لو قُدّر لنيكولو ميكيافيللي أن يزور المغرب هذه الأيام، لما قصد ضريح محمد الخامس ولا صومعة حسان، ولما التقط صورة تذكارية أمام قصبة الوداية. كان سيتوجّه مباشرة إلى مقارّ الأحزاب السياسية، حاملاً نسخة من كتابه “الأمير”، طالباً من الأمناء العامين أن يصحّحوا له أخطاءه النظرية الفادحة!
المُنظّر السياسي الإيطالي كان، على ما يبدو، ساذجاً إلى حد يقارب العته. اعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة، لكنه لم يتخيل أن الوسيلة قد تستقيل من حزب، وتحلّه، وتترك ديونه معلقة، ثم تلتحق بحزب آخر بدعوى التقارب الفكري والأخلاقي، مجاهرة بأن الحزب الجديد أعفاها من “حمل ثقيل” امتد سبعة عشر عاماً قضتها في الحزب السابق!
الأمر لا يتعلق هنا بفلسفة سياسية، بل سباكة انتخابية. ففي المغرب وحده يمكن للصنبور أن يصبّ ماءه داخل المصباح من دون أن يتسبب ذلك في تماس كهربائي! بل إن العملية تُقدَّم كـ “إعادة تموقع سياسي”، ويشرحها خبراء شاشات التلفزيون بوصفها مؤشراً على “دينامية المشهد الحزبي”. ربما لهذا السبب يسمّي هؤلاء أنفسهم “محلّلين”: بسبب قدرتهم العجيبة على تحليل ما هو محرّم سياسياً وأخلاقياً!
أما المواطن، الذي يعرف أن الماء والكهرباء لا يجتمعان عادة إلا في نشرات الحوادث المنزلية، فيفرّك عينيه أمام الشاشة باستغراب، متسائلاً: هل نحن أمام نشاط حزبي أم عملية سباكة لإصلاح عطب منزلي!؟
بدأت الحكاية حين قدّم أحمد فطري، الأمين العام لحزب الوحدة والديمقراطية، المعروف انتخابياً برمز “الصنبور”، استقالته من الحزب الذي أسسه، قبل قرابة عقدين من الزمن، عقب انشقاقه عن حزب الاستقلال، ليظهر في مقر حزب العدالة والتنمية، صاحب رمز “المصباح”.
الرجل قال إنه لم يأت طلباً لمنصب ولا سعياً إلى ترشيح، وإنما لأن حزبه صار يعيش “الكفاف المطلق”، بحسب تعبيره. توقّف الدعم العمومي بعدما عجز الحزب عن الفوز بأي مقعد في انتخابات 2021، وغادر عدد من الأعضاء حين جفّت الموارد، وتراكمت الديون حتى بلغت، وفق الروايات المنشورة، ما بين 115 ألفاً و130 ألف درهم تقريباً.
هكذا اكتشف حزب “الصنبور” أن مياهه قد جفّت تماماً! لم تعد هناك أموال لدفع الإيجار ولا لتغطية المصاريف الأساسية، ولم يبق في المقر سوى الديون وبعض المحاضر وربما صورة جماعية قديمة لأعضاء غادر معظمهم الحزب. فاقترح الأمين العام الاندماج في حزب آخر، لكن الاندماج تعذر قانونياً، واقترح حل الحزب، لكن أعضاء المكتب السياسي رفضوا.
وحين عجز الجميع عن إنقاذ الحزب، اكتفى الأمين العام بإنقاذ نفسه: تأبط حقيبته السياسية، وأغلق الصنبور وراءه، وانتقل إلى “المصباح”، تاركاً رفاقه يتجادلون حول من يملك شرعية الدعوة إلى اجتماع المكتب السياسي، ومن استقال، ومن زوّر المراسلات، ومن بقي عضواً في حزب قيل إنه حُلّ، ثم قيل إنه لم يُحلّ.
يا لها من نسخة مغربية شيقة ومتقنة من مسرح العبث: الحزب موجود وغير موجود في الوقت نفسه، مثل “قط شرودنغر”، لكنه مطالب بديون لا مجال للتشكيك بوجودها، لأنها مستحقة للمجلس الأعلى للحسابات.
من “الاستقلال” إلى “الوحدة” ثم إلى “العدالة”، لا تقلّ الرحلة الأيديولوجية إثارة عن الرحلة المالية. فأحمد فطري جاء أصلاً من حزب الاستقلال، ثم انشق وأسس حزب الوحدة والديمقراطية عام 2009. وبعد سبعة عشر عاماً، ها هو يغادر الحزب الذي أسسه ليلتحق بالعدالة والتنمية.
أي أنه بلغة الانتخابات المغربية انتقل من “الميزان” إلى “الصنبور”، ثم من “الصنبور” إلى “المصباح”. ولو استمرت رحلة ترحاله الحزبي بالوتيرة نفسها، فقد نجده مستقبلاً فوق “الجرار”، أو تحت “المظلة”، أو بجوار “الحمامة”، إلى أن تكتمل جولته بين كامل أثاث البيت الانتخابي المغربي.
في الديمقراطيات التقليدية، يغيّر السياسي حزبه عندما يختلف مع توجّهاته بخصوص الضرائب أو السياسة الخارجية أو العدالة الاجتماعية. أما في الحالة المغربية، فقد بات سبب الانتقال أن الحزب القديم لم يعد يملك ثمن فاتورة الماء والكهرباء. وهنا تكمن عبقرية اختيار الرموز: لأن “الصنبور” بات بلا ماء، التحق زعيمه بـ “المصباح”، قبل أن تُقطع عنه الكهرباء!
والأدهى أن واقعة “الصنبور” و”المصباح” ليست سوى الحلقة الأحدث في مسلسل طويل اسمه “الترحال الحزبي”. فمع اقتراب كل انتخابات، تنطلق في المغرب سوق انتقالات حامية لا تقل حيوية عن “ميركاتو” لاعبي كرة القدم. تتنافس الأحزاب على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ المحلي والقادرين على جلب الأصوات، فترى المرشحين يتنقلون بين بعض التنظيمات الحزبية كما يتنقل نجوم الكرة بين الأندية.
الفارق الوحيد أن لاعب الكرة يغيّر القميص لقاء عرض مالي معلن، بينما يغيّر السياسي لونه الحزبي بحجة “المصلحة العليا للوطن”. وغالباً ما تبدأ رحلة الميركاتو الحزبي ببيان غاضب يتهم قيادة الحزب القديم بإغلاق باب الديمقراطية، وتنتهي بصورة مبتسمة إلى جانب قيادة الحزب الجديد التي تفتح باب الديمقراطية، ومعه باب الترشيح.
ولأن الترحال والانشقاق بات وسيلة خصبة للتكاثر الحزبي، صارت للحياة الحزبية المغربية شجرة عائلة يصعب تتبع وفهم معالمها من دون خبير أنساب! فقد عرفت الأحزاب تفرّعات وانشقاقات لا تحصى، إذ انفصل “الحزب الوطني الديمقراطي” و”حزب الإصلاح والتنمية”، مثلاً، عن “التجمع الوطني للأحرار”. فيما خرج من “الحركة الشعبية” حزب “الحركة الديمقراطية الاجتماعية” وحزب “الحركة الشعبية الدستورية” التي ولد من رحمها، لاحقاً “حزب العدالة والتنمية”!
الطريف أن عملية التكاثر الحزبي هذه لا تحتاج بالضرورة إلى معتركات أو حسابات انتخابات. يكفي أن يختلف عضوان في المكتب السياسي حول موعد المؤتمر، أو حتى ترتيب الأسماء على المنصة، ليستيقظ المغاربة في اليوم الموالي على حزب جديد له أمين عام ومكتب سياسي وشبيبة وقطاع نسائي وبيان تأسيسي، ولا ينقصه سوى تفصيل عديم الأهمية: الناخبون!
ثم يمضي الحزب الجديد سنوات عجاف في مهاجمة الحزب الأم، قبل أن تبدأ مفاوضات “لمّ الشمل” التي تنتهي به إلى العودة إلى “بيت الزوجية” التاريخي.
لكن، رغم كل ما سبق، ليس الترحال الحزبي أغرب تفاعلات الكيمياء السياسية المغربية. هناك ما هو أدهى: التحالفات الحزبية. وخير مثال عنها التحالف الذي جمع حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية بحزب التقدم والاشتراكية، وريث الحزب الشيوعي المغربي!
بعد انتخابات 2011، قاد عبد الإله بنكيران حكومة ائتلافية ضمت الحزبين. وحين سُئل محمد نبيل بنعبد الله عن هذه المفارقة، أوضح أن التحالف سياسي وليس اندماجاً بين الإيديولوجيتين الإسلامية والاشتراكية. وتنفّس المغاربة الصعداء: إنه تفسير معقول جداً. فالإيديولوجيا في المغرب عادة ما تُترك عند باب قاعة المفاوضات الحزبية، مثلها مثل المظلات والمعاطف الثقيلة!
بذلك، استنار الشيوعي السابق بنور المصباح الإسلامي. والحمد لله أن ذلك لم يسفر عن ثورة. لأننا كنا سنحتار لمن ننسب أبوّتها: هل هي بروليتارية أم إسلامية؟ هل تستضيء بنور الإيمان ويقينياته أم بطبقية كارل ماركس وجدلياته؟
في أي بلد آخر، كان تخالف الإسلاميين والشيوعيين سيثير جدلاً فكرياً حاداً ونقاشاً فلسفياً معمّقاً. أما في المغرب، فالأمور تجري بمرونة وسلاسة: يكفي التوافق على توزيع الحقائب الوزارية، ثم التقاط صورة جماعية، وتكون حكومة الائتلاف قد قامت!
هذه المرونة، التي يتفوق فيها الحزب السياسي المغربي على أشطر بهلوان في أعرق فرقة سيرك، تبلغ ذروتها في انتخابات المجالس المحلية. تجد، مثلاً، حزباً يصف خصمه أثناء الحملة بأنه خطر على الديمقراطية، ثم يصوّت له بعد أقل من أسبوع رئيساً للمجلس الجماعي حرصاً على حسن سير “اللعبة” الديمقراطية! وتجد أيضا مرشحاً تعهد بإسقاط الفساد، يتحالف – بعد ظهور النتائج – مع من اتهمهم بالفساد، لأن “مصلحة المدينة تقتضي تجاوز الخلافات”.
هكذا تتحول الخيانة الانتخابية إلى تضحية يمليها الواجب الوطني! في الصباح، يصدر الحزب بياناً يتهم منافسه بشراء الذمم، وفي المساء يصوّت أعضاؤه للمنافس نفسه، ثم يبرّر ذلك بأن “التحالفات المحلية لا تخضع دائماً للمنطق المركزي”.
أي أن الحزب يستطيع أن يكون معارضاً في الرباط ، حليفاً في الدار البيضاء، ومنشقاً على نفسه في فاس! كأن الأمر لا يتعلق بحزب سياسي، بل بهاتف محمول تتغير شبكة تغطيته من منطقة إلى أخرى.
كل هذه المفارقات والعجائب جعلت المغرب بلدا يزخر بأحزاب بلا ناخبين، فيما الناخبون بلا أحزاب! ففي مقابل فائض الأحزاب، نقص حاد في الثقة بها. هناك تنظيمات ورموز ومقار ومؤتمرات وبيانات وأمناء عامون أكثر مما يحتاجه المشهد السياسي، لكن كثيراً من المواطنين ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها دكاكين موسمية تُفتتح قبل الانتخابات وتغلق بعدها، وسط فوضى عارمة من تشابه البرامج، وغياب المصداقية وارتهان التنظيمات السياسية لمنطق التوافق والمصالح الانتخابية، بحيث لا يعود بإمكان المواطن الراغب في الانتخاب أن يعرف أين ينتهي اليمين وأين يبدأ اليسار.
فما معنى التصويت لـ “الصنبور”، إذا كان سيصب ماءه لاحقاً في “المصباح”؟ وما معنى اختيار “الكتاب” إذا كان “الجرّار” سيطحنه؟ أو اختيار “الوردة” إذا كانت “الحمامة” ستنقر بتلاتها؟
ميكيافيللي المسكين كان يرى أن الحاكم الذكي يجب أن يكون أسداً وثعلباً في الوقت نفسه. لكن السياسة الحزبية المغربية فتحت إلى جانب حديقة الحيوان الميكيافيلية متجراً كاملاً للأدوات المنزلية تضم صنبوراً، ومصباحاً، وجراراً، وميزاناً، ومظلة، وكتاباً، وساعة!
ولو قُدِّر لصاحب “الأمير” أن يزور هذا المتجر الحزبي العجيب، فلن يحتاج إلى إعادة تأليف كتابه. سيكتفي بشراء مصباح، وتركيب صنبور فوقه، ثم يجلس منتظراً ما سيفرزه هذا المختبر الانتخابي من معجزات وعجائب. فالسياسة المغربية لا تعترف بالمستحيل: الصنبور يضيء، والمصباح يسقي، واليسار يتحالف مع اليمين، والخصم يصير صديقاً، والحزب المفلس يداري فشله السياسي بإعلان انتصاره الأخلاقي.
الحقيقة الوحيدة الثابتة أن المواطن، شاء أو أبى، يبقى مُطالباً بسداد فواتير ماء “الصنبور” وكهرباء “المصباح” في آن معاً!






