بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

“الإخوان المسلمون” في كندا يستغلون التعددية لتوسيع نفوذ الإسلام السياسي من المساجد إلى صناديق الاقتراع

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تمدّد “الإخوان المسلمون” في كندا على مدى عقود، مستفيدين من بيئة ديمقراطية تمنح حرية واسعة للتنظيم والعمل المدني والسياسي. لكن حضورهم لم يبقَ محصوراً في الدعوة الدينية أو النشاط الخيري، بل تطور، وفق معطيات ودراسات عدة، إلى شبكة من المؤسسات والعلاقات تمتد إلى المجتمع المدني والجامعات والسياسة والانتخابات.

يعيد تقرير حديث لمعهد دراسة معاداة السامية والسياسات العالمية طرح هذه القضية، بعدما اتهم شبكات مرتبطة بـ”الإخوان” ببناء نفوذ داخل مؤسسات كندية مختلفة. وعلى الرغم من أن بعض استنتاجات التقرير تحتاج إلى أدلة مستقلة ولا يمكن التعامل معها كأحكام قضائية، إلا أن القضية التي يطرحها تتجاوز التقرير نفسه تحت عنوان: كيف استطاع الإسلام السياسي أن يستفيد من الانفتاح الكندي لبناء نفوذ مؤسسي متدرج؟

مشروع يتجاوز الدعوة

لم تكن “جماعة الإخوان المسلمين” مجرد حركة دينية منذ تأسيسها في مصر العام 1928، بل قامت على تصور يعتبر الإسلام مشروعاً لتنظيم المجتمع والدولة والحياة العامة. ومع انتقال شبكاتها إلى الغرب، تغيرت الأدوات أكثر مما تغيرت الفكرة الأساسية.

لم يعد النفوذ يحتاج بالضرورة إلى حزب يحمل اسم الجماعة أو إلى تنظيم مركزي ظاهر. يمكن بناء الحضور من خلال الجمعيات والمساجد والمدارس والمنظمات الخيرية، ثم تحويل هذه المؤسسات إلى شبكات اجتماعية قادرة على إنتاج قيادات والتأثير في الرأي العام وصانع القرار.

وهنا تكمن صعوبة مواجهة الإسلام السياسي في المجتمعات الغربية: التنظيم قد يكون غائباً في الشكل، بينما يبقى حاضراً في شبكة العلاقات والأفكار والمصالح.

ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة إسلامية في كندا مرتبطة بـ”الإخوان”، ولا أن المسلمين الكنديين يمثلون مشروعاً سياسياً واحداً. فـ”الإخوان” ليسوا مرادفاً للمسلمين، والإسلام ليس هو الإسلاموية. وهذه التفرقة ضرورية حتى لا تتحول مواجهة تيار سياسي إلى استهداف لجالية دينية بأكملها.

فهم “الإخوان” مبكراً قيمة المؤسسات في بناء النفوذ؛ فالجمعية الخيرية توفر قاعدة اجتماعية، والمسجد مساحة للتواصل، والمدرسة مجالاً للتأثير في الأجيال الجديدة، والمنظمة الحقوقية قناة للوصول إلى السياسيين والإعلام.

وتبرز “جمعية مسلمي كندا” باعتبارها إحدى الحالات الأكثر إثارة للجدل. فقد خضعت لتدقيق من وكالة الإيرادات الكندية، وتناول التدقيق مسائل مرتبطة بادعاءات عن صلات بـ”الإخوان”. وتنفي الجمعية هذه الاتهامات، كما لم تؤدِ الإجراءات إلى سحب صفتها الخيرية.

من المجتمع إلى السياسة

تزداد حساسية القضية عندما تنتقل الشبكات من العمل المجتمعي إلى التأثير الانتخابي. ويشير التقرير الأخير إلى منظمات استهدفت دوائر انتخابية فيدرالية تنافسية، كما يتحدث عن حملة “صوّت لفلسطين” خلال انتخابات 2025، ويقول إنها حصلت على تأييد 344 مرشحاً من أربعة أحزاب.

لا يعني ذلك أن هؤلاء المرشحين ينتمون إلى “الإخوان”، لكن الرقم يعكس قدرة بعض الجماعات المنظمة على تحويل قضية سياسية إلى أداة تعبئة انتخابية واسعة.

وهنا تظهر إحدى نقاط قوة الإسلام السياسي: لا يحتاج إلى تأسيس حزب خاص إذا استطاع التأثير في الأحزاب القائمة أو دفع المرشحين إلى التنافس على أصوات كتلة انتخابية منظمة؛ فالنفوذ لا يبدأ بالسيطرة على البرلمان، بل بالقدرة على جعل السياسيين يأخذون مطالب شبكة معينة في حساباتهم الانتخابية.

تمثل الجامعات ساحة أكثر عمقاً، لأنها لا تؤثر في الانتخابات الحالية فقط، بل في النخب التي ستدير مؤسسات الدولة والمجتمع مستقبلاً. ولهذا يركز الجدل الكندي على التمويل الخارجي والشراكات الأكاديمية والنشاط الطلابي، خصوصاً في جامعات كبرى. ولا تكمن المشكلة في التعاون الأكاديمي مع دول أجنبية، ولا في دفاع الطلاب عن القضية الفلسطينية أو غيرها، بل في احتمال تحول التمويل أو النشاط المنظم إلى قناة للتأثير في البحث والتعليم والسياسات الجامعية.

السؤال هنا ليس: من أي بلد جاء المال؟ بل ما شروطه، وما مستوى الشفافية حوله، وهل يترتب عليه نفوذ يتجاوز الغرض الأكاديمي المعلن؟ فالجامعة التي تفقد استقلال قرارها لا تصبح مجرد مؤسسة تعليمية متأثرة، بل منصة لإنتاج جيل جديد من النخب والأفكار.

الديمقراطية أمام الإسلاموية

تكمن المفارقة في أن “الإخوان” يستطيعون استخدام أدوات الديمقراطية لبناء نفوذ داخل أنظمة سياسية لا تتبنى بالضرورة رؤيتهم للعلاقة بين الدين والدولة. الانتخابات بالنسبة إليهم يمكن أن تكون وسيلة، والمجتمع المدني منصة، وحقوق الإنسان إطاراً للدفاع، والمؤسسات الأكاديمية مجالاً للتأثير. وهذه الأدوات مشروعة في ذاتها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى وسائل لترسيخ مشروع أيديولوجي مغلق أو احتكار تمثيل المسلمين.

أسهمت بعض البيئات الغربية، عن قصد أو غير قصد، في تسهيل هذا الأمر عندما تعاملت مع جماعات إسلامية باعتبارها ممثلاً تلقائياً للمسلمين، بحيث أصبح انتقادها يُقدَّم أحياناً باعتباره اعتداءً على الجالية بأكملها. وهذه معادلة تخدم “الإخوان” أكثر مما تخدم المسلمين.

المشكلة لا تكمن فقط في قدرة الإخوان على التنظيم، بل في قدرة المؤسسات الكندية على اكتشاف النفوذ المنظم قبل أن يصبح جزءاً من بنيتها. وتحتاج أوتاوا إلى قواعد أكثر وضوحاً للشفافية في التمويل الأجنبي، ومراجعة العلاقات الأكاديمية الحساسة، وتدقيق مصادر تمويل المنظمات الخيرية، ومراقبة النشاط السياسي للجماعات الدينية وفق المعايير نفسها التي تطبق على بقية الفاعلين.

لكن المواجهة يجب أن تقوم على الأدلة، لا على الهوية. فلا يجوز استهداف مسلم بسبب دينه، كما لا يجوز إعفاء جماعة سياسية من التدقيق لأنها تتحدث باسم المسلمين أو ترفع شعارات حقوقية.

الخطر في النفوذ

لا يتمثل الخطر الذي يطرحه انتشار “الإخوان” في كندا بالضرورة في الإرهاب المباشر، بل في تطبيع الإسلام السياسي وتحويله تدريجياً إلى جزء من البنية المؤسسية والسياسية للمجتمع. فعندما تتشابك الجمعيات مع السياسة، والجامعات مع النشاط الأيديولوجي، والتعبئة الانتخابية مع الخطاب الديني، يصبح النفوذ أكثر رسوخاً وأصعب تفكيكاً.

لهذا لا تحتاج كندا إلى مواجهة الإسلام، بل إلى مواجهة الإسلاموية باعتبارها مشروعاً سياسياً. ولا تحتاج إلى التضييق على المسلمين، بل إلى منع أي تيار من احتكار تمثيلهم وتحويل هويتهم الدينية إلى أداة سياسية.

أثبت “الإخوان” قدرتهم على التكيف مع البيئات المختلفة، وهذه القدرة هي مصدر قوتهم الأساسية. وفي كندا تحديداً، تكمن المسألة في معرفة ما إذا كان هذا التكيف قد أنتج مجرد حضور مجتمعي مشروع، أم شبكة نفوذ تتجاوز حدود العمل المدني إلى التأثير في السياسة والتعليم وصناعة القرار.

فالتعددية التي لا تحمي نفسها من الاستغلال قد تتحول إلى نقطة ضعف، حين يستخدم من يستفيد من انفتاحها هذا الانفتاح نفسه لتغييرها من الداخل.