بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الشرق الأوسط

“الاتفاق الإطاري”.. خريطة واشنطن لتفكيك نفوذ “حزب الله” واستعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي وإنهاء معادلة السلاح الموازي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شكّل “الاتفاق الإطاري” الثلاثي، الذي ترعاه الولايات المتحدة بصورة مباشرة، نقطة تحول في مسار الأزمة اللبنانية، بعدما تجاوز منطق الهدن المؤقتة وقواعد الاشتباك التقليدية نحو مشروع متكامل لإعادة صياغة معادلة الأمن والسيادة في البلاد. فالاتفاق لا يقتصر على تثبيت ترتيبات أمنية في جنوب لبنان، بل يؤسس لآلية تنقل قرار الحرب والسلم من التنظيمات المسلحة إلى مؤسسات الدولة، وتربط إعادة الإعمار بإعادة بسط سلطة الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة.

يمثل هذا الاتفاق بداية مرحلة سياسية وأمنية جديدة في لبنان، لم يعد فيها مستقبل الجنوب يُدار وفق تسويات مؤقتة لاحتواء التصعيد، بل ضمن مقاربة دولية تستهدف إعادة رسم قواعد اللعبة الأمنية، في ظل تحولات إقليمية متسارعة وانحسار تدريجي لأوراق النفوذ الإيراني في المنطقة.

في المقابل، جاءت المواجهات العنيفة في تلال “علي الطاهر” ومحيط النبطية لتؤكد أن “حزب الله” ينظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها تهديداً وجودياً لدوره العسكري والسياسي، وليس مجرّد تفاهم أمني محدود. فالمعركة بالنسبة للحزب تتجاوز الدفاع عن مرتفعات استراتيجية، لتصبح دفاعاً عن آخر ركائز النفوذ الإيراني في لبنان بعد سلسلة الانتكاسات التي مُني بها المحور الإيراني في المنطقة.

ولم يأتِ توقيت الاتفاق بمعزل عن التحولات الإقليمية. فالولايات المتحدة تعمل على فصل الساحة اللبنانية عن ملفات التفاوض مع إيران، ومنع استخدام لبنان كورقة مساومة في أي تسويات مستقبلية. وبذلك، لم يعد الصراع يدور حول خطوط انسحاب أو ترتيبات حدودية، بل حول هوية الدولة اللبنانية نفسها: دولة تحتكر استخدام القوة وفق الدستور، أم ساحة مفتوحة لنفوذ الميليشيات العابرة للحدود.

خريطة طريق لاستعادة الدولة

يتضمن “الاتفاق الإطاري” أربعة عشر بنداً تشكل بمجملها برنامجاً عملياً لإعادة بناء المنظومة الأمنية في جنوب لبنان. ويبدأ الاتفاق بإعلان نوايا متبادل لإنهاء حالة الحرب، تمهيداً لمفاوضات مباشرة تقود إلى اتفاق دائم ينظم العلاقات الأمنية بين الطرفين.

ويُعد بند “المناطق التجريبية” من أبرز عناصر الاتفاق، إذ ينص على تسليم منطقتين نموذجيتين في الجنوب إلى الجيش اللبناني كمرحلة أولى، على أن يتوسع التنفيذ تدريجياً وفق نتائج كل مرحلة. وتعتمد هذه الآلية على استعادة الدولة لسيطرتها بصورة متدرجة، بما يقلص قدرة التنظيمات المسلحة على إعادة التموضع أو الالتفاف على التنفيذ.

كما يربط الاتفاق أي انسحاب إسرائيلي بخطوات موازية ينفذها الجيش اللبناني لاستعادة السيطرة الكاملة على الجنوب، مع تفكيك البنية العسكرية التابعة للتنظيمات غير الحكومية، بما يشمل الأنفاق والتحصينات ومخازن السلاح.

ولضمان تنفيذ هذه البنود، ينص الاتفاق على إنشاء آلية أمريكية دائمة للرقابة والتفتيش، إضافة إلى مجموعة تنسيق عسكري مشتركة، تتولى متابعة الإجراءات الميدانية والتأكد من استقلالية الوحدات العسكرية اللبنانية المشاركة وعدم تعرضها لأي اختراق سياسي أو تنظيمي.

أما ملف إعادة الإعمار، فقد ارتبط بشروط سياسية وأمنية واضحة، إذ تعهدت واشنطن بحشد التمويل الدولي لإعادة بناء المناطق المتضررة، مع فرض رقابة صارمة تحول دون وصول أي أموال إلى “حزب الله” أو الشبكات المالية المرتبطة به، بما يمنع إعادة توظيف المساعدات في إعادة بناء البنية العسكرية للحزب.

لهذا، لم يكن رفض الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم للاتفاق أمراً مفاجئاً، إذ اعتبر أن الوثيقة تمنح إسرائيل سياسياً ما عجزت عن تحقيقه عسكرياً، في إشارة إلى أن جوهر الاتفاق يتمثل في إنهاء واقع السلاح الموازي للدولة بصورة تدريجية.

اختبار الاتفاق على الأرض

إذا كانت بنود الاتفاق قد رُسمت على طاولة الدبلوماسية، فإن تلال “علي الطاهر” تحولت إلى أول اختبار عملي لإمكان تنفيذها. فالمرتفعات المطلة على النبطية ووادي الليطاني تمثل إحدى أهم العقد العسكرية التي اعتمد عليها “حزب الله” خلال العقود الماضية في بناء منظومته الدفاعية، لما توفره من إشراف ناري وجغرافي على مساحات واسعة من الجنوب.

ويفسر ذلك شراسة المواجهات التي شهدتها المنطقة، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبّدها الحزب نتيجة الضربات الجوية المكثفة. فخسارة هذه التلال لا تعني فقدان موقع ميداني فحسب، بل انهيار جزء أساسي من منظومة الردع التي بناها جنوب الليطاني، بما يفتح المجال أمام انتشار الجيش اللبناني وفق الترتيبات الجديدة.

تبدو معركة “علي الطاهر” أكثر من مجرد مواجهة ميدانية؛ فهي تمثل أول اختبار لقدرة هذه الترتيبات على الانتقال من النصوص إلى التطبيق، كما تكشف في الوقت ذاته حجم التراجع الذي أصاب المشروع الإيراني في لبنان بعدما فقد تدريجياً أدواته الإقليمية وقدرته على فرض معادلات الردع السابقة. 

في المقابل، ترى واشنطن أن نجاح الجيش اللبناني في فرض سيطرته على هذه المناطق سيشكل الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها الدولية، وإثبات احتكارها لاستخدام القوة داخل أراضيها.

انحسار النفوذ الإيراني

ترتبط حدة رفض “حزب الله” للاتفاق أيضاً بالتحولات التي أصابت المشروع الإيراني في المنطقة. فعلى مدى سنوات، شكّل لبنان أهم أوراق الضغط التي استخدمتها طهران في مواجهة الغرب، ضمن ما عُرف باستراتيجية “وحدة الساحات”، التي هدفت إلى ربط الجبهات الإقليمية ببعضها، واستخدامها في تحسين شروط التفاوض حول البرنامج النووي والعقوبات.

إلا أن التطورات الحالية تشير إلى نجاح الولايات المتحدة في فرض مبدأ “فصل المسارات”، بحيث لم يعد مستقبل الجنوب اللبناني جزءاً من أي مقايضة محتملة مع إيران، وهو ما قلص هامش المناورة أمام طهران بصورة غير مسبوقة. كما عزز الموقف الرسمي اللبناني، بقيادة الرئيس جوزيف عون، هذا الاتجاه، من خلال التأكيد أن قرار الأمن الوطني شأن سيادي لا يخضع للتجاذبات الإقليمية أو المفاوضات الدولية.

لهذا، لم يكن وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاتفاق بأنه “ضربة قاصمة لإيران” مجرّد خطاب سياسي، بل عكس إدراكاً بأن الاتفاق يستهدف تقليص النفوذ العسكري والمالي الذي راكمته طهران عبر حلفائها في لبنان. وأمام هذا الواقع، يواجه “حزب الله” معادلة معقدة؛ فرفض الاتفاق يعني تحمّل تكلفة سياسية واقتصادية متزايدة، مع استمرار تعطيل إعادة الإعمار، بينما يفتح القبول به الباب أمام تراجع تدريجي لنفوذه العسكري داخل الدولة اللبنانية.

لبنان أمام لحظة فاصلة

تشير مجمل التطورات إلى أن لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تعريف طبيعة الدولة ودورها الأمني. فـ”الاتفاق الإطاري” لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يؤسس لمسار طويل يهدف إلى إعادة احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، وربط أي دعم اقتصادي أو إعادة إعمار بإصلاح البنية الأمنية وإنهاء ظاهرة السلاح الموازي.

بذلك، قد لا يكون “الاتفاق الإطاري” نهاية الصراع، لكنه يمثل بداية مرحلة جديدة تتحدد فيها ملامح العلاقة بين الدولة اللبنانية والسلاح غير الشرعي، وسط توازنات إقليمية ودولية تختلف جذرياً عن تلك التي حكمت المشهد اللبناني خلال العقود الأربعة الماضية.