بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

“التحمل القطبي”: أوروبا تستبق واشنطن إلى “غرينلاند” بمناورة عسكرية تُنذر بتصدع “الأطلسي”

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

في خطوة استراتيجية خاطفة أعادت خلط الأوراق داخل المعسكر الغربي، أطلقت الدنمارك في منتصف يناير 2026 عملية “التحمل القطبي” (Operation Arctic Endurance)، مدعومة بتحالف عسكري أوروبي واسع يضم فرنسا وألمانيا والسويد.

المناورة التي بدأت كاستجابة عسكرية للتهديدات الأمنية في القطب الشمالي، تحولت سريعاً إلى رسالة سياسية حادة موجهة إلى الحليف الأمريكي قبل الخصم الروسي، مفادها أن السيادة على غرينلاند وثرواتها خط أحمر أوروبي، وأن “الفراغ الأمني” الذي تحاول واشنطن استغلاله لفرض وصايتها قد تم ملؤه بالفعل ببيادق أوروبية.

صراع القمم الجليدية

لطالما كانت غرينلاند، الجزيرة الأكبر في العالم، نقطة ارتكاز هادئة في شمال الأطلسي، لكنها تحولت في الأعوام الأخيرة إلى ساحة تنافس محموم بسبب ذوبان الجليد الذي كشف عن طرق ملاحة جديدة وثروات معدنية نادرة. 

في حين تزايدت الضغوط الأمريكية تحت ذرائع “حماية الأمن القومي” ومواجهة التمدد الصيني والروسي، وجدت الدنمارك نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما الرضوخ للهيمنة الأمريكية التي قد تصل حد شراء السيادة، أو عسكرة الجزيرة بقدرات ذاتية. وقد جاء الخيار الثاني حاسماً عبر تدويل الأزمة أوروبياً، لتصبح غرينلاند في شتاء 2026 اختباراً لمدى قدرة أوروبا على حماية فنائها الخلفي دون مظلة واشنطن.

هندسة الردع: قوات نوعية لفرض الأمر الواقع

لم تأتِ “عملية التحمل القطبي” التي انطلقت فعلياً بين 14 و15 يناير 2026، كاستعراض عسكري تقليدي ضخم، بل صُممت كعملية جراحية دقيقة تعتمد على “قوات الردع النوعية” (Tripwire Forces). الهدف التكتيكي هنا ليس شن حرب مفتوحة، بل نشر قوات حليفة تجعل أي تحرك أمريكي أحادي الجانب بمثابة صدام دبلوماسي مع أوروبا مجتمعة لا مع الدنمارك وحدها.

على الأرض، شكلت الدنمارك رأس الحربة بنشر فوري لطائرات مقاتلة وسفن حربية لفرض طوق بحري وجوي، مع تحضير وحدات من “اللواء الأول” للتدخل السريع. لكن الثقل الحقيقي للعملية يكمن في تنوع الحلفاء؛ فقد أرسلت ألمانيا فريق استطلاع متخصصاً (مكوناً من 13 عنصراً كطليعة) لتقييم البنية التحتية للموانئ والمطارات، في إشارة نادرة لانخراط برلين العسكري في القطب الشمالي. 

بالتوازي مع هذه الخطوات، نشرت فرنسا وحدات نخبة من “مشاة الجبال” مجهزة بطائرات مسيرة للعمل في الظروف القاسية، بينما وفرت السويد والنرويج -المنضمتان حديثاً لثقل الناتو الكامل- عقل التخطيط الاستراتيجي ودمج العمليات. حتى كندا، الجارة الشمالية لأمريكا، اختارت الانخراط في هذا التحالف، مما يعطي العملية غطاءً “أطلسياً” يستثني الولايات المتحدة ويحاصر خياراتها.

أوروبا تتحرك وتقطع الطريق على واشنطن

المحرك الرئيسي لهذا التحرك هو القراءة الأوروبية للنوايا الأمريكية. تدرك العواصم الأوروبية، وعلى رأسها كوبنهاغن وباريس، أن الحجة الأمريكية الدائمة للتدخل في غرينلاند هي “غياب القدرة الدفاعية الكافية” لدى الدنمارك لمواجهة الروس أو الصينيين. لذا، جاءت “التحمل القطبي” لنسف هذه الحجة من أساسها.

من خلال هذه المناورة، تقوم أوروبا بتأمين البنية التحتية الحيوية في الجزيرة (مراكز الاتصالات، والمطارات، والموانئ) بنفسها. الرسالة الضمنية هنا هي أن أوروبا قادرة على تحمل أعباء الأمن الجماعي في أقصى الشمال. هذا التحرك يحمل بعداً اقتصادياً بالغ الأهمية أيضاً؛ فغرينلاند تحتوي على احتياطيات هائلة من العناصر الأرضية النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. وسيطرة تحالف أوروبي عسكري على الأرض يعني ضمان بقاء هذه الموارد ضمن السلسلة الصناعية الأوروبية، ومنع تحولها إلى ورقة مساومة بيد واشنطن في حروبها التجارية مع الصين، أو وسيلة ضغط سياسي على الاتحاد الأوروبي.

شرخ في “الناتو”: مأزق الحليف والمنافس

تضع هذه العملية حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمام مفارقة تاريخية وتحدٍ وجودي. فمن الناحية الرسمية، هذه مناورة بين حلفاء في الناتو لتعزيز أمن الجناح الشمالي للحلف، وهو ما يصعب على واشنطن انتقاده علناً دون أن تبدو كمن يقوض وحدة الحلف. لكن في الكواليس، يدرك صناع القرار في البيت الأبيض أن “التحمل القطبي” هي مناورة احتواء للنفوذ الأمريكي بقدر ما هي ردع للروس.

يخلق هذا الوضع انقساماً عميقاً داخل “الأطلسي”؛ جبهة تقودها الولايات المتحدة ترى في القطب الشمالي امتداداً لأمنها القومي المباشر وتطلب السيطرة المطلقة، وجبهة أوروبية تسعى لـ “استقلال استراتيجي” يرفض التبعية العمياء. هذا التوتر قد ينعكس سلباً على ملفات أخرى، حيث قد ترد واشنطن بتقليص دعمها في جبهات أخرى أو ممارسة ضغوط اقتصادية. 

في المقابل، تراقب موسكو وبكين هذا المشهد عن كثب، حيث أن انشغال الغرب بترتيب بيته الداخلي في غرينلاند قد يمنحهما هوامش مناورة جديدة، ما لم تنجح أوروبا سريعاً في تحويل هذا الانتشار المؤقت إلى منظومة دفاعية دائمة ومستقرة تجبر الجميع -أصدقاء وخصوماً- على احترام السيادة الأوروبية الجديدة في القطب المتجمد.