الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

الفن والمقاومة

الجزائر تستحضر محمد فوزي.. معركة الوجدان العربي قبل معركة الاستقلال

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في كل مرة يردّد فيها الجزائريون نشيد “قَسَماً”، لشاعر الثورة مفدي زكريا، لا يستحضرون نشيداً وطنياً فحسب، بل يستعيدون لحظة تاريخية قررت فيها ثورة التحرير أن تجعل من القصيدة واللحن والإذاعة والمسرح والرياضة جبهات قتال توازي الكفاح المسلح.

اليوم، والجزائر تحتفل بذكرى استقلالها الـ64، تستحضر أيضاً الموسيقار المصري الكبير محمد فوزي في احتفالية تكريمية ضخمة، اليوم السبت 11 يوليو، في “أوبرا الجزائر بوعلام بسايح”، بالتعاون مع سفارة جمهورية مصر العربية. ولعل ما يثير التساؤل في مقَام هذا الاستحضار البهي: هل تستطيع الثقافة العربية اليوم تحقيق الإجماع الوجداني الذي جعل من الجزائر آنذاك قضية العرب الأولى؟ وهل يملك الفن اليوم القدرة على صناعة قضية حقيقية، أم بات أسيراً لـ”الترند” فحسب؟

الثقافة والتحرر والسياسة معاً 

لا ينبغي أن يُقرأ استذكار محمد فوزي في ذكرى الاستقلال بوصفه مجرد وفاء لملحن النشيد الوطني الرسمي “قسَمًا”، بل باعتباره مدخلاً لاستعادة صفحة مشرقة من تاريخ الثورة الجزائرية، حين تحولت الثقافة إلى جبهة تحرير موازية، وأسهم الفن والإعلام في نقل صوت الثورة إلى العالم، وفي تحويلها من قضية وطنية إلى قضية عربية وإنسانية.

فغالباً ما تُروى ثورة التحرير الجزائرية من زاوية الكفاح المسلح الذي واجه إحدى أقوى الإمبراطوريات الاستعمارية في القرن العشرين، بينما يقل الحديث عن جبهة أخرى لم تكن أقل تأثيراً في صناعة الانتصار؛ جبهة الثقافة والإعلام والدبلوماسية الشعبية. فمنذ السنوات الأولى للثورة، أدركت جبهة التحرير الوطني أن معركة الاستقلال لا تُحسم في الجبال والخنادق وحدها، وإنما تُخاض أيضاً في الإذاعات والمسارح وقاعات الحفلات والملاعب الرياضية، وكل فضاء قادر على كسب الرأي العام العربي والدولي.

القوة الناعمة السابقة للزمن  

لم يكن انخراط الفنانين العرب، وفي مقدمتهم محمد فوزي، عملاً تضامنياً عابراً، بل جزءاً من مشروع ثقافي وسياسي أوسع جعل من الفن لغة للمقاومة لا تقل تأثيراً عن البيان السياسي أو الرصاصة. وإذا كانت أدبيات العلاقات الدولية قد عرفت لاحقاً هذا النوع من التأثير بمفهوم “القوة الناعمة”، فإن الثورة الجزائرية كانت قد مارسته عملياً قبل عقود، حين نجحت في تحويل الثقافة إلى قوة سياسية، والفن إلى رسالة تحرر، والوجدان العربي إلى حاضنة لقضيتها.

من هذا الوعي وُلدت جبهة ثقافية حقيقية، لم تكن نشاطاً موازياً للكفاح المسلح، بل امتداد له. فقد أنشأت جبهة التحرير الوطني فرقتها الفنية، التي ضمت أسماء لم تكن مجرد فنانين، وإنما مناضلين انخرطوا في الحركة الوطنية قبل أن يصعدوا إلى خشبة المسرح أو يقفوا أمام الميكروفون. فجاء بعضهم من حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وآخرون من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأيضاً من الحزب الشيوعي الجزائري، وحتى من الكشافة الإسلامية الجزائرية، ليجتمعوا جميعاً حول هدف واحد: أن يصبح الفن لغة أخرى للثورة. لذلك، فإن الحديث عن محمد فوزي، أو عن إذاعة “صوت العرب”، أو عن “الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني”، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه استحضاراً لأحداث متفرقة، بل باعتباره أجزاءً من مشروع متكامل نجح في تحويل الثورة الجزائرية من قضية وطنية تخص شعباً يناضل من أجل حريته، إلى قضية عربية وإنسانية تجاوز صداها الحدود والجغرافيا.

ماذا بقي اليوم؟ 

هل لا تزال الثقافة العربية قادرة اليوم على إنتاج ذلك الإجماع الوجداني، أم أن أدوات القوة الناعمة فقدت قدرتها على توحيد الوعي العربي كما فعلت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي؟ 

لا يبدو المشهد العربي اليوم كما كان بالأمس، فقد تبدلت البيئة التي كانت تُنتج فنًاً منحازًا لقضية جامعة، وتفرقت الأولويات، وتشابكت المصالح، وتعددت الأجندات، فتراجع ذلك الوجدان العربي المشترك الذي منح الثقافة قدرتها على الحشد والتأثير. ومن ثم، فإن تراجع دور الفن ليس معزولًا عن هذا التحول، بل هو انعكاس له؛ فالفن لا يصنع وعيًا جمعيًا من فراغ، وإنما يستمد قوته من مجتمع يؤمن بقضية واحدة، ومن فضاء ثقافي قادر على تحويلها إلى ذاكرة مشتركة. ولذلك، فإن استذكار محمد فوزي لا يعيد إلى الأذهان لحنًا خالدًا فحسب، بل يطرح سؤالًا يتجاوز المناسبة نفسها: كيف استطاعت الثورة الجزائرية أن تكسب معركة الوجدان العربي قبل أن تكسب معركة الاستقلال؟ وكيف وصلنا إلى زمن أصبحت فيه القضايا تبحث عمّن يغني لها، بعدما كانت الأغنية نفسها قادرة على أن تجمع أمة كاملة حول قضية واحدة؟

ولهذا لم يكن محمد فوزي حالة استثنائية، بل أحد وجوه زمنٍ آمن بأن الأغنية تستطيع أن تكون موقفًا، وأن الإذاعة يمكن أن تتحول إلى جبهة نضال، وأن الثقافة ليست ترفًا يواكب الأحداث، بل قوة قادرة على صناعة التاريخ.