أدركت جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة أن العمل الحركي والسياسي المباشر لم يعد متاحاً في ظل سقوط القناع عن الجماعة وفضح مشروعها القائم على تبني مفاهيم وأدبيات العنف، وتورطها في عمليات مسلحة ضد الدولة المصرية ومؤسساتها، لذلك بدأت في إعادة صياغة أدواتها، والانتقال تدريجاً نحو فضاءات تبدو أكثر مرونة، مثل مراكز صناعة الدراسات، والمنتديات الفكرية، وبرامج التدريب الإعلامي والصحفي، والمجلات العلمية ومنصات التنمية البشرية.
يعتبر المؤتمر الذي عقد في مدينة إسطنبول خلال الفترة من 26 إلى 28 يونيو 2026، بعنوان “السياسات الصينية والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط”، من أهم المسارات الأكاديمية، التي تحقق للجماعة أهدافها الرئيسة، باعتباره غطاءً أكاديميًا يصعب التعامل معه على أنه نشاطاً سياسياً مباشراً، ومن ناحية أخرى يتيح لها التواصل مع شرائح جديدة من الباحثين والأكاديميين والخبراء، بعيداً عن الصورة الذهنية المرتبطة بالتنظيم، فضلاً عن أن ذلك النشاط يمنحها فرصة لإنتاج سرديات سياسية داخل أطر بحثية، بحيث تتحول بعض الأوراق العلمية أو الدراسات إلى أدوات لترويج رؤيتها السياسية والأيديولوجية.
شبكة أكاديمية عابرة للحدود
شارك في مؤتمر إسطنبول، “أكاديمية العلاقات الدولية” التي تبرز كأحد محاور هذه الشبكة الأكاديمية، إذ تقدم عشرات البرامج التدريبية في العلوم السياسية والأمن والاستخبارات والإعلام السياسي والحرب النفسية، إلى جانب إصدار مجلة علمية “مجلة العلاقات الدولية”، والتي نشرت عدداً من الدراسات المعادية للدولة المصرية، بينما يقوم “مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية”، في لندن بدور المنصة الدولية التي تمنح هذه الأنشطة طابعاً مؤسسياً وقانونياً، ويمنح هذا النمط من البناء المؤسسي لشبكات الإسلام الحركي، نوعا من توزيع الأنشطة بين أكثر من دولة، بما يتيح الاستفادة من البيئات القانونية المختلفة، ويمنح المؤسسات قدراً أكبر من الحركة الدولية، في ظل مشاركة مؤسسات من سوريا وليبيا وبريطانيا، والتي تعمل باعتبارها فضاءً موازياً للتعاون الفكري والبحثي.
وقد أسست جماعة الإخوان “أكاديمية العلاقات الدولية”، العام 2017 في منطقة يني بوسنا بمدينة إسطنبول، وأوكلت إدارتها إلى القيادي الهارب، عصام عبد الشافي، وقد أعلنت الأكاديمية من قبل عن دورة تدريبية لعناصر الجماعة المقيمين في تركيا والدول الأخرى في الدراسات الاستخباراتية، بهدف تعزيز القدرات والمهارات الخاصة بالعمل الاستخباراتي، وأسسها الفكرية والنظرية وتجاربها وخبراتها العملية، وأهم المدارس الاستخباراتية في العالم، وأهم أدوات جمع البيانات والمعلومات الاستخباراتية والأمن الوطني وبرامج الحماية.
يضاف إلى ذلك مركز “القرن الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات”، أحد المؤسسات المرتبطة بشبكة مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية، ويقع مقره في لندن، ويقدم نفسه كمؤسسة بحثية تعمل في مجالات إعداد البحوث والدراسات والتقديرات الاستراتيجية وأوراق السياسات، إلى جانب تنظيم الفعاليات العلمية والأكاديمية وتقديم الاستشارات.
الشرعية الأكاديمية
شهد المؤتمر مشاركة عدد من الباحثين والأكاديميين العرب العاملين في جامعات، ومراكز أبحاث، وجهات حكومية، وهي مشاركة لا يمكن تفسيرها بالضرورة باعتبارها تعبيراً عن تبنٍ للمواقف الفكرية للجهات المنظمة، إذ قد يكون الدافع لدى بعض المشاركين هو الاهتمام العلمي بموضوع المؤتمر أو الرغبة في نشر الأبحاث والتواصل الأكاديمي. غير أن الإشكالية تكمن في أن مثل هذه المشاركات قد تُستثمر من قبل الجهات المنظمة في تقديم نفسها باعتبارها مؤسسات تحظى باعتراف أكاديمي عربي واسع، بما يمنحها شرعية معنوية تساعدها على توسيع نشاطها واستقطاب مزيد من الباحثين.
كما يمكن أن تتحول أسماء الأكاديميين المشاركين إلى أدوات دعائية تستخدم في الترويج للمؤسسات المنظمة، أو في تعزيز صورتها لدى الباحثين الشباب، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً من جانب المشاركين أنفسهم، ومن أبرز أدوات التأثير التي تعتمد عليها هذه المؤسسات ربط المؤتمرات بالنشر العلمي، وإصدار الكتب الجماعية، ومنح الشهادات والاعتمادات التدريبية، وتؤدي هذه الأدوات دوراً مهماً في جذب الباحثين، في ظل التنافس الأكاديمي المتزايد، وحاجة كثير من الباحثين الشباب إلى فرص النشر والمشاركة الدولية، غير أن الخطورة تظهر عندما تتحول المجلات العلمية والكتب إلى منصات لإنتاج خطاب سياسي مؤدلج يحمل طابعاً بحثياً، أو عندما تُستخدم المخرجات الأكاديمية في حملات إعلامية أو دعائية تتجاوز الغرض العلمي الأصلي.
لم يعد إنتاج السرديات السياسية يقتصر على وسائل الإعلام التقليدية، بل امتد أيضاً إلى المؤتمرات والمجلات العلمية، حيث يجري تقديم مواقف سياسية في صورة أوراق بحثية، أو توصيات أكاديمية، أو دراسات استراتيجية. وتتميز هذه السرديات بأنها أكثر قدرة على الوصول إلى النخب الأكاديمية وصناع القرار، لأنها تأتي في إطار يبدو علمياً ومحايداً، ومن ثم تسعى هذه الشبكات المرتبطة بالإسلام الحركي إلى الاستثمار في المجال البحثي، باعتباره وسيلة لإعادة صياغة الخطاب السياسي، وتقديمه في قوالب أكاديمية أقل ارتباطاً بالخطاب التنظيمي التقليدي.
الأمن الفكري
إن المخاطر المحتملة لا تكمن في مشاركة الباحثين في الفعاليات الدولية، فالتعاون الأكاديمي يمثل أحد ركائز البحث العلمي، بل تتعلق بضرورة التحقق والبحث عن الخلفيات المؤسسية للجهات المنظمة، وطبيعة شبكاتها الفكرية والتمويلية، خصوصاً أن بعض المؤسسات قد تستخدم التعاون الأكاديمي كوسيلة لبناء شبكات نفوذ طويلة الأجل، تبدأ بالمؤتمرات وورش العمل، ثم تمتد إلى برامج التدريب، والنشر، والمشروعات البحثية المشتركة، بما يؤدي إلى تشكل دوائر تأثير يصعب رصدها في مراحلها الأولى.
تكشف التجربة الأخيرة أن جماعة الإخوان، تسعى بعد سقوط مشروعها الحركي والسياسي إلى إعادة بناء حضورها التنظيمي والفكري عبر أدوات القوة الناعمة، وفي مقدمتها المجال الأكاديمي والبحثي، لا سيما أن المؤتمرات، والمراكز البحثية، والمجلات العلمية، لم تعد مجرد منصات لإنتاج المعرفة، بل قد تتحول في بعض الحالات إلى أدوات لبناء شبكات تأثير عابرة للحدود، وإعادة إنتاج الخطاب السياسي المؤدلج في ثوب أكاديمي. بناءً على ذلك، يصبح تعزيز البيئة البحثية الوطنية، ورفع مستوى الوعي المؤسسي لدى الباحثين، مساراً أساسياً لحماية المجال الأكاديمي المصري من محاولات الاستقطاب أو التوظيف السياسي التي تقوم بها جماعة الإخوان في المرحلة الأخيرة.















