ترصد أجهزة أمنية واستخباراتية أوروبية منذ سنوات تنامياً تدريجياً لنفوذ شبكات مرتبطة بـ”جماعة الإخوان المسلمين” داخل عدد من الدول الأوروبية، عبر مسار لا يعتمد على المواجهة المباشرة أو الخطاب الصدامي، بل يرتكز على استراتيجية طويلة الأمد تقوم على التغلغل داخل المؤسسات الدينية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
بينما تركز الحكومات الأوروبية على تحديات الإرهاب والهجرة والأمن التقليدي، تحذر تقارير أمنية ودراسات بحثية من أن “الجماعة” نجحت في بناء شبكات نفوذ واسعة تستفيد من بيئة الحريات والديمقراطية لتوسيع حضورها داخل المجتمعات المحلية.
تسلط هذه التقارير الضوء على ألمانيا وإيطاليا باعتبارهما من أبرز الساحات الأوروبية التي تنشط فيها مؤسسات وشبكات مرتبطة فكرياً أو تنظيمياً بالإخوان المسلمين. ووفقاً لهذه التقديرات، تعتمد “الجماعة” على العمل المدني والخيري والتعليمي لبناء قاعدة تأثير مستدامة داخل الجاليات المسلمة، بما يسمح لها بتعزيز حضورها الاجتماعي والسياسي بصورة تدريجية.
إعادة إنتاج النفوذ في ألمانيا
تُعد ألمانيا من أهم ساحات نشاط “الإخوان المسلمين” في أوروبا، فبحسب تقارير صادرة عن “أجهزة حماية الدستور الألمانية”، لا تزال “الجماعة” تمثل أحد أبرز تيارات الإسلام السياسي المنظمة داخل البلاد، على الرغم من سنوات من المتابعة الأمنية والرقابة.
وتشير التقييمات الأمنية إلى أن “الجماعة” اعتمدت خلال السنوات الأخيرة سياسة إعادة التموضع التنظيمي، من خلال تقليص حضورها المباشر وإبراز مؤسسات وجمعيات تقدم نفسها كشركاء في الحوار والاندماج. إلا أن العديد من التقارير ترى أن هذا التحول يعكس تكيفاً مع الضغوط السياسية والأمنية أكثر مما يمثل تغييراً في المرجعية الفكرية أو الأهداف الاستراتيجية.
وتبرز ضمن هذا المشهد مؤسسات يرد ذكرها بصورة متكررة في التقارير الأمنية، من بينها “التجمع الإسلامي في ألمانيا” و”منظمة الشباب المسلم”، إلى جانب شبكات تعليمية ودعوية تنشط في مجالات التأهيل الديني والعمل المجتمعي. وترى دوائر أمنية أن هذه الكيانات تعتمد استراتيجية “من القاعدة إلى القمة”، عبر الاستثمار في التعليم والأنشطة الشبابية والخدمات الاجتماعية لبناء نفوذ متدرج داخل المجتمعات المسلمة.
التمويل والعقارات بوابة التوسع
لا يقتصر حضور “الإخوان المسلمين” في أوروبا على النشاط الدعوي أو المجتمعي، بل يستند أيضاً إلى شبكة مالية واستثمارية ساعدت على ترسيخ وجودها خلال العقود الماضية.
نجحت شبكات مرتبطة بالإخوان في تطوير منظومة اقتصادية تعتمد على التبرعات والاستثمارات التجارية والعقارية، بما يضمن استمرارية التمويل واستقلاليته. وفي هذا السياق، يبرز اسم “أوروبا تراست” باعتباره من أبرز الكيانات الاستثمارية المرتبطة تاريخياً بالشبكات “الإخوانية” في القارة الأوروبية.
لا يوفر امتلاك العقارات والمراكز الإسلامية فقط مصادر دخل ثابتة، بل يسهم أيضاً في إنشاء بنية تحتية مؤسساتية طويلة الأمد تعزز قدرة الجماعة على التوسع والتأثير. كما تتحدث تقارير أمنية عن استمرار تدفقات مالية من جهات خارجية، ما يثير تساؤلات متزايدة لدى صناع القرار الأوروبيين حول حجم التأثير العابر للحدود في تشكيل الخطاب الديني والسياسي لبعض المؤسسات الإسلامية.
إيطاليا وسجال التمثيل الإسلامي
في إيطاليا، تتزايد التحذيرات المرتبطة بنشاط الجماعات المحسوبة على “الإخوان المسلمين”، خصوصاً في ظل سعي بعض المؤسسات إلى تقديم نفسها ممثلاً رئيساً للمسلمين أمام الدولة الإيطالية.
وتشير تقارير حديثة إلى وجود منظمات ترتبط فكرياً أو تاريخياً بشبكة “الإخوان الدولية”، وتعمل في مجالات إدارة المساجد والتدريب الديني وتأهيل الأئمة وتنظيم الأنشطة الموجهة للشباب. وترى هذه التقارير أن الجماعة تسعى إلى تعزيز نفوذها عبر ترسيخ حضورها داخل هياكل التمثيل الإسلامي الرسمية وغير الرسمية.
ويبرز في هذا السياق مفهوم “الخطاب المزدوج”، إذ تتبنى الشبكات خطاباً علنياً يركز على الحوار والتعايش والاندماج، مقابل نشر مضامين أيديولوجية أكثر تشدداً داخل البيئات المغلقة أو عبر المنصات الموجهة إلى جمهورها الداخلي.
كما رصدت تقارير أمنية تصاعد الخطابات السياسية التعبوية المرتبطة بأزمات الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من محاولات لتعبئة الجاليات المسلمة وتعزيز الاستقطاب السياسي داخل بعض الأوساط الشبابية.
تحديات الأمن الناعم الأوروبي
تكمن خطورة “جماعة الإخوان المسلمين”، في قدرتها على العمل داخل الأطر القانونية والديمقراطية مع الاحتفاظ بمشروع أيديولوجي طويل الأمد يستهدف توسيع النفوذ المجتمعي والمؤسساتي. لا تعتمد الجماعة بالضرورة على أدوات المواجهة المباشرة أو الخطاب المتطرف العلني، بل تستثمر في التعليم والعمل الخيري والمراكز الدينية والشبكات الشبابية لبناء قواعد تأثير مستدامة.
إن هذا النموذج يجعل من الصعب التمييز بين النشاط الدعوي المشروع ومحاولات التأثير السياسي المنظم؛ الأمر الذي يثير مخاوف من نشوء مجتمعات موازية تعزز الانعزال الثقافي وتضعف مسارات الاندماج. كما تحذر بعض الدراسات من أن النفوذ المتدرج الذي تبنيه الجماعة داخل المؤسسات الدينية والاجتماعية قد يمنحها قدرة متزايدة على التأثير في توجهات أجيال جديدة من المسلمين الأوروبيين.
وتكشف المعطيات المتوافرة في ألمانيا وإيطاليا أن التحدي المرتبط بالإخوان لم يعد مقتصراً على البنية التنظيمية التقليدية للجماعة، بل بات يتمحور حول قدرتها على بناء شبكات نفوذ طويلة الأمد داخل المجتمعات الأوروبية عبر أدوات قانونية ومؤسسات مدنية واقتصادية ودينية متشابكة.
ومع تصاعد التحذيرات الرسمية في عدد من الدول الأوروبية، يتنامى الاعتقاد داخل دوائر صنع القرار بأن التهديد لا يقتصر على التنظيمات العنيفة، بل يشمل أيضاً الشبكات الأيديولوجية التي تسعى إلى إعادة تشكيل المجال المجتمعي من الداخل عبر استراتيجية طويلة النفس تقوم على التغلغل الصامت وتراكم النفوذ المؤسسي والمالي. وفي ظل استمرار الجدل بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحريات العامة، يبدو أن ملف “الإخوان المسلمين” سيبقى أحد أبرز تحديات الأمن الناعم في أوروبا خلال السنوات المقبلة.















