الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

رأي عام

الجزائر تستبدل الفرنسية بالإنجليزية في الابتدائي.. إصلاح تربوي يتحول إلى معركة هوية وإرث استعماري

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

لماذا يثير قرار التخلي عن اللغة الفرنسية لصالح تدريس الإنجليزية في السنة الثالثة ابتدائي في الجزائر كل هذا الاستقطاب، وكأنه يمس ثوابت المجتمع أكثر مما يمس برنامجًا تربويًا؟ هل ما زالت المسألة اللغوية في الجزائر تُناقش بمنطق المدرسة، أم بمنطق الإرث الاستعماري والصراع الإيديولوجي؟ ولماذا يتحول كل نقاش حول لغة التعليم إلى معركة هوية، بدل أن يكون نقاشًا حول مصلحة التلميذ ومستقبل المدرسة الجزائرية؟

كان يكفي لوزير التربية الوطنية الحالي محمد صغير سعداوي الإعلان عن قرار التخلي رسميًا عن تدريس اللغة الفرنسية في مستوى السنة الثالثة ابتدائي لصالح الإنجليزية بدءًا من الدخول المدرسي المقبل (2026-2027)، ليتحول هذا القرار اللغوي إلى أزمة رأي عام، بل وتتحول معه وسائط التواصل الاجتماعي وصدر الصحف المحلية إلى ساحات سجال فكري يختلط فيه التربوي بالسياسي، والعلمي بالإيديولوجي، والرهان على المستقبل بأثقال الماضي. 

نفوذ ثقافي فرنسي تاريخي

في الحقيقة، يصعب فهم الجدل اللغوي في الجزائر دون العودة إلى الاستعمار الفرنسي نفسه (1830-1962)، والذي لم يكن مشروعًا عسكريًا واقتصاديًا فقط، بل حمل أيضًا مشروعًا ثقافيًا ولغويًا سعى إلى إعادة تشكيل علاقة الجزائريين بلغتهم وثقافتهم. فقد ارتبطت اللغة العربية، خلال تلك المرحلة، بالهوية والدين، ولذلك لم يكن الصراع حولها مجرد صراع بين لغتين، بل كان مرتبطًا بمحاولة الحفاظ على مقومات الشخصية الوطنية في مواجهة مشروع استعماري سعى إلى فرض اللغة الفرنسية داخل الإدارة والتعليم والفضاء العام. 

لكن خروج الاستعمار سنة 1962 لم يُنهِ الجدل حول اللغة، بل نقله إلى مرحلة جديدة. فقد أصبحت الجزائر المستقلة أمام سؤال معقد: كيف تبني دولة وطنية تستعيد هويتها، وفي الوقت نفسه تضمن انفتاحها على العالم واستفادتها من أدوات المعرفة الحديثة؟ من هنا بدأت المسألة اللغوية تتحول تدريجيًا من ملف تربوي إلى قضية تتقاطع فيها أسئلة الهوية والسيادة وخيارات التنمية، ومعها ظلت مكانة الفرنسية موضوع نقاش يتجاوز بعدها العملي، حيث يرى البعض أنها امتداد تاريخي لنفوذ ثقافي فرنسي، بينما يعتبرها آخرون لغة لها حضور واقعي في مجالات عدة، ولا يمكن التعامل معها بمنطق الإلغاء السريع!

الإنجليزية.. الانتقال الصعب!

قد يبدو أن النقاش الحالي حول تدريس الإنجليزية في الابتدائي وليد السنوات الأخيرة، لكن العودة إلى التاريخ تكشف أن هذا الجدل أقدم بكثير. ففي بداية التسعينيات، كانت مسألة إدخال الإنجليزية إلى المدرسة الجزائرية مطروحة بالفعل داخل دوائر القرار. وكان وزير التربية الأسبق علي بن محمد من أبرز الشخصيات التي دافعت عن توسيع حضور الإنجليزية في المنظومة التعليمية. وبعد استقالته من منصبه إثر أزمة تسريب أسئلة امتحانات البكالوريا سنة 1992، صرح في مناسبات إعلامية بأن ما حدث لم يكن مجرد أزمة تربوية، بل اعتبره مؤامرة استهدفت، حسب روايته، إجهاض مشروع إدخال الإنجليزية في التعليم الابتدائي إلى جانب الفرنسية. 

سواء اتفقنا مع هذا التفسير أو اختلفنا معه، فإن أهمية هذه الشهادة تكمن في أنها تكشف أن النقاش حول موقع الإنجليزية والفرنسية في المدرسة الجزائرية ليس جديدًا، وليس سهلًا أيضًا، وأن ما نراه اليوم هو امتداد لمعركة قديمة حول السياسة اللغوية واتجاهات المدرسة الجزائرية. فالقضية لم تكن في جوهرها اختيار لغة أجنبية فقط، بل كانت مرتبطة دائمًا بالسؤال الأكبر: أي نموذج للمدرسة الجزائرية نريد؟ وأي علاقة ينبغي أن تقيمها بين الهوية الوطنية ومتطلبات العصر؟

خلاف جزائري-جزائري

إذا كان الاستعمار الفرنسي قد منح المسألة اللغوية بعدها التاريخي، فإن استمرار الجدل اليوم يعكس أيضًا اختلافًا داخل النخبة الجزائرية نفسها حول كيفية قراءة هذا الإرث. فمن جهة، يرى المعارض السياسي فتحي غراس أن اللغة في حد ذاتها لا تحمل مشروعًا تحرريًا ولا استعماريًا، وإنما الفكر الذي تُنقل به؛ لذلك فإن تحميل لغة بعينها مسؤولية الاستعمار أو التحرر يعد، في نظره، تبسيطًا لقضية أكثر تعقيدًا. 

ويذهب الصحافي محمد إيوانوغان إلى أن اللغة لا تلغي الانتماء الوطني، مستشهدًا بجيل من كبار الأدباء الجزائريين الذين كتبوا بالفرنسية، مثل مولود فرعون وكاتب ياسين ومحمد ديب والطاهر جاووت، مؤكداً أن أعمالهم جزء من التراث الثقافي الجزائري مهما كانت لغة كتابتها. في المقابل، يميز الكاتب والصحافي عثمان لحياني بين اللغة بوصفها أداة للمعرفة، وبين السياق التاريخي الذي اكتسبت فيه دلالاتها السياسية، معتبرًا أن الحساسية تجاه الفرنسية لا تعود إلى اللغة نفسها، بل إلى ارتباطها بمشروع استعماري سعى إلى الإحلال اللغوي والثقافي وطمس الهوية الوطنية. 

وتكشف هذه المقاربات المتباينة أن الخلاف في الجزائر لم يعد مجرد خلاف بين الفرنسية والإنجليزية، بل أصبح اختلافًا في قراءة التاريخ، وفي تصور وظيفة المدرسة، وفي الكيفية التي ينبغي بها التوفيق بين حماية الهوية والانفتاح على المعرفة العالمية. 

العربية .. الغائب الأكبر!

منذ الاستقلال، ارتبطت العربية في الوعي الوطني بمشروع استعادة السيادة الثقافية بعد مرحلة استعمارية حاولت إضعاف حضورها في الإدارة والتعليم. لذلك كان التعريب بالنسبة إلى جزء كبير من الجزائريين أكثر من خيار تربوي، لقد كان فعل مقاومة بامتياز لاسترجاع الهوية. 

غير أن العقود التي تلت الاستقلال كشفت أن إعادة الاعتبار للعربية لم تحسم وحدها معركة اللغة في المدرسة الجزائرية، لأن السؤال لم يعد فقط: كيف نعيد للعربية مكانتها؟ بل أصبح أيضًا: كيف نجعلها لغة إنتاج للمعرفة والبحث العلمي في عالم تتسارع فيه العلوم بلغات أخرى؟ فبينما انشغل جزء من النقاش العام بمواجهة الفرنسية أو استبدالها بالإنجليزية، ظل السؤال المتعلق بتطوير العربية كلغة للعلم والتكنولوجيا حاضرًا بقوة، لكنه أقل حضورًا في المعارك الإعلامية. المفارقة أن الصراع بين الفرنسية والإنجليزية قد يحجب أحيانًا السؤال المركزي: كيف تنتقل العربية من موقع لغة الهوية إلى موقع لغة المعرفة أيضًا؟

يكشف الجدل اللغوي الحالي أن الأمر ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في نقاش طويل لم يُحسم نهائيًا. فاللغة في الجزائر تختزن تاريخًا وذاكرة وصراعات ورهانات مستقبلية. ولذلك فإن كل إصلاح لغوي يتجاوز حدود المدرسة ليصبح موضوعًا للنقاش العام. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار لغة على حساب أخرى، بل في بناء سياسة لغوية مستقرة، تجعل من المدرسة فضاءً للمعرفة لا ساحة للصراع، وتمنح الأجيال الجديدة القدرة على امتلاك أدوات العالم دون فقدان صلتها بهويتها وثقافتها.