بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

الجزائر تُشهر «ورقة الخرائط» في وجه باريس.. وجرائم «اليربوع الأزرق» تطارد إفريقيا وأوروبا

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

لم يعد ملف التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية مجرد «نقطة سوداء» في كتاب التاريخ الاستعماري، بل تحوّل، مع نهاية عام 2024، إلى لغم دبلوماسي نشط يهدد بتقويض أي مسار تقارب بين الجزائر وباريس. فبينما تحاول فرنسا احتواء القضية ضمن أطر «لجان الذاكرة» والمقاربات الأكاديمية، نقلت الجزائر المواجهة إلى مربعها الأمني والبيئي، رافعة شعاراً صارماً: «لا تطبيع للعلاقات فوق رمال مشعّة».

في تصعيد غير مسبوق في اللهجة الرسمية، وضعت الجزائر ملف النفايات النووية المدفونة شرطاً مسبقاً لأي شراكة استراتيجية مع فرنسا. ولم تعد المطالب محصورة في الاعتذار الرمزي أو الاعتراف التاريخي، بل تجاوزتها إلى إجراءات عملية على الأرض.

المؤسسة العسكرية والدور المركزي

برزت المؤسسة العسكرية كفاعل مركزي في هذا الملف، حيث شدد الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، في أكثر من مناسبة، على ضرورة تمكين الجزائر من الخرائط الطبوغرافية الدقيقة لمواقع دفن النفايات الملوِّثة، المشعّة أو الكيماوية، التي لا تزال غير مكتشفة حتى اليوم. وترى الجزائر أن استمرار باريس في تصنيف هذه الخرائط ضمن «أسرار الدفاع» لا يمثل مجرد خلاف إداري، بل عائقاً مباشراً أمام تطهير الأرض وحماية السكان.

سياسياً، عزز وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، هذا التوجه، واصفاً التفجيرات النووية بـ«الجرائم المكتملة الأركان التي استهدفت الإنسان والبيئة معاً»، مؤكداً أن حق التعويض والتطهير لا يسقط بالتقادم. أما المؤرخ الجزائري محمد القورصو، فيرى أن فرنسا مطالبة بالخروج من «المنطقة الرمادية»، لأن التعامل مع الجزائريين كحقول تجارب بشرية حقيقة موثقة، لا يمكن طمسها بمناورات سياسية أو لغوية.

جغرافيا الموت

تعود جذور الكارثة إلى الفترة ما بين 1960 و1966، حين نفذت فرنسا 17 تفجيراً نووياً في الصحراء الجزائرية (أربعة منها سطحية في رقان، وثلاثة عشر تفجيراً باطنياً في إن أكر). غير أن تداعيات هذه التفجيرات، بحسب وثائق أُفرج عنها لاحقاً، لم تعترف بالحدود السياسية.

فقد كشفت خريطة سرية لوزارة الدفاع الفرنسية، نشرتها صحيفة لوباريزيان عام 2014، أن السحابة الإشعاعية الناتجة عن تفجير «اليربوع الأزرق» – الذي تجاوزت قوته قنبلة هيروشيما بنحو أربع مرات – امتدت لتغطي أجزاء واسعة من الساحل الإفريقي:

  • مالي (إقليم أزواد): وصول مباشر للغبار الذري إلى مناطق كيدال وغاو.
  • النيجر وليبيا: تسجيل ترسبات مشعّة في أغاديز (شمال النيجر) وفزان (جنوب ليبيا).
  • مخاطر مستمرة: تشير تقارير مؤسسة “هاينريش بول” إلى تفاقم الخطر عبر التراكم البيولوجي، حيث ينتقل الإشعاع من التربة إلى النباتات، ثم إلى مواشي الطوارق والبدو الرحل، ما يفسر انتشار أمراض مزمنة وتشوهات خلقية في مناطق نائية تفتقر إلى سجلات طبية توثق لحظة التعرض الأولى.

شهادات من الجحيم 

بعيداً عن الأروقة الدبلوماسية، ما زالت الذاكرة الحية تحتفظ بشهادات صادمة للضحايا. يوثق محمد محمودي، الناجي وعضو جمعية ضحايا التجارب النووية، كيف أُجبر مدنيون جزائريون على دخول «المنطقة صفر» لجمع معدات ملوثة، بملابس خفيفة، في وقت كان الجنود الفرنسيون يرتدون بدلات واقية كاملة.

الأكثر خطورة، ما أورده الباحث الفرنسي باتريس بوفيري (مرصد التسلح)، والباحث الجزائري عمار منصوري، حول استخدام سجناء جزائريين في تجارب بشرية قرب مركز الانفجار، لدراسة آثار الحروق والإشعاع على الجسد الحي. وهي وقائع ما تزال مثار جدل بحثي وقانوني، لكنها مدعومة بشهادات متقاطعة ووثائق جزئية، وتشكل أحد أكثر ملفات التجارب النووية الفرنسية حساسية.

حتى بعض المسؤولين الفرنسيين لم يكونوا بمنأى عن العواقب؛ إذ أدت حادثة «بيريل» عام 1962، حين تصدع الجبل أثناء تفجير باطني، إلى تعرض شخصيات رسمية لجرعات إشعاعية مرتفعة، من بينهم وزير الدولة غاستون باليفسكي، الذي توفي لاحقاً بمرض السرطان، الأمر الذي يسلط الضوء على حجم الخطر الذي واجهه سكان القرى المجاورة لسنوات طويلة.

ظاهرة “البوميرانغ”

لم تكن العدالة الدولية هي من أعاد الملف إلى الواجهة، بل الديناميات الطبيعية. ففي فبراير 2021، حملت عواصف رملية قادمة من الصحراء الكبرى غباراً كثيفاً غطى أجزاء من فرنسا وجبال جورا.

وأثبتت تحاليل أجرتها جمعية مراقبة النشاط الإشعاعي في الغرب (ACRO) وجود السيزيوم-137، وهو نظير مشع صناعي مرتبط بتجارب الستينيات. شكّلت هذه الواقعة دليلاً إضافياً على أن التلوث النووي في الصحراء الجزائرية ليس أزمة محلية معزولة، بل تهديداً بيئياً عابراً للحدود، ما عزز ضغوط منظمات مثل ICAN France على الحكومة الفرنسية.

المعركة القانونية

رغم إقرار فرنسا قانون موران عام 2010 لتعويض ضحايا التجارب النووية، لا يزال تطبيقه محدوداً. فوزارة الدفاع الفرنسية تواصل رفض تسليم الخرائط بحجة «الأمن القومي»، فيما تفرض لجنة التعويض شروطاً صارمة تُصعّب على الضحايا الجزائريين والأفارقة إثبات الضرر.

في المقابل، تستند الجزائر ودول إفريقية متضررة إلى بنود معاهدة حظر الأسلحة النووية (TPNW)، التي تلزم الدول الملوِّثة بمعالجة الأضرار البيئية ومساعدة الضحايا، وهو مسار لا تزال فرنسا ترفض الانضمام إليه.

بين إصرار الجزائر على «تطهير الرمال قبل تطبيع العلاقات»، وكشف الرياح أن الإشعاع لا يعترف بالحدود، يبقى سكان الصحراء الكبرى – من رقان إلى تمبكتو – رهائن حرب انتهت عسكرياً، لكنها مستمرة بيولوجياً. وكما يختصر باتريس بوفيري المشهد: «رفض تسليم الخرائط ليس حماية لأسرار عسكرية، بل طمس لأدلة جريمة لم تنتهِ بعد».