رجلاً كان أم امرأة.

ربما لا يكشف الجدل الحالي عن تاريخ الحجاب بقدر ما يكشف عن التحولات التي طرأت على فهمنا للدين خلال العقود الماضية. فبين جيل جعل التعليم والتربية والوعي في صدارة مشروعه الإصلاحي، وجيل يميل أحياناً إلى اختزال التدين في علاماته الخارجية الأكثر ظهوراً، تتسع المسافة ويكثر سوء الفهم.

ولعل السؤال الجدير بأن يظل مفتوحاً ليس ما إذا كانت حفيدات الشيوخ محجّبات أم لا، بل ما إذا كنا قد اختزلنا إرث الحركة الإصلاحية في قضايا المظهر، بينما كان همّها الأكبر بناء العقل وتحرير الإنسان من الجهل. فمعركة ابن باديس والإبراهيمي ورفاقهما من أجل تعليم المرأة وتثقيفها كانت – على الأرجح – أكثر ثورية وأعمق أثراً من كثير السجالات التي تستنزف المجال العام اليوم.