تتكشف ملامح المشهد العراقي اليوم من خلال واحد من أكثر الملفات تعقيداً وتأثيراً على مستقبل الدولة، وهو ملف الفساد المالي والإداري الذي تحوّل خلال العقدين الماضيين من أزمة مؤقتة إلى تحدٍّ بنيوي يطال الاقتصاد والإدارة والثقة بالمؤسسات العامة. وبينما تتجه الأنظار إلى حكومة علي الزيدي وما ترفعه من شعارات إصلاحية، تظل الأرقام والمؤشرات الدولية تذكيراً بحجم التحديات التي تواجه أي محاولة جادة لإعادة بناء منظومة النزاهة والرقابة في البلاد.
مع تشكيل الحكومة الجديدة، عاد ملف الفساد إلى صدارة النقاش العام في العراق، وسط توقعات شعبية بإحداث تغيير ملموس في آليات إدارة المال العام ومكافحة الهدر المالي. إلا أن الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف يبدو أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات الرسمية، خصوصاً في ظل إرث ثقيل تراكم على مدى سنوات طويلة.
مليارات مهدورة منذ 2003
وفق “مؤشر مدركات الفساد” الصادر عن “منظمة الشفافية الدولية” لعام 2025، سجل العراق 28 نقطة من أصل 100، وهو مستوى يعكس استمرار ضعف منظومة النزاهة والرقابة. ويضع هذا التصنيف البلاد ضمن الدول التي تواجه تحديات كبيرة في مجال الشفافية والحكم الرشيد، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على بيئة الاستثمار وثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
لا تتوقف الصورة عند المؤشرات الدولية فقط، إذ تشير تقديرات وتحليلات مختلفة إلى أن العراق خسر ما بين 600 إلى أكثر من 776 مليار دولار منذ العام 2003 بسبب الفساد وسوء الإدارة والتهرب المالي. وعلى الرغم من اختلاف الجهات التي تقدم هذه التقديرات، فإنها تتفق على أن حجم الأموال المهدورة كان كفيلاً بإحداث تحول اقتصادي وتنموي كبير لو أُديرت تلك الموارد بصورة أكثر كفاءة وشفافية.
ضغوط دولية على بغداد
لم يعد ملف الفساد في العراق قضية داخلية فحسب، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى محور اهتمام متزايد لدى المؤسسات الدولية والجهات المالية العالمية. ويعود ذلك إلى تأثيره المباشر على الاستقرار الاقتصادي وقدرة العراق على جذب الاستثمارات وتطوير قطاعاته الإنتاجية.
يبرز في هذا السياق إدراج العراق ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهو ما يعكس الحاجة إلى تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتحسين الرقابة على التدفقات المالية. وعلى الرغم من أن هذا التصنيف لا يعني فرض عقوبات مباشرة، إلا أنه يفرض تدقيقاً أكبر على التعاملات المالية ويؤثر في صورة الاقتصاد العراقي لدى المستثمرين.
كما أصبحت المؤسسات المالية الدولية أكثر حساسية تجاه مؤشرات الشفافية والحوكمة، ما يجعل الإصلاح الإداري والمالي شرطاً أساساً لتحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز الثقة الدولية.
من هذا المنطلق، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهي مطالبة بتحقيق إصلاحات داخلية حقيقية، وفي الوقت نفسه إقناع المجتمع الدولي بأن هذه الإصلاحات ليست مجرّد استجابة ظرفية للضغوط، بل جزء من رؤية طويلة الأمد لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
الزيدي بين الوعود والتنفيذ
مع بداية عمل حكومة علي الزيدي، ظهرت إشارات إلى وجود رغبة في إعادة النظر بعدد من الملفات المالية والإدارية التي أثارت الجدل خلال السنوات الماضية. وتم الإعلان عن مراجعة بعض العقود الحكومية ومشاريع البنية التحتية، إضافة إلى تشديد إجراءات الرقابة في عدد من المؤسسات.
لكن هذه الخطوات ما تزال في مراحلها الأولى، ولم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة يمكن قياسها على مستوى استرداد الأموال أو ملاحقة شبكات الفساد الكبرى. لذلك يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المبادرات، بل في القدرة على تنفيذها بصورة مستدامة.
وتُظهر التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين أن كثيراً من الحكومات رفعت شعارات مكافحة الفساد، لكنها اصطدمت بعقبات مؤسسية وسياسية حالت دون تحقيق تغييرات جوهرية. ولهذا السبب، تُعد المرحلة الحالية اختباراً مبكراً للحكومة الجديدة وقدرتها على الانتقال من الوعود إلى التنفيذ الفعلي.
كما أن نجاح أي حملة إصلاحية يتطلب وجود أجهزة رقابية مستقلة وقضاء قادر على التعامل مع الملفات الحساسة بعيداً عن الضغوط السياسية، وهي شروط لا تزال محل نقاش داخل الأوساط السياسية والحقوقية العراقية.
النفط والاقتصاد الموازي
إذا كان الفساد الإداري يمثل أحد أوجه المشكلة، فإن الاقتصاد غير الرسمي يمثل وجهاً آخر لا يقل خطورة. جزء من النشاط الاقتصادي في العراق يتم خارج الأطر الرسمية، ما يحد من قدرة الدولة على تتبع الأموال ومراقبة حركة رؤوس الأموال بصورة فعالة.
ويُنظر إلى هذا الاقتصاد الموازي باعتباره أحد التحديات الكبرى التي تواجه جهود الإصلاح، لأنه ينتج بيئة تسمح بانتشار التهرب المالي وتضعف فعالية السياسات الاقتصادية، كما أنه يسهم في تقليص الإيرادات العامة التي تحتاجها الدولة لتمويل مشاريع التنمية والخدمات.
في الوقت ذاته، يبقى النفط في قلب المعادلة الاقتصادية العراقية. فهذا القطاع يشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالشفافية وإدارة العقود وآليات الرقابة، وأي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون تعزيز الشفافية في إدارة الموارد النفطية وتحسين أنظمة الرقابة المالية المرتبطة بها.
اختبار بين الشعارات السياسية
يقف العراق أمام اختبار حقيقي يتجاوز حدود الشعارات السياسية. الأرقام التي تتحدث عن خسائر بمئات المليارات من الدولارات، والتصنيفات الدولية المتعلقة بالشفافية، والضغوط المتزايدة من المؤسسات المالية العالمية، كلها عوامل تجعل من مكافحة الفساد ضرورة وطنية واقتصادية.
وعلى الرغم من أن حكومة علي الزيدي ما زالت في بداياتها، فإن قدرتها على تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف ستكون أحد أهم المعايير التي سيُقاس بها أداؤها خلال المرحلة المقبلة. فالمواطن العراقي ينتظر نتائج تنعكس على الخدمات وفرص العمل ومستوى المعيشة، فيما يراقب المجتمع الدولي مدى قدرة بغداد على بناء مؤسسات أكثر شفافية وكفاءة.
بين التحديات المتراكمة والفرص المتاحة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت المرحلة الحالية ستشكل بداية تحول حقيقي في إدارة ملف الفساد، أم أنها ستكون حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المحاولات التي اصطدمت بواقع أكثر تعقيداً من الوعود والخطط المعلنة.















