بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر (1-8)

الإرهاب من ظاهرة تاريخية إلى تهديد عابر للحدود: تحوّلات العنف المنظّم في عالم ما بعد الحرب الباردة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لا يُعدّ الإرهاب ظاهرة مستحدثة في التاريخ الإنساني، إذ استخدمت المجتمعات العنف المنظم منذ قرون طويلة لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية أو سلطوية. وعلى الرغم من أن مصطلح “الإرهاب” بصيغته الحديثة لم يظهر إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فإن الممارسات المرتبطة به سبقت ذلك بكثير، واتخذت أشكالاً متعددة، من التمردات المسلحة إلى استهداف المدنيين بهدف إحداث أثر نفسي وسياسي واسعين.

منذ نهاية الحرب الباردة، دخل الإرهاب مرحلة أكثر تعقيداً واتساعاً. ولم يعد محصوراً في أطر محلية أو إقليمية، بل تحوّل إلى ظاهرة عابرة للحدود. وقد مثّلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 نقطة تحوّل مفصلية، كشفت قدرة جماعات بعينها على تحدي الدول، وإلحاق أضرار استراتيجية بأمنها القومي، وفرض نفسها فاعلاً مؤثراً في النظام الدولي.

العنف كأداة لفرض الأيديولوجيا 

تحوّل الإرهاب، في كثير من السياقات، إلى وسيلة ضغط على الحكومات، وأداة لبث الخوف في المجتمعات، أو لفرض رؤى أيديولوجية بالقوة. وعلى الرغم من تنوع أشكاله عبر العصور، فإن جوهره ظل مرتبطاً باستخدام العنف لتحقيق أهداف تتجاوز الفعل العسكري المباشر إلى التأثير في الوعي الجمعي وصناعة القرار السياسي. وتختلف دوافع الإرهاب وأنماطه تبعاً للبيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ما يجعل دراسته عملية مركبة تتطلب فهماً تاريخياً وسياقياً معمقاً.

مع انهيار الثنائية القطبية التي حكمت النظام الدولي طوال الحرب الباردة، تشكّل نظام أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة، رافقته اختلالات في موازين القوة وغياب آليات ضبط فعّالة على المستوى الدولي. هذا الواقع أتاح لفواعل من غير الدول، وفي مقدمتها التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، استغلال الفراغات الاستراتيجية وتوسيع نطاق نشاطها.

لم تعد هذه الجماعات محصورة في التأثير المحلي أو الإقليمي، بل باتت قادرة على تنفيذ عمليات ذات امتداد عالمي، ما أعاد تعريف مفهوم الأمن القومي وربطه بالقدرة على مواجهة التهديدات العابرة للحدود وتدفقات التطرف. وقد تجلّى ذلك بوضوح في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي كشفت قدرة الفاعلين خارج نطاق هياكل الدول على إحداث تأثير استراتيجي واسع، وتحدي قدرة الدول على حماية حدودها، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى إطلاق ما عُرف بـ”الحرب على الإرهاب” وجعل مكافحة التنظيمات العابرة للحدود أولوية استراتيجية.

تحديات الإرهاب الحديث وانتشاره العالمي

على الرغم من الجهود الدولية المنسقة لاحتواء الإرهاب، تدل المؤشرات الحديثة، ومنها “مؤشر الإرهاب العالمي 2025″، على أن الظاهرة لم تشهد انحساراً حاسماً، بل انتقلت إلى مناطق جديدة أو استعادت نشاطها في ساحات كانت قد شهدت تراجعاً نسبياً. فقد ارتفع عدد الدول التي شهدت هجمات إرهابية في عام 2024 من 58 إلى 66 دولة، مع زيادة بنسبة 11% في أعداد القتلى، ما يعكس الطابع الديناميكي للإرهاب وقدرته على التكيّف مع التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، واستغلال الفراغات الأمنية، حتى في الدول ذات القدرات المؤسسية المرتفعة.

من أبرز تحديات المرحلة الراهنة تصاعد ما يُعرف بهجمات “الذئاب المنفردة”، خصوصاً في الدول الغربية، حيث يُنفذ أفراد أعمال عنف من دون ارتباط تنظيمي مباشر. وغالباً ما يستلهم هؤلاء خطابهم من أدبيات الجماعات المتطرفة أو من دوافع شخصية، ما يجعل التنبؤ بهذه العمليات أكثر صعوبة. وقد أسهم الفضاء الرقمي في تعزيز هذا النمط، إذ بات الإنترنت أداة للتحريض والتجنيد ونقل المعرفة التقنية، بعيداً عن الهياكل التنظيمية التقليدية.

الحركات الأصولية العابرة للحدود

لا يمكن تحليل الإرهاب المعاصر دون التوقف عند الحركات الإسلامية الأصولية المتطرفة التي شكّلت، ولا تزال، أحد أبرز مصادر التهديد العالمي، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، إضافة إلى تيارات إسلاموية راديكالية وظّفت العنف أو وفّرت له غطاءً أيديولوجياً في سياقات مختلفة. وقد أظهرت هذه الحركات قدرة لافتة على الجمع بين العمل المسلح والدعاية الأيديولوجية، واستثمار التقنيات الحديثة لاستقطاب عناصر من بيئات جغرافية متعددة، مستفيدة من الفوضى في مناطق النزاع.

وعلى الرغم من فقدان بعضها السيطرة على مساحات جغرافية واسعة، فإن هذه الجماعات لا تزال تمتلك شبكات لامركزية وخلايا صغيرة تجعل القضاء عليها بشكل كامل أمراً بالغ الصعوبة. كما أنها تستغل عوامل الفقر والتهميش وغياب الفرص الاقتصادية في تجنيد الشباب، مقدّمة خطاباً يمنحهم شعوراً زائفاً بالانتماء والتمكين.

أضحى البُعد التكنولوجي عاملاً حاسماً في استمرارية الإرهاب المعاصر. إذ تلجأ الجماعات المتطرفة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتخصيص خطابها الدعائي وفق خصائص الفئات المستهدفة، ما يرفع من فعالية التجنيد والتحريض. كما تُستثمر المشاعر الجمعية، كالغضب والإحساس بالظلم، لتحويلها إلى سلوك عنيف، ما يؤكد أن الإرهاب بات ظاهرة متعددة الأبعاد تتقاطع فيها السياسة والاجتماع والنفس والتكنولوجيا.

السياسات الدولية والمقاربة الأمنية

تلعب السياسات الدولية دوراً مزدوجاً في هذا السياق. فبعض التدخلات العسكرية أو الانسحابات غير المدروسة أسهمت في خلق فراغات أمنية استغلتها الجماعات المتطرفة، في حين أظهر التعاون الدولي في مجالات الاستخبارات وبناء القدرات الأمنية فعالية نسبية في الحد من تحركاتها. ومع ذلك، بات واضحاً أن المواجهة العسكرية وحدها غير كافية، وأن مكافحة الإرهاب تتطلب مقاربة شاملة تدمج بين الأمن والتنمية، والإصلاح السياسي، والتعليم، وتعزيز الوعي المجتمعي، إلى جانب تنظيم الفضاء الرقمي ومكافحة الدعاية المتطرفة دون المساس بالحريات العامة.

تحوّل الإرهاب إلى ظاهرة تاريخية متحركة، تتأثر بعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وتكنولوجية متداخلة. ولا تزال الحركات الأصولية المتطرفة تمثل تهديداً عالمياً مستمراً، ما يفرض اعتماد استراتيجيات متعددة الأبعاد تجمع بين الأمن والتنمية ودور المجتمع المدني. ومن دون هذا الفهم الشامل، ستظل مواجهة الإرهاب جزئية وغير قادرة على احتواء ظاهرة أثبتت قدرتها المستمرة على التكيّف والتحوّل.