بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير جيوسياسي

الاحتجاجات في زمن التنافس الدولي: من مطالب محلية إلى ساحات صراع غير مباشر بين القوى الكبرى

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم تعد الاحتجاجات في عالم اليوم مجرّد ردّ فعل اجتماعي على تدهور المعيشة أو انسداد الأفق السياسي، كما لم تعد حدثاً يمكن قراءته حصراً داخل حدود الدولة. خلال العقد الأخير، تحوّلت موجات الاحتجاج إلى عنصر فاعل في بيئة الصراع الدولي، تتقاطع عنده الأزمات الداخلية مع حسابات القوى الكبرى، من دون أن يُفقد ذلك الحراك جذوره الشعبية أو مطالبه المشروعة.

هذا التحوّل لا يعني أن الشارع يُحرَّك بأوامر خارجية، ولا يبرّر اختزال الاحتجاجات في سرديات “المؤامرة”. لكنه يعكس واقع نظام دولي لم يعد يحتمل الصدامات العسكرية المباشرة، فانتقلت المنافسة إلى مساحات أقل وضوحاً: الإعلام، الاقتصاد، الفضاء الرقمي، والضغط الحقوقي. في هذا السياق، يصبح الشارع المحلي ساحة مواجهة غير مباشرة، لا صانعها الوحيد ولا ضحيتها الوحيدة.

تقليدياً، كانت الاحتجاجات تُفهم ضمن سياق محلي: فساد، بطالة، تهميش سياسي، أو قمع مزمن. اليوم، باتت تُقرأ أيضاً من زاوية تأثيرها على أسواق الطاقة، وتوازنات الأمن الإقليمي، ومسارات التفاوض الدولي، وحتى على الحسابات الانتخابية في دول أخرى.
لم يعد الاحتجاج نهاية مسار سياسي، بل بداية تفاعلات متشابكة، تتجاوز قدرة الفاعلين المحليين على التحكم الكامل بمآلاتها.

إيران: نموذج الأزمة المتجددة

تمثّل إيران مثالاً واضحاً على هذا التحوّل. احتجاجات انطلقت بدوافع اقتصادية ومعيشية، في ظل تضخّم وتراجع القدرة الشرائية، سرعان ما تحوّلت إلى أزمة سياسية ذات أبعاد دولية.

الولايات المتحدة تراقب، أوروبا تصدر مواقف، الأسواق تتفاعل، ودول الجوار تعيد حساباتها. في هذا المشهد، لم يعد السؤال محصوراً بكيفية إدارة الدولة للاحتجاج داخلياً، بل بكيفية تعاملها مع ضغط خارجي متزايد، تُستخدم فيه صور الشارع وأصوات المتظاهرين كجزء من صراع أوسع.

نقطة تحول جيوسياسية

احتجاجات عام 2014 في أوكرانيا لم تكن مجرد صراع داخلي على هوية سياسية أو مسار اقتصادي، بل شكّلت لحظة مفصلية في مواجهة جيوسياسية بين روسيا والغرب.
ما بدأ كمظاهرات ضد الفساد وسوء الحوكمة، تحوّل إلى أزمة سيادة، ثم إلى صراع عسكري مفتوح، رافقته حرب سرديات عالمية حول الشرعية والدعم الدولي. المثال الأوكراني يوضح كيف يمكن لحراك داخلي أن يصبح، دون قصد، عاملاً في إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي.

شهدت هونغ كونغ خلال السنوات الأخيرة سلسلة احتجاجات واسعة ضد القانون الأمني المقترح من بكين، ومحاولات فرض قيود على الحريات. لتتحول هذه الحركات من مجرّد مطالب محلية، إلى اختبار لنفوذ الصين وحدود نموذجها السياسي. الإعلام الدولي، والمنظمات الحقوقية، والتغطية الإعلامية الغربية استثمرت في هذه المظاهرات لتسليط الضوء على التوترات بين الديمقراطية المزعومة في المدينة والنفوذ الصيني المتصاعد، ما زاد من تعقيد المعادلة المحلية.

حين يتقاطع المحلي بالدولي

شهدت المنطقة العربية هذا التشابك بصورة أكثر كلفة. في سوريا، تحوّلت احتجاجات مطلبية أولية إلى حرب متعددة الأطراف، بفعل التدخلات الإقليمية والدولية. وفي ليبيا، انزلقت الاحتجاجات إلى صراع مسلح طويل، تغذّيه شبكات دعم خارجية متنافسة. أما اليمن والسودان، فقدّما نماذج إضافية لكيف يمكن لحراك داخلي مشروع أن يُستنزف داخل صراعات نفوذ أوسع، يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

الجديد اليوم أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في “دول الجنوب” أو الأنظمة السلطوية. حتى الدول الغربية باتت ترى في الاحتجاجات خطراً أمنياً محتملاً، خصوصاً عندما تتقاطع مع حروب المعلومات والتدخل السيبراني. فرنسا، على سبيل المثال، شهدت حراك “السترات الصفراء” الذي بدأ احتجاجاً اقتصادياً، لكنه سرعان ما أصبح مسرحاً لتأثير وسائل الإعلام ووسائل التواصل على السياسة، مع تدخلات سياسية غير مباشرة واهتمام دولي بتسليط الضوء على الاحتجاجات وقياس ردة فعل الحكومة. الولايات المتحدة، من جانبها، شهدت موجات احتجاجية بعد أحداث عنف الشرطة أو قضايا حقوق الإنسان، حيث أصبح الدعم الإعلامي الدولي، أو الاتهام بالتأثير الخارجي، جزءاً من الخطاب السياسي الداخلي والخارجي على حدّ سواء.

لعبة النفوذ الدولي

ما تغيّر فعلياً هو طبيعة النظام الدولي نفسه. بعد تراجع الحروب الشاملة وصعود الردع النووي، باتت القوى الكبرى تبحث عن ساحات أقل مباشرة للصدام. الاحتجاجات، الإعلام، الاقتصاد، والعقوبات أصبحت أدوات متشابكة في لعبة نفوذ طويلة النفس. في هذا الإطار، الشارع لا يُصنع من الخارج، لكنه يُستثمر من الخارج.

هذا الاستثمار يأخذ أشكالاً متعددة: دعم إعلامي مكثف، تسليط الضوء الحقوقي، تحريك ملفات في المنظمات الدولية، أو حتى صمت متعمّد في حالات أخرى. المفارقة أن الاحتجاجات المتشابهة قد تُقابل بردود دولية متناقضة، لا وفقاً لحجم المعاناة، بل وفقاً لموقع الدولة في خريطة المصالح.

الكلفة الداخلية للتدويل

الخطورة الكبرى تكمن في انعكاس هذا الواقع على الداخل نفسه. عندما يدرك النظام أن الاحتجاج لم يعد شأناً داخلياً، يميل إلى التعامل معه كتهديد أمني شامل، لا كمشكلة سياسية قابلة للحل. القمع يصبح أسرع، والخطاب أكثر تخويناً، والهوة بين الدولة والمجتمع أعمق. وهكذا، يدخل البلد في حلقة مفرغة: ضغط خارجي يزيد التشدد الداخلي، والتشدد يولد مزيداً من الضغط.

في المقابل، تجد الحركات الاحتجاجية نفسها أمام مأزق لا يقل تعقيداً. فمن جهة، تحتاج إلى الدعم الدولي لكسر القمع وتسليط الضوء على قضيتها. ومن جهة أخرى، تخشى أن تُتهم بالارتهان للخارج، ما يضعف شرعيتها الداخلية. هذا التوازن الدقيق فشلت فيه حركات كثيرة، فتحوّلت من مشروع تغيير إلى وقود صراع أكبر منها.

الاحتجاجات ليست سلاحاً بحد ذاتها، بل مرآة لنظام دولي مضطرب، تتلاشى فيه الحدود بين المحلي والعالمي. الشارع اليوم ساحة صراع، لا لأنه فقد طابعه الشعبي، بل لأن القوى الكبرى باتت ترى فيه فرصة ضغط ومناورة.

الدرس الأساسي أن معالجة الاحتجاجات لا تكون أمنية ولا إنكارية، بل سياسية بالدرجة الأولى، مع وعي كامل بتشابك المصالح الدولية. الدول التي تتجاهل هذا الواقع تخاطر بانهيار داخلي متسارع، والحركات التي تتجاهله قد تُستنزف قبل أن تبلغ أهدافها.