لم ينظر تنظيم “الإخوان المسلمين” إلى الكتاب باعتباره منتجاً ثقافياً محايداً، وإنما أدرك منذ وقت مبكر أن الطباعة والنشر يمثلان جزءاً من البنية الأساسية لأي مشروع يسعى إلى إعادة التأثير في الوعي العام؛ فقبل أن تظهر مفاهيم “القوة الناعمة”، و”صناعة النخب” و”الشبكات العابرة للحدود”، كانت الجماعة قد طورت أدواتها الخاصة في الطباعة والنشر، وربطتها بالمشروع الدعوي والتنظيمي والسياسي.
وفق مصادر خاصة لـ”غلوبال ووتش عربية”، فإن التنظيم الدولي لـ”جماعة الإخوان” يعمل على تأسيس مكتبة إلكترونية ضخمة جداً، بمشاركة عدد كبير من الباحثين العرب، ومن المرجح أن تشمل أكبر قدر من الكتب التي تندرج ضمن الأدبيات الفكرية والفقهية والشرعية للجماعة على مدار تاريخها، في محاولة منها للحفاظ على التراث الفكري للمشروع القطبي البناوي، ومزاحمة كبرى المؤسسات الإقليمية والدولية في نشر المحتوى الفكري والثقافي.
تعد مؤسسات النشر الثقافية إحدى الأدوات الهامة في تمرير الأيديولوجية الفكرية للجماعة الأصولية، ومن ثم حرصت كل كيانات الإسلام الحركي والسياسي على بناء دور الطباعة والنشر والتوزيع، ولم تضع عملية التكسب شرطاً ضمن خطة إدارتها لمشاريع دور النشر الثقافية، بغية الترويج لبضاعتها الفكرية، والالتحام بالجماهير، والتأثير في فئة الشباب التي تعد الأكثر استهدافاً.
مطبعة حسن البنا والممرات الموازية
عمل حسن البنا، منذ السنوات الأولى لولادة جماعته، على تأسيس شركة مساهمة للطباعة في يناير/كانون الثاني 1934، تتولى طباعة صحف الجماعة وكتبها ومنشوراتها بإشراف محمد حلمي المنياوي، المعني بتطوير مطبوعات التنظيم في تلك المرحلة، وفقاً لما ذكره أحمد عادل كمال في كتابه “نقاط فوق الحروف”، فضلاً عن أن الهيكل التنظيمي تضمن قسماً خاصاً بمتابعة عمل مؤسسات الطباعة والنشر التي تمتلكها الجماعة على مدار تاريخها.
تمثل مؤسسات النشر الثقافية حالياً الباب الخلفي لإعادة تمرير المشاريع الأصولية على مستوى المنطقة العربية والشرق الأوسط، وفقاً لاستراتيجية “الممرات الموازية” مواكبة لصناعة “الإعلام البديل”، والهيمنة الجزئية على الرسالة الإعلامية عبر الفضاء الأزرق، وتوجيه الإعلام الجديد. فوفق تصريحات لرئيس اتحاد الموزعين العرب، ورئيس اتحاد الناشرين المصريين السابق، سعيد عبده، دُشّنت خلال السنوات الأخيرة ما لا يقل عن 300 دار نشر جديدة في مصر، يُشك في تبعيتها للتنظيم الدولي لجماعة “الإخوان المسلمين”، وما زالت الأجهزة الأمنية المصرية تضع بعضها على قائمة المراقبة والتتبع.
تتشكل المنظومة الثقافية الجديدة المعنية بالترويج للخطوط الفكرية الأصولية من مئات دور الطباعة والنشر والتوزيع، التي صُنعت برعاية التنظيم الدولي للإخوان. ويديرها، تحت شعار حرية الحركة الثقافية، مجموعة من الكتاب والأدباء، دون الإعلان عن انتمائهم الفكري والتنظيمي.
وتقوم هذه المؤسسات بدور بالغ الأهمية في تشكيل “العقول البيضاء”، والتأثير على وعي المراهقين والأجيال الحديثة والتلاعب بمخيلتهم، بإعادة تعليب المنهج الفكري المتشدد، وتحويل مضامين “معالم في الطريق”، و”أبجديات العمل الإسلامي”، و”الفريضة الغائبة”، “ورسائل البنا”، “وماذا يعني انتمائي للإسلام” وغيرها، إلى أعمال روائية وأدبية بسيطة وسهلة في الفهم والتناول.
مراكز الترجمة الإخوانية
لم يقتصر اللوبي الإخواني على اختراق سوق الطباعة والنشر، بل اتجه إلى تأسيس “مراكز الترجمة الثقافية” التي عملت على الترويج لغالبية المصنفات الفكرية لرموز المكون الإخواني باللغات الأجنبية، ونقلها في المحافل الثقافية الدولية، بجانب النشاط المكثف للمؤسسات التابعة للتنظيم الدولي في الغرب، لا سيما الملحقة بالمراكز الإسلامية، إذ إن الترجمة تعد من أهم حلقات النفوذ في صناعة الكتاب، ومن أهم أدوات نشر المشروع الفكري في المجال الثقافي الدولي.

التأصيلات الشرعية التي أنتجتها اللجنة الدينية داخل “جماعة الإخوان” عقب فض “اعتصام رابعة” المسلح، حول جواز استهداف ضباط الجيش والشرطة والأقباط المصريين، وتحويل الأزمة من مجرد خلاف سياسي إلى معركة دينية، طُبعت ووُزعت عن طريق دور نشر موجودة في القاهرة، بل وشاركت في أجنحة البيع المخصصة في المعارض الفكرية والثقافية الرسمية بالدولة المصرية بين عامي 2014 و2015، وذلك نتيجة قيام بعض دور النشر السلفية (المنتشرة بقوة)، بطباعة هذه الكتيبات بمقابل مادي.
معالم في الطريق
أشار حلمي النمنم، وزير الثقافة المصرية الأسبق، إلى أنه حينما تولى رئاسة الهيئة العامة للكتاب زمن حكم “الإخوان”، وجد 43 كتاباً في المطابع، كلها تتحدث عن الجماعة، ولا ينقصها سوى الأغلفة لتطرح في الأسواق، موضحاً أن أحد هذه الكتب كان بعنوان “بلاغة رسائل الإمام الشهيد”، فضلاً عن صدور 6 طبعات من كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب، الذي يعتبر أساساً في التكفير.
في سبتمبر عام 2015، تحفّظت لجنة التحفظ وإدارة أموال “جماعة الإخوان”، على 20 دور نشر وفروعها، مملوكة لقيادات الجماعة، وأعلنت اللجنة أنّ دور النشر المتحفَّظ عليها، هي: دار الفتح للإعلام العربي (المملوكة لمحمد السيد سابق)، ومركز الإعلام العربي للأبحاث (المملوك لصلاح عبدالمقصود، وزير الإعلام، إبان فترة حكم جماعة الإخوان)، ودار الفضيلة (المملوكة لطه أحمد عيسى عاشور)، ومؤسّسة اقرأ للنشر (المملوكة لقاسم عبد الله إبراهيم)، ومؤسسة حروف للنشر والتوزيع (المملوكة لعبد الناصر سعد عمر)، وقد تم تسليم هذه الدور إلى وزارة الثقافة، لتتولّى إدارتها.
الأدب الإسلامي
انتشار الإخوان في الغرب استدعى تحولات فقهية كانت الأولى من نوعها داخل الحركة الإسلامية، إذ كان من الصعب على قيادات “الإخوان” في الغرب، أن يقدموا أنفسهم للدول الأوروبية ولأمريكا وهم يسطرون في أدبياتهم أن الغرب “دار حرب”. لذلك، قدمت الجماعة مشروعاً ثقافياً تم من خلاله إنتاج وتوزيع المئات من الكتب، عبر المراكز الإسلامية التي تقع تحت سيطرتهم، والتي رصدت واقع المسلمين في الدول الغربية، ووصفتها بأنها “ديار دعوة”، وليس “ديار حرب”، كما أُسست “رابطة الأدب الإسلامي العالمية” عام 1980، من ثم دُشنت “الندوة العالمية للأدب الإسلامي”، في إبريل/نيسان 1981، والتي ضمت عدداً كبيراً من الأدباء والنقاد الإسلاميين من مختلف الجنسيات العربية والغربية.
وتمثل الروايات الأدبية باباً لترويج المشروع الفكري للتنظيم الدولي، بهدف الوصول إلى أكبر شريحة عمرية من الشباب، لا سيما أن الإحصائيات الصادرة حديثاً عن دور النشر المصرية، خلال السنوات الخمس الأخيرة، بيّنت ارتفاع نسبة إقبال شريحة الشباب والمراهقين (بين 15 و 22 عاماً) على شراء الكتب والروايات الأدبية دون غيرها من الفئات العمرية الأخرى، ومن أشهر الكُتّاب والروائيين المحسوبين على “جماعة الإخوان” ومشروعهم، جاسم سلطان، وأدهم شرقاوي، وأحمد خيري العمري، وأيمن العتوم.
مراكز النشر العابرة للحدود
وتكتسب بعض المدن أهمية خاصة عند دراسة النشر الإسلامي العابر للحدود، بسبب وجود سوق للكتاب العربي والجاليات والمؤسسات الثقافية وشبكات التوزيع، مثل لندن، وإسطنبول، ومدن ألمانية، في ظل وجود مؤسسات متخصصة في صناعة النشر الإسلامي والعربي. وقد أصبحت إسطنبول في السنوات الأخيرة مركزاً دولياً مهماً لصناعة الكتاب الإسلامي، إذ تأسس فيها عام 2021 اتحاد دولي لناشري الكتب الإسلامية بمشاركة ناشرين من نحو 30 دولة، قبل الإعلان رسمياً عن تأسيس الاتحاد في يناير/كانون الثاني 2026.
وعليه، فإن توسع التنظيم الدولي في بناء دور الطباعة والنشر على مستوى المنطقة العربية، يتزامن وتغيير استراتيجية الجماعة نحو الانتقال من البناء التنظيمي إلى صناعة الكيانات والمؤسسات ذات التأثير العام، والتحول من الاستقطاب التنظيمي المباشر إلى التأثير الثقافي غير المباشر.















