بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير جيوسياسي

التصعيد الإيراني المتواصل في الخليج.. دلالات استهداف الكويت والبحرين وتداعياته الإقليمية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شهدت منطقة الخليج العربي جولة جديدة وخطيرة من التصعيد العسكري، بعدما شنّت إيران خلال الساعات الأخيرة ضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في الكويت ومملكة البحرين. وجاءت هذه الهجمات، وفق ما أعلنه الحرس الثوري الإيراني، رداً على ضربات أمريكية جديدة نفذتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ضد بنى تحتية عسكرية ودفاعات جوية وأنظمة اتصالات داخل العمق الإيراني، عقب استهداف ناقلة النفط “كيكو” بالقرب من مضيق هرمز.

لا تكمن خطورة التطور في حجم الأضرار المعلنة فقط، بل في انتقال المواجهة مجدداً إلى المجال الخليجي المباشر. فاستهداف مواقع أمريكية داخل دولتين خليجيتين يضع السيادة الوطنية، وأمن القواعد العسكرية، وحركة الملاحة، وإمدادات الطاقة، في نقطة توتر واحدة. وهذا ما يجعل التصعيد الحالي اختباراً عملياً لحدود الردع الأمريكي، ولمدى قدرة دول الخليج على تجنب التحول إلى ساحة ضغط بين واشنطن وطهران. 

دوافع الاستهداف الإيراني

تعكس الضربات الإيرانية استمرار مقاربة عسكرية تقوم على نقل الضغط خارج الأراضي الإيرانية، واستهداف بيئة انتشار القوات الأمريكية في الخليج. وتستند هذه المقاربة إلى مفهوم “الردع الجغرافي”، الذي تنظر من خلاله طهران إلى المنشآت والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة باعتبارها أهدافاً مشروعة في أي مواجهة مباشرة مع واشنطن.

كما تسعى إيران إلى توظيف موقعها المطل على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، انطلاقاً من أن أمن الممرات البحرية وإمدادات الطاقة العالمية يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الخليج. ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الرد الإيراني على المصالح الأمريكية المباشرة، بل يمتد إلى توجيه رسائل ردع للدول التي تستضيف الوجود العسكري الأمريكي، في محاولة لفرض معادلات جديدة على الأرض.

تداعيات التصعيد على الاستقرار

تتجاوز تداعيات المواجهة البعد العسكري المباشر. فعلى المستوى الأمني، دفعت الهجمات الأخيرة دول مجلس التعاون الخليجي إلى تفعيل الدفاعات الجوية ورفع مستويات الجاهزية الدفاعية وتعزيز إجراءات حماية المنشآت الحيوية، إذا استمر تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران.

أما اقتصادياً، فإن وقوع العمليات العسكرية بالقرب من مضيق هرمز واستهداف سفن تجارية وناقلات النفط يعيدان ملف أمن الملاحة إلى صدارة المخاطر العالمية. فالمضيق ليس مجرد ممر إقليمي، بل عقدة استراتيجية في حركة الطاقة والتجارة الدولية. وأي اضطراب طويل فيه قد يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويزيد حالة عدم اليقين في أسواق النفط والغاز، حتى لو بقي العبور التجاري قائماً بصورة جزئية أو منضبطة.

مواقف القوى الإقليمية والدولية

قوبلت الهجمات الإيرانية بإدانات خليجية واسعة، إذ أكدت دول مجلس التعاون أن استهداف الكويت والبحرين يمثل انتهاكاً لسيادة دولتين عضوين في المجلس، ويهدد الأمن الجماعي لدول الخليج. كما شددت على تضامنها الكامل مع البلدين، مؤكدة دعمهما في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أراضيهما، ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

من جهتها، أكدت الولايات المتحدة أن عملياتها العسكرية جاءت دفاعاً عن قواتها ومصالحها الاستراتيجية، وحماية لحرية الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي، مشددة على التزامها بأمن حلفائها في الخليج، وأن أي هجمات إضافية على القوات أو المصالح الأمريكية ستقابل برد حازم، بالتوازي مع استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية على طهران.

في المقابل، تمسكت طهران بموقفها الرافض لأي ترتيبات أمنية في الخليج لا تكون طرفاً فيها. وحذر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، من أن أي محاولة لتحدي ما وصفه بـ”سيطرة إيران” على مضيق هرمز أو فرض ترتيبات أمنية جديدة بعيداً عن “الجمهورية الإسلامية” ستؤدي إلى مزيد من التصعيد وتعقيد جهود إعادة فتح المضيق. كما دعا إلى إنشاء إطار أمني إقليمي جديد يضم جميع دول الخليج، من دون أي وجود أو تدخل عسكري من خارج المنطقة، معتبراً أن أمن الخليج يجب أن يُدار من قبل دوله.

مستقبل المفاوضات السياسية

تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للمسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، إذ تلقي بظلالها على فرص استئناف الحوار وتزيد من تعقيد أي جهود للعودة إلى طاولة المفاوضات.

وتعزز التطورات الأخيرة الشكوك لدى الولايات المتحدة وعدد من دول الخليج بشأن قدرة المسار الدبلوماسي على احتواء التصعيد العسكري، في ظل استمرار تبادل الضربات وارتفاع منسوب التوتر. في المقابل، يبدو أن إيران تسعى إلى توظيف أدواتها العسكرية لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض معادلات جديدة على الأرض، بينما تتمسك واشنطن وشركاؤها الخليجيون بسياسة الردع لمنع تغيير قواعد الاشتباك بالقوة.

الخليج أمام مرحلة أكثر تعقيداً

تكشف الجولة الأخيرة من التصعيد أن الخليج دخل مرحلة جديدة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر الأمنية واتساع دائرة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. ولم تعد تداعيات هذا الصراع تقتصر على الطرفين، بل باتت تنعكس بصورة مباشرة على أمن دول مجلس التعاون واستقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

وفي ظل استمرار التصعيد، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز منظومات الدفاع الخليجي المشترك، وتكثيف التنسيق الأمني والعسكري بين دول المجلس، بالتوازي مع تحرك دبلوماسي يهدف إلى احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة إقليمية شاملة. وبينما لا تزال فرص التهدئة قائمة، فإن مسار الأحداث يشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة عنوانها الردع المتبادل، حيث ستحدد القرارات السياسية والعسكرية خلال المرحلة المقبلة شكل التوازنات الأمنية في الخليج ومستقبل الاستقرار الإقليمي.