بعد عام اتسم بتركيز استثنائي للسلطة الاقتصادية داخل البيت الأبيض، يدخل الاقتصاد الأمريكي طوراً أكثر تعقيداً، عنوانه إعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية. فالتعريفات الجمركية الواسعة، والتعديلات الضريبية السريعة، وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق، لم تعد تُدار بالوتيرة الأحادية نفسها. القضاء، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، والكونغرس، يستعيدون تدريجياً أدوارهم التقليدية، بما يحدّ من قدرة دونالد ترامب على توجيه السياسة الاقتصادية دون قيود مؤسسية فعّالة.
ما يجري لا يشير إلى انقلاب جذري في التوجهات الاقتصادية، بقدر ما يعكس انتقالاً من نمط “الحسم التنفيذي” إلى بيئة صنع قرار أكثر تشظياً، تتداخل فيها الصلاحيات وتتزايد فيها مساحات عدم اليقين. إنها مرحلة توازن هش لا تُدار من مركز واحد، ولا تُحسم وفق منطق الغلبة السياسية.
من الهيمنة التنفيذية إلى تنازع الصلاحيات
في عام 2025، بدت السياسة الاقتصادية الأمريكية من الأعلى إلى الأسفل: تعريفات جمركية واسعة النطاق، تخفيضات ضريبية سريعة، اقتطاعات في برامج الإنفاق، وتراجع ملموس في أدوار الهيئات التنظيمية. ورغم بقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي مستقلاً من حيث الشكل القانوني، فإن الإيقاع العام للسياسات الاقتصادية كان منسجماً مع توجهات السلطة التنفيذية.
مع مطلع 2026، بدأت هذه الصيغة تفقد زخمها. فقرارات تمسّ التجارة الدولية، والسياسة النقدية، والإنفاق العام، باتت تنتقل تدريجياً إلى ساحات مؤسسية أخرى، أبرزها المحكمة العليا والكونغرس. والنتيجة ليست عودة تلقائية إلى ما قبل ترامب، بل الدخول في مرحلة تنازع صلاحيات تُنتج قيوداً متبادلة على جميع الفاعلين.
الرسوم الجمركية تحت اختبار القضاء
يشكّل ملف الرسوم الجمركية أولى نقاط التحول الكبرى. فالمحكمة العليا تقترب من إصدار حكم بشأن استخدام الإدارة لقانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، وهو الأساس القانوني الذي استندت إليه غالبية الرسوم التي فُرضت في 2025، بما في ذلك التعريفات “المتبادلة” التي لا تقل عن 10% والمفروضة على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. والسيناريو الأرجح هو حكم ملتبس لا يمنح الإدارة تفويضاً كاملاً، كما لا ينزع عنها الصلاحيات كلياً.
مثل هذا الغموض القانوني سيترك أثره سريعاً على الاقتصاد الحقيقي. فإذا استمرت بعض الرسوم، قد تجد الشركات نفسها عاجزة عن امتصاص التكاليف، ما يعني تمريرها إلى المستهلكين وعودة الضغوط التضخمية. أما إذا أُلغيت، فمن المرجح أن تحاول الإدارة إعادة فرضها عبر مسارات قانونية بديلة، فاتحةً الباب أمام موجة جديدة من الطعون القضائية. في كلا السيناريوهين، يبقى المناخ التجاري غير مستقر، ما يُعقّد قرارات الاستثمار وتخطيط سلاسل التوريد للشركات العاملة عبر الحدود.
استقلال الفيدرالي على المحك
التحول الأكثر حساسية يطال السياسة النقدية للولايات المتحدة، ومؤسستها الأكبر في العالم، الاحتياطي الفيدرالي. إذ تستعد المحكمة العليا للنظر في قضية عزل المحافظ ليزا كوك، وهي قضية تتجاوز بعدها الشخصي لتلامس جوهر استقلال البنك المركزي.
وأي حكم يُضعف الحماية القانونية لأعضاء مجلس الاحتياطي قد يفتح الباب أمام تدخل رئاسي مباشر في السياسة النقدية، وهو ما من شأنه أن يهز ثقة الأسواق العالمية بالدولار وبمصداقية مُصدره.
تزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس الحالي للفيدرالي جيروم بأول، في مايو المقبل. فمرشح ترامب الجديد سيخضع لاختبار مزدوج: الكفاءة المهنية من جهة، ومدى استقلاليته عن البيت الأبيض من جهة أخرى.
في حال تعيين رئيس جديد أكثر قرباً من الإدارة، فإن قدرته على توجيه السياسة النقدية ستظل محدودة. فقد أظهر أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، وعددهم 12 عضواً يتمتعون بحق التصويت، استعداداً متزايداً لمعارضة التوجه العام، ما يعكس بيئة داخلية أكثر انقساماً. وإذا عزز القضاء استقلالية أعضاء المجلس، فإن هذه الانقسامات قد تتعمق، ما يجعل السياسة النقدية أقل خضوعاً للأفراد وأكثر نتاجاً لتوازنات جماعية معقدة.
الكونغرس يعود إلى المشهد الإقتصادي
في 2025، مرّرت الإدارة أجندتها الاقتصادية عبر كونغرس منضبط حزبياً. لكن مع اقتراب الانتخابات النصفية، بدأت التشققات تظهر على الجانب الجمهوري. خصوصاً في ملف “القدرة على تحمّل التكاليف”، وهي القضية الأبرز التي تُهيمن على النقاش العام، وتتمحور حول انتهاء العمل بالإعانات الموسعة لقانون الرعاية الصحية الميسرة مطلع العام.
في حال عدم التمديد، سيواجه نحو 22 مليون شخص ارتفاعاً في أقساط التأمين الصحي، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول سياسات الرعاية الصحية، واحتمالات مراجعة تخفيضات برنامج “ميديكيد” والمساعدات الغذائية، التي أُقرّت في قانون الضرائب والإنفاق لعام 2025. ولكن مع ضيق الوقت، يبدو هذا الاحتمال مستبعداً.
توازن مربك لكنه أقل خطورة
تأتي هذه التحولات في وقت لا يخلو من التناقضات الاقتصادية، فقد شهدنا نمواً اقتصادياً قوياً نسبياً، وتراجعاً في معدلات التضخم، مع تفاؤل حذر بشأن دور الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة الإنتاجية. لكن مخاطر الركود لا تزال قائمة، والتضخم لم يُحسم نهائياً، وربما تتحول طفرة الذكاء الاصطناعي، رغم وعودها الكبيرة، إلى فقاعة استثمارية جديدة قد تنفجر في أي لحظة.
يمكن القول إن الاقتصاد الأمريكي يتجه نحو مرحلة ما بعد “الذروة الترامبية”، حيث لا يمتلك طرف واحد القدرة على فرض رؤيته كاملة. وستتوزع السلطة بين قرارات المحكمة العليا، وديناميكيات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وضغوط الكونغرس، لتُشكل مجتمعةً حدود سيطرة الرئيس. هذا التوازن، رغم فوضويته، قد يكون أقل خطورة من استمرار السيطرة الأحادية على أدوات الاقتصاد الكلي.
وفي ظل هذا المشهد، قد لا يكون الرهان الحقيقي على المؤسسات وحدها، بل على عناصر القوة التقليدية للاقتصاد الأمريكي، المتمثلة بسوق عمل مرن ومجتهد، شركات قادرة على التكيّف، ومستهلكون يواصلون الاستثمار في المستقبل رغم الضبابية.















