لم تعد حماية التعليم من التطرف تبدأ من الكتاب المدرسي وحده. فالطالب الذي يتلقى درساً في الصف صباحاً قد يجد نفسه مساءً أمام منصة ألعاب، أو غرفة دردشة مغلقة، أو مقطع قصير يدفعه تدريجاً نحو خطاب أكثر تشدداً. هنا يبرز السؤال الأهم: من يصوغ وعي الطالب اليوم؟ المدرسة، الخوارزمية، المعلم، أم الجماعة الرقمية التي لا يراها أحد؟
في هذه المعادلة، لا يكفي أن تسأل الدول: ماذا تقول المناهج؟ بل عليها أن تسأل أيضاً: أين يتعرض الطلاب للتأثير؟ كيف يتحول الفضول إلى كراهية؟ متى يصبح السؤال المشروع مدخلاً للتطرف؟ وما الطريق إلى حماية الطلاب من دون تحويل المدرسة إلى جهاز رقابة؟
إن التحدي الحقيقي ليس في عزل التعليم عن العالم، بل في بناء مناعة فكرية تجعل الطالب قادراً على التمييز بين الرأي والدعاية، وبين الانتماء الطبيعي والانجراف نحو العنف.
الكتاب هو المشكلة!
ظل النقاش حول المناهج يدور في نطاق ضيق لسنوات طويلة، يركز أساساً على مضمون الكتاب المدرسي: هل يتضمن نصوصاً تحض على الكراهية؟ هل يقدم الآخر بوصفه شريكاً في المجتمع أم عدواً دائماً؟ هل يعزز التفكير النقدي أم يدفع الطالب إلى الطاعة العمياء؟ كل هذه الأسئلة ضرورية، لكنها لم تعد كافية وحدها لفهم مصادر التأثير في وعي الطلاب.
كشفت السنوات الأخيرة أن الخطر قد يأتي من خارج الكتاب تماماً. فالمراهق لا يتشكل داخل الصف وحده، بل يتأثر أيضاً بمنصات الألعاب، والمجموعات المغلقة، وغرف الدردشة المشفرة، ومقاطع العنف، والمحتوى المضلل. وتزيد الخوارزميات من تعقيد المشهد، إذ يمكنها أن تنقل المستخدم تدريجاً من فضول عابر إلى محتوى أكثر تطرفاً، ثم إلى سرديات مغلقة تقدم العنف بوصفه خياراً مشروعاً أو بطولة زائفة.
في هذا السياق، عرض تحقيق لوكالة “أسوشيتد برس” حالة طفل في فرنسا، عمره 12 عاماً، بدأ بحثه على الإنترنت بفضول ديني عادي، قبل أن تقوده الخوارزميات وغرف الدردشة إلى دعاية شديدة العنف لتنظيم “داعش”، ومقاطع إعدام وتعذيب، ومواد تتعلق بتصنيع المتفجرات. ووفق التحقيق نفسه، قال مدعٍ فرنسي إن عدد القُصّر الذين وُجهت إليهم اتهامات أولية في قضايا إرهاب ارتفع من حالتين في العام 2022 إلى 15 حالة في 2023، ثم 19 في العام التالي.
لا تعني هذه الحالة أن شبكة الإنترنت وحدها تصنع التطرف، أو أن الفضول الديني يمثل خطراً بحد ذاته، لكنها تكشف أن المدرسة لم تعد المصدر الوحيد للتنشئة. فقد يتلقى الطالب درساً عن التسامح صباحاً، ثم يتعرض مساءً لمحتوى رقمي يهدم هذا الدرس بالكامل. ومن هنا، فإن حماية التعليم لا يمكن أن تبقى محصورة في مراجعة الكتب المدرسية، بل يجب أن تمتد إلى التربية الإعلامية والرقمية، وفهم آليات عمل الخوارزميات، وتدريب الطلاب على تحليل المحتوى لا استهلاكه فقط.
خط دفاع لا نقطة تفتيش
تقدم بريطانيا نموذجاً مهماً في هذا النقاش. فقد أظهرت بيانات برنامج “Prevent” في إنجلترا وويلز للسنة المنتهية في 31 مارس/آذار 2025 تسجيل 8778 إحالة مرتبطة بمخاوف من قابلية أفراد للتطرف، وهي أعلى حصيلة منذ بدء السلسلة الإحصائية في 2015. وكان قطاع التعليم المصدر الأكبر لهذه الإحالات، بعدد 3129 إحالة، أي 36% من الإجمالي، بينما شكّلت الفئة العمرية بين 11 و15 عاماً النسبة الأكبر بين الحالات المعروفة أعمارها.
لكن الأرقام نفسها تحمل تحذيراً لا يقل أهمية. فأغلب الإحالات المصنفة حسب نوع القلق لم تكن مرتبطة بأيديولوجيا واضحة، بل دخلت ضمن فئة “لا أيديولوجيا” أو “قابلية للتطرف دون أيديولوجيا محددة”، بنسبة بلغت 56% من الإحالات.
إن ما ترصده المدرسة أحياناً ليس تنظيماً عقائدياً مكتملاً، بل هشاشة نفسية، أو عزلة رقمية، أو افتتاناً بالعنف، أو انجذاباً إلى نظريات مؤامرة، أو تأثراً بخطابات كراهية متداخلة. لذلك، فإن تحويلها إلى بوابة أمنية صلبة قد يضر أكثر مما ينفع.
في إبريل/نيسان 2026، حذّرت لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان البريطاني من أن مقاربة الحكومة لم تواكب تحولات التطرف الجديدة، وأن الاعتماد المفرط على أنظمة مكافحة الإرهاب مثل “Prevent” لا يكفي للتعامل مع حالات هجينة تجمع العنف، والكراهية، ونظريات المؤامرة، والتأثر بالخوارزميات. ودعا التقرير إلى ربط الوقاية بمنظومة أوسع تشمل التعليم والصحة النفسية والرعاية المجتمعية.
الخلاصة هنا واضحة: المدرسة يجب أن تكون خط دفاع مبكر، لا نقطة تفتيش فكرية. والمعلم يحتاج إلى تدريب يساعده على التمييز بين طالب يطرح سؤالاً صعباً، وآخر يمر بمسار قد يقوده إلى العنف. فالتحول السلوكي الخطِر لا يجوز تجاهله.
من الدرس إلى الهدف
تكشف قضية المدرس الفرنسي صامويل باتي جانباً آخر من المخاطر. فقد أدانت محكمة فرنسية لمكافحة الإرهاب في ديسمبر/كانون الأول 2024 ثمانية أشخاص في قضية مقتله العام 2020، بعد درس عن حرية التعبير تحول إلى حملة كراهية إلكترونية انتهت بجريمة صدمت فرنسا.
أهمية هذه الحالة في مدى إمكانية أن يتحول درس داخل كتاب إلى هدف عندما يُنتزع من سياقه ويُستخدم في حملة رقمية تحريضية. هنا لا يصبح الخطر في السؤال المطروح داخل الصف، بل في البيئة التي تعيد تدوير ذلك السؤال بوصفه ذريعة للكراهية والعنف.
وفي جمهورية التشيك، قضت محكمة في برنو في إبريل/نيسان 2026 بسجن شاب سبع سنوات في قضية محاولة إحراق كنيس، بعدما كان ضمن مجموعة من خمسة مراهقين قالت السلطات إنهم تأثروا عبر الإنترنت بتنظيم “داعش”، وشاركوا في نشر خطاب كراهية ضد اليهود ومجتمعات أخرى.
هاتان الحالتان تعززان الاستنتاج نفسه: الخطر لا يقف عند أبواب المدرسة. إنه يدخل إلى وعي المراهقين عبر هواتفهم، ثم يظهر لاحقاً في الصف، أو الشارع، أو في علاقة الطالب بمجتمعه. لذلك، فإن أي سياسة تعليمية لا تأخذ البيئة الرقمية بجدية ستظل تعالج جزءاً من المشكلة فقط.
التعليم أداة للسيطرة
في الحالات القصوى، لا يكون التطرف مجرّد تسلل إلى التعليم، بل إعادة بناء كاملة للمنظومة التعليمية لخدمة سلطة سياسية أو دينية. هنا يتحول التعليم من وسيلة لفهم العالم إلى أداة لاحتكاره.
تقرير آخر حول تعليم “داعش” حلل نحو 70 وثيقة أصلية مرتبطة بتعليم الأطفال، وخلص إلى أن التنظيم دمج سردياته وقيمه داخل الممارسات التعليمية، بهدف تلقين الأطفال وبناء معنى كامل للعالم من منظور التنظيم. لم يكن الأمر مجرّد تعديل في كتاب، بل محاولة لصناعة جيل يرى العنف والولاء والانغلاق باعتبارها حقائق طبيعية.
وفي أوكرانيا، وثّقت منظمة العفو الدولية فرض السلطات الروسية ضمن المناطق المحتلة للمنهج الروسي واللغة الروسية ودعاية مناهضة لأوكرانيا داخل المدارس، مع تهديدات وانتقام من عاملين في التعليم رفضوا تنفيذ هذه التغييرات. كما أشارت المنظمة إلى أن مناهج التاريخ المفروضة تبرر الغزو الروسي وتقدم أوكرانيا الحالية بصورة “دولة نازية جديدة”.
وتدعم المنظمة هذه الصورة، إذ قالت إن معلمين أوكرانيين في المناطق المحتلة تعرضوا لضغوط وتهديدات وتفتيش منازل وعنف لإجبارهم على العمل داخل نظام تعليمي يهدف إلى تلقين الأطفال سردية تبرر الحرب الروسية.
أما في أفغانستان، تحذّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم (اليونسكو) من أزمة تعليمية عميقة تشمل استبعاد ملايين الأطفال، خصوصاً الفتيات، وتدهور جودة التعليم وسط سياسات تقييدية ونقص حاد في المعلمين والمواد وضعف الرقابة. ويشير التقرير إلى أن أكثر من 2.13 مليون طفل في سن المرحلة الابتدائية كانوا خارج المدرسة في 2024، وأن حظر تعليم الفتيات بعد المرحلة الابتدائية استبعد نحو 2.2 مليون مراهقة.
هذه النماذج تبدو متباعدة جغرافياً وسياسياً، لكنها تكشف حقيقة واحدة مفادها، أن السيطرة على التعليم ليست تفصيلاً إدارياً، بل وسيلة لإعادة تشكيل الذاكرة والهوية وحدود المسموح والممنوع في عقل الجيل المقبل.









