يعيش الشارع التونسي جدلاً اجتماعياً واسعاً، قبل أيام من العودة المدرسية المقررة في 15 سبتمبر/أيلول للموسم الدراسي 2026-2027، على خلفية قضية التحاق أطفال المهاجرين غير النظاميين من دول إفريقيا جنوب الصحراء بالمؤسسات التعليمية التونسية.
منذ أيّام يشهد الشارع التونسي تجمّعات احتجاجية بدعوة من ناشطين على شبكة “فيسبوك” رفضاً لتسجيل أبناء المهاجرين في المؤسسات التربوية العمومية. ويعتبر هؤلاء الذين يطالبون بطرد المهاجرين – الذين دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية – أن تسجيل أبناء المهاجرين هو توطين ضمني لهم، وهو ما يرفضونه.
لا للتوطين
يقول الدكتور عادل بن رحمون، أحد أبرز الناشطين في هذا الحراك المواطني، كما يسمّيه لـ”غلوبل ووتش عربية”: “هو في الحقيقة مجرّد حراك تلقائي مواطني عملت ثلة من رجال التعليم بالأساس على وضع خططه النضالية وتولّت عملية الدعاية له وتوجّهت لمقرات المنظمات الأممية التي تعمل على توطين من ذكرت بشكل مخاتل، وهنا أذكر كلاً من الوقفة الأولى أمام مقر المنظمة الأممية لشؤون اللاجئين بجهة البحيرة، والوقفة الثانية أمام مكتب الأمم المتحدة للهجرة بالجهة نفسها، والوقفة الثالثة أمام مجلس نواب الشعب، والرابعة أمام المسرح البلدي بقلب العاصمة، وآخر وقفة أمام مبنى وزارة التربية بتاريخ 20 أغسطس/آب”.
ويضيف قائلاً: “لقد عملنا خلال كل الوقفات الاحتجاجية على المطالبة بترحيل هؤلاء المهاجرين بشكل لائق يضمن لهم كرامتهم، والخطابات الموثّقة كانت خالية من التلميحات العنصرية والكراهية، فنحن نعلم أن الوضع شديد الدقّة كيف لا ونحن نتحرّك على رمال متقلّبة ومتحرّكة، كما أننا نؤمن بأن هذا الملف المعقّد والمركّب يجب أن يحل بهدوء”.
من جهتها، قالت فاطمة المسدي، النائبة في مجلس نوّاب الشعب (البرلمان) وأحد أبرز المطالبين بترحيل المهاجرين غير النظاميين: “إذا كانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمات الدولية المعنية بالهجرة حريصة فعلاً على ضمان حق التعليم لأبناء المهاجرين الأفارقة الموجودين في تونس، فليكن ذلك واضحاً وصريحاً: نحن نرفض تدريسهم في المدارس العمومية التونسية.. لا يمكن أن تتحول المدرسة العمومية التونسية إلى حلّ تلقائي لكل أزمات الهجرة في المنطقة، ولا يمكن أن يتحمل التونسيون وحدهم كلفة أزمة لم يصنعوها”.
وتابعت: “لذلك، نطالب الجهات الدولية التي تموّل وتساند برامج الهجرة في تونس بأن تتحمل مسؤولياتها كاملة، وأن تعمل، بالتنسيق مع الدولة التونسية، على إنشاء مدارس مؤقتة ومراكز تعليمية داخل مخيمات أو فضاءات إيواء مخصصة لأبناء المهاجرين الموجودين بصورة غير قانونية، إلى حين تسوية أوضاعهم أو إعادتهم، لمن تنطبق عليهم شروط العودة، إلى بلدانهم الأصلية”.
وأوضحت المسدي أن الدولة التونسية ليست ضد حق أي طفل في التعليم. لكن ذلك الحق “لا يعني بالضرورة أن تتحمل المدرسة العمومية التونسية وحدها مسؤوليته، ولا أن تُنقل كلفة أزمة الهجرة إلى ميزانية الدولة التونسية”.
صمت رسمي وحرج إنساني
رغم هذا الجدل الذي أصبح حديث الشارع التونسي، مع اقتراب العودة المدرسية، لازمت وزارة التربية الصمت، وكذلك نقابات التعليم الأكبر عدداً وتأثيراً في “الإتحاد العام التونسي للشغل”، لكن إجراءات التسجيل عبر المنصّة الرقمية التي أطلقتها الوزارة تجعل تسجيل أطفال المهاجرين شبه مستحيل، وهو ما يعني عملياً حرمانهم من التعليم بكل ما يسبّبه ذلك من حرج أخلاقي للمنظمات الدولية التي تعنى بالمهاجرين واللاجئين في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة.
واتهم الناشطون ضد التحاق هؤلاء الأطفال بالمدارس العمومية، الجمعيات التي تدافع عنهم مثل جمعية “تونس أرض اللجوء” وغيرها، بأنّها تعمل ضمن خطّة ممولّة من الخارج ومن منظمات أمريكية وأوروبية مثل مؤسسة فورد وجورج سوروس لتوطين المهاجرين الأفارقة في تونس.
أسباب إنسانية وقانونية
لكن هذا الرأي تعارضه أصوات أخرى لأسباب إنسانية وقانونية منها المرصد التونسي لحقوق الإنسان (جمعية أهلية حقوقية). إذ اعتبر رئيس المرصد مصطفى عبد الكبير في تصريح لـ”غلوبل ووتش عربية”، أن “مجلة حقوق الطفل والدستور التونسي والمواثيق الدولية كلها تجمع على حق الطفل في التعليم لأنه حق إنساني خاصة أنه مولود على التراب التونسي وله وثائق تثبت ذلك، وحتّى وإن وصل الأراضي التونسية دون السن القانونية، من حقّه أن يتمتع بالحماية التي تنصّ عليها الاتفاقيات الدولية. ومثلما نطالب كتونسيين بحقوق أبنائنا المهاجرين يجب أن نكفل ذلك لأبناء المهاجرين”.
ويضيف عبد الكبير قائلاً: “صحيح أن مؤسساتنا التربوية تعاني من صعوبات كثيرة وكبيرة.. لكن يجب إطلاق حملة دبلوماسية لتحميل الأطراف الدولية مسؤولية حماية هؤلاء الأطفال ودعم تونس على مستوى التعليم والصحّة حتّى تتمكّن من رعايتهم”.
في نفس السياق تقريباً، قال الدكتور نورالدين الشمنقي المتفقد العام في وزارة التربية، إن تعليم هؤلاء الأطفال واجب إنساني. وتابع: “موقفي واضح وعبرت عنه في إطار أنه من حق أي طفل في العالم أن يتمدرس في أي مكان تواجد فيه إذا بلغ سنّه القانوني، هذا حق عالمي وإنساني وكلفة الجهل أثقل على الإنسانية”.
العودة الطوعية
تدخل قوافل المهاجرين الأفارقة من دول الساحل والصحراء تونس عبر المسالك البرية غير الرسمية مع الجزائر وليبيا، قاصدين الساحل الإيطالي عبر شبكات دولية لتهريب المهاجرين، ولكن مع تشديد الرقابة على السواحل وتفكيك هذه الشبكات التي كانت تنشط في بعض المناطق السّاحلية مثل جزيرة قرقنة والشابة والمهدية وقليبية، يضطرّ هؤلاء الحالمون بأوروبا إلى البقاء في تونس وهو ما عمّق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية.
فرضت السلطات التونسية عقوبات صارمة على من يساعد المهاجرين غير النظاميين، سواء بنقلهم، كما هو الحال بالنسبة إلى سيارات الأجرة بين المدن، أو بتوفير مساكن لهم، إضافة إلى تجريم تلقي أموال من الخارج. كما جرى تتبّع عدد من الناشطين في الجمعيات التي تقدم المساعدة للمهاجرين، وإيداع بعضهم السجن. وأمام هذه الظروف، ارتفع عدد المهاجرين الذين اختاروا العودة الطوعية إلى بلدانهم، بعد فشل محاولات العبور وتبخّر حلم الوصول إلى أوروبا.
أرقام رسمية
بحسب أرقام رسمية، يقدّر عدد الذين اختاروا العودة بين 2022 ومنتصف العام الجاري بنحو 22 ألفاً، في حين يبقى العدد الرسمي للمهاجرين الذين لا يملكون أي وثائق شخصية غير محدّد.
ومع العودة المدرسية وصعوبة إدماج أطفال جنوب السّاحل والصحراء، يتجدّد السؤال حول مصير آلاف الأطفال المحرومين من التعليم، وهي نفس ما يعانيه الأطفال من ويلات الحروب في أكثر من مكان في العالم العربي خاصة.















