بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

تحقيق سياسي

“الإخوان” يعرقلون العدالة في السودان.. حماية البشير ومساعديه تكرّس الإفلات من العقاب والسيطرة على مؤسسات الدولة

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

تتصاعد الدعوات المطالِبة بتسليم الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير ومساعديه، الصادر بحقهم مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية منذ العام 2009. وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات أساسية حول أماكن وجود المطلوبين حالياً، والجهات التي تحول دون تسليمهم، إضافة إلى تداعيات استمرار الإفلات من العقاب على تفاقم الانتهاكات في ظل الحرب الدائرة اليوم.

يعزو كثير من المراقبين، في تصريحات لـ«غلوبال ووتش عربية»، تصاعد الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال الحرب الدائرة حالياً، إلى سياسة الإفلات من العقاب المتجذّرة في السودان منذ عقود، ويُعدّ الامتناع عن تسليم البشير ومساعديه إلى المحكمة الجنائية الدولية أحد أبرز تجليات هذه السياسة. ومنذ مغادرتهم أماكن الاحتجاز، اتسعت دائرة الجدل وتباينت الآراء بشأن أماكن وجودهم.

جدّدت المحكمة الجنائية الدولية خلال الأيام الماضية، إلى جانب منظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش» وهيئات حقوقية محلية، مطالبها للسلطة القائمة بقيادة الجيش في السودان بضرورة تسليم البشير ومساعديه أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين. ويُلاحَق هؤلاء بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية النزاع الذي اندلع في إقليم دارفور غربي السودان، وأسفر، وفق تقديرات الأمم المتحدة، عن مقتل نحو 300 ألف شخص على مدى سنوات ست.

هيمنة الإخوان على قرار الجيش وتعطيل العدالة

يرى طه عثمان إسحق، المحامي وعضو لجنة إزالة تمكين تنظيم الإخوان، أن امتناع سلطة الجيش عن التعاون في ملف تسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية يعود إلى هيمنة تنظيم الإخوان على قرار المؤسسة العسكرية. ويربط إسحق، بين تاريخ الإفلات من العقاب الذي ارتبط بالجرائم المرتكبة من قبل قيادات في الجيش وتنظيم الإخوان في أقاليم الجنوب ودارفور وكردفان والنيل الأزرق، وبين تعطيل مسار التعاون مع المحكمة في هذا الملف.

ويؤكد إسحق عدم وجود جدية لدى هذه المجموعات في تسليم المطلوبين للعدالة الجنائية الدولية أو حتى إخضاعهم لمحاكمات محلية ذات مصداقية، مشدداً على أن تنفيذ مطالب التسليم يظلّ بالغ الصعوبة ما لم يتم فك الارتباط بين تنظيم الإخوان وقيادة الجيش.

مع تصاعد الانتهاكات وسقوط مئات الآلاف من الضحايا في النزاع المسلح الذي اندلع في إقليم دارفور العام 2003، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية العام 2007 مذكرة توقيف بحق أحمد محمد هارون، المسؤول الحكومي السابق والرئيس الحالي لحزب المؤتمر الوطني، الجناح السياسي لتنظيم الإخوان. ووجّهت إليه 42 تهمة تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.

وفي الفترة الممتدة بين العامين 2009 و2012، أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف إضافيتين بحق الرئيس المخلوع عمر البشير وحسين، على خلفية الجرائم نفسها المرتكبة في دارفور، والتي شملت اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فضلاً عن تهم بالإبادة الجماعية.

الغموض حول مصير المطلوبين واستمرار الإفلات من العقاب

في ظل الجدل والغموض المستمرَّين بشأن مكان وجود البشير ومساعديه، منذ إخراجهم من أماكن احتجازهم عقب اندلاع الحرب الحالية في الخرطوم منتصف أبريل/نيسان 2023، تتهم منظمات حقوقية جماعة الإخوان بممارسة ضغوط على قيادة الجيش لثنيها عن الاستجابة لمطالب تسليمهم.

يعزو كثير من المراقبين، تصاعد الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال الحرب الدائرة حالياً، والتي أودت بحياة نحو 200 ألف شخص وفق تقديرات متباينة، إلى سياسة الإفلات من العقاب المتجذّرة في السودان منذ عقود، ويُعدّ الامتناع عن تسليم البشير ومساعديه إلى المحكمة الجنائية الدولية أحد أبرز تجليات هذه السياسة.

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في أكتوبر/تسرين الأول الماضي، حكماً بالسجن لمدة 20 عاماً بحق علي كوشيب، الذي سلّم نفسه طواعية للمحكمة قبل نحو أربع سنوات، بعد توجيه التهم نفسها الموجّهة إلى عمر البشير ومساعديه. ومع ذلك، تؤكد المحكمة أن ظاهرة الإفلات من العقاب ما تزال تُلقي بظلالها على أي تقدم مُحرز في مسار العدالة، رغم إدانة كوشيب.

مطالب مكثّفة بتسليم المطلوبين

بعد يومين من دعوة نزهات شميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، مجلس الأمن الدولي إلى التحرك «فوراً» للضغط من أجل تسليم البشير ومساعديه، شددت مستشارة العدالة الدولية في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، تمارا أبو رمضان أخيراً، على ضرورة أن تبادر السلطات الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني «دون أي تأخير» إلى تسليم البشير وبقية الفارّين المطلوبين لدى المحكمة.

وكان مجلس وزراء الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، قد أقرّ في يونيو/حزيران 2021 قراراً رسمياً يقضي بتسليم جميع المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية، على أن يُعقد اجتماع مشترك بين مجلسي السيادة والوزراء لاعتماد القرار بصورة نهائية. غير أن هذا المسار تعثّر ولم يُستكمل، في أعقاب الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.

في أعقاب الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين إثر الثورة الشعبية في أبريل/نيسان 2019، وُضع البشير إلى جانب هارون حسين في سجن كوبر شمال شرقي العاصمة الخرطوم، مع العشرات من قيادات النظام الذي حكم السودان لما يقارب ثلاثين عاماً.

بعد الانقلاب الذي نفذه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، نُقل البشير إلى مستشفى عسكري في مدينة أم درمان، حيث بقي هناك حتى اندلاع الحرب، بينما ظل كل من هارون وحسين محتجزين.

في الأيام الأولى لاندلاع الحرب، اقتحمت قوى مسلحة سجني كوبر و«الهدى» في أم درمان، وأطلقت سراح جميع قيادات تنظيم الإخوان المعتقلين، بمن فيهم هارون وحسين، إضافة إلى عشرات ضباط جهاز الأمن الذين كانوا ينتظرون تنفيذ أحكام إعدام صدرت بحقهم قبل انقلاب البرهان.

تضارب المعلومات حول مكان البشير والمطلوبين

منذ مغادرتهم أماكن الاحتجاز، تصاعد الجدل بشأن أماكن وجود البشير وبقية المطلوبين. ولم تكشف السلطات السودانية حتى الآن عن مكان وجود البشير، فيما اكتفى البرهان بالقول في تصريحات سابقة إنه «في مكان آمن»، وسط تضارب واسع في المعلومات.

وأفاد تقرير إعلامي في سبتمبر/أيلول 2025، بأن البشير يقيم في مجمع سكني بمدينة مروي شمالي السودان. غير أن المعز حضرة، عضو هيئة الاتهام في قضية انقلاب 1989 التي كان يُحاكم فيها البشير ومساعدوه قبل اندلاع الحرب، يرى أن قيادة الجيش تتعمّد إخفاء حقيقة مكان وجوده، مما يعقّد عملية تسليمه ويخفف الضغوط الدولية المتزايدة. وأوضح حضرة أن الروايات حول مكان البشير متضاربة، مرجحاً أنه قد نُقل سراً إلى خارج البلاد.

أما مكان وجود حسين، فلا يزال مجهولًا، في حين أظهرت صور ومقاطع فيديو نشرها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي أحمد هارون في أكثر من مناسبة داخل مواقع لتحشيد المقاتلين في مناطق تحت سيطرة الجيش. وتشير تقارير إلى أن هارون يتحرك تحت حماية قيادات عسكرية، لكنه يتوخى الحذر الشديد، خصوصاً بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية في يناير/كانون الأول 2024 عن مكافأة تصل إلى خمسة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.

تبريرات رسمية وإصرار دولي على المساءلة

برّرت السلطات السودانية، خلال العام الماضي، وعلى لسان النائب العام، عدم تسليم البشير ومساعديه إلى المحكمة الجنائية الدولية بصعوبات ناتجة عن الحرب الدائرة في البلاد. غير أن المحامي المعز حضرة اعتبر هذه التصريحات دليلاً على غياب الرغبة السياسية في تسليم المطلوبين، مشيراً إلى وجود عدد من السجون في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش يُحتجز فيها مئات الناشطين المعارضين للحرب ونفوذ تنظيم الإخوان.

وفي ظل ارتفاع أعداد القتلى جراء الحرب المستمرة، أكدت الخارجية الأمريكية ضرورة العثور على هارون وتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية، مشددة على وجود صلة واضحة ومباشرة بين الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة في عهد نظام البشير – بما في ذلك الجرائم المنسوبة إلى هارون – والانتهاكات الجارية حالياً في السودان.

تتفق المحامية رنا عبد الغفار مع فرضية «الخوف الداخلي»، مشيرة إلى أن مماطلة سلطة الجيش في تسليم البشير ومساعديه لا تُعزى إلى أسباب قانونية، بل إلى عوامل بنيوية وسياسية. وتوضح أن التسليم يشكل «سابقة خطيرة»، إذ يعني الاعتراف بأن الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا تحميها المناصب في السلطة، ما يفتح الباب تلقائياً لمساءلة قيادات حالية لها صلة بارتكاب جرائم كبيرة سابقة في دارفور، إضافة إلى انتهاكات حديثة، مثل فض اعتصام الثوار أمام القيادة العامة للجيش في يونيو/حزيران 2019 خلال حكم المجلس العسكري برئاسة البرهان، وجرائم قمع وقتل المتظاهرين عقب انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021.

جدلية الإفلات من العقاب واستمرار الانتهاكات

في هذا الإطار، تحذر المحامية والناشطة الحقوقية نفيسة حجر من خطورة استمرار عدم تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، متهمة سلطة الجيش بالمماطلة المتعمدة والتسويف الممنهج، بهدف ضمان استمرار سياسة الإفلات من العقاب التي تحمي مراكز النفوذ العسكري.

وتقول حجر إن هذا النهج هو الذي شرعن لظهور نماذج متعددة من أطراف القتال ارتكبت مجازر مروعة بحق المدنيين خلال الحرب المستمرة حالياً. وتضيف: «المماطلة في تسليم قيادات نظام الإخوان ليست شأناً إجرائياً، بل هي رسالة طمأنة لكل من يرتكب الانتهاكات اليوم بأن المحاسبة مجرد شعار للاستهلاك لإقناع المجتمع الدولي». وتختم بالقول: «نحن أمام سلطة تكافئ على الجرائم بدلاً من جعل القانون وسيلة للردع.. ومن دون وضع حد لحالة المماطلة هذه سيظل السودان يدور في حلقة مفرغة من العنف».

العدالة المؤجلة.. حرب بلا نهاية

في السودان، لم يعد الإفلات من العقاب مجرد خلل في منظومة العدالة، بل تحوّل إلى عقيدة حكم وأداة لإدارة الصراع. إن التقاعس المتعمد عن تسليم عمر البشير ومساعديه إلى المحكمة الجنائية الدولية لا يعني فقط تعطيل ملف قانوني قديم، بل يبعث برسالة واضحة لكل أطراف الحرب مفادها أن الجرائم تُكافأ وأن القوة المسلحة تظل أعلى من القانون.

إن استمرار إخفاء المطلوبين، وتبرير ذلك بالحرب، يكشف مفارقة خطيرة: فالحرب نفسها تُغذّى بسياسة الإفلات من العقاب التي كان من المفترض أن تنتهي بتسليم المتهمين ومحاسبتهم. وبينما تتراكم المقابر الجماعية، وتتسع دوائر الانتهاكات، يبقى غياب العدالة هو العامل المشترك الذي يربط جرائم دارفور بالأمس بمجازر اليوم.

من دون كسر هذه الحلقة، ومن دون اتخاذ خطوة حاسمة تُنهي الحصانة غير المعلنة لرموز النظام السابق وحلفائهم داخل المؤسسة العسكرية، سيظل السودان أسير منطق العنف المتكرر، وستبقى أي تسوية سياسية هشّة وقابلة للانهيار. فالعدالة ليست شرطاً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة وجودية لوقف الحرب، وبوابة لا غنى عنها لإنهاء دوامة الدم، ووضع حد لبلد يدفع ثمن تأجيل المحاسبة منذ عقود.