في غزة، حيث ينهار كل شيء أمام مأساة المدنيين، لم تعد الأزمات الإنسانية مجرد مأساة على الأرض، بل أصبحت أداة للانتهازية المالية والسياسية. جماعة “الإخوان المسلمين” تمتلك تاريخاً طويلاً في تحويل الأزمات الإنسانية إلى وسائل لتوسيع نفوذها المالي والتنظيمي.
من الأمثلة على ذلك حملة “وقف الأمة” الأخيرة التي جمعت نحو نصف مليار دولار باسم دعم غزة، حيث لم يصل جزء كبير من هذه الأموال إلى المحتاجين الحقيقيين، بل تحوّل لدعم مصالح شخصية ومشاريع تنظيمية للجماعة.
تمثل فضيحة “وقف الأمة” مثالاً صارخاً على استغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق مكاسب شخصية وتنظيمية. الحملة الأخيرة لجمع التبرعات لغزة لم تلتزم بأي معايير إنسانية، ولم تصل الأموال إلى مستحقيها، بينما تم ضخها في شبكات محسوبة على الإخوان في تركيا والأردن ولبنان.
مؤتمرات جماهيرية ومنصات اجتماعية
استخدمت الحملة مؤتمرات جماهيرية ضخمة في تركيا، بث مباشر على منصات التواصل الاجتماعي، إعلانات مدفوعة، فيديوهات مؤثرة تصور الأطفال والدمار في غزة، وخطابات دينية لتضفي الشرعية على جمع الأموال. هذه الوسائل لم تخدم الهدف الإنساني، بل وفرت واجهة مزيفة للخير بينما ذهبت الأموال إلى مصالح شخصية وتنظيمية للقائمين على الوقف.
من الواضح أن هذا الأسلوب يعكس استراتيجية متعمدة لإخفاء الفساد واستغلال شعور الناس بالمسؤولية الإنسانية. الجمع بين الدعاية العاطفية والخطاب الديني يسمح للجماعة بالاستفادة من شعور المانحين بالواجب الديني والأخلاقي، بينما في الحقيقة تذهب الأموال بعيداً عن مستحقيها.
استغلال المعاناة.. تاريخ طويل من الانتهازية
سوابق الجماعة في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا، وكذلك في مصر والسودان قبل 2013، تكشف نمطاً متكرراً يظهر فيه استخدام رجال الدين لجذب التبرعات، حملات إعلامية ضخمة، غياب الشفافية المالية، وتوجيه جزء من الأموال لأغراض تنظيمية أو شخصية. هذه الخلفية التاريخية تجعل أي حملة تبرعات مرتبطة بالإخوان، وخصوصاً في أزمات مثل غزة، موضع شك وتحفظ شديد، فالنمط القديم للفساد والانتهازية يعاود الظهور بلا توقف.
الأمر الأكثر خطورة أن هذا النمط لا يقتصر على الأموال فقط، بل يمتد إلى النفوذ الاجتماعي والسياسي. إذ تستغل الجماعة أي مأساة إنسانية لتعزيز مكانتها في المجتمعات التي تعمل فيها، سواء من خلال السيطرة على الجمعيات الخيرية أو فرض تأثيرها على المؤسسات المحلية والإقليمية. وهذه الطريقة تجعل المتضررين الحقيقيين أكثر عرضة للحرمان والفقد، بينما تزداد الموارد المالية والتنظيمية للجماعة بشكل غير مشروع.
موقف حركة “حماس”
المفاجأة الكبرى جاءت عندما اضطرت حركة “حماس” للكشف عن حجم الفساد، وأصدرت بياناً رسماً في وقت سابق، أعلنت فيه رفع الغطاء عن “وقف الأمة” والمؤسسات المرتبطة به. أكدت الحركة أن المؤسسات تعمل بعيداً عن أهدافها الإنسانية، وأنها استغلت تزكيات قديمة لجمع الأموال بما يضر بأهل غزة والقدس، وأن كل محاولات استعادة الأموال باءت بالفشل.
القصة بدأت على وسائل التواصل الاجتماعي عندما نشر الشاب الفلسطيني خالد منصور منشورات كشف فيها فساد وقف الأمة واستغلال التبرعات لأغراض شخصية وتنظيمية. ردود من الداعية الإخواني محمد المختار الشنقيطي لم تمنع كشف الحقائق، بل زادت من حدّة الجدل وأبرزت الصراع بين الوجوه الخيرية المزيفة والشفافية العامة، مؤكدة أن استغلال المعاناة الإنسانية أصبح جزءاً من الاستراتيجية التنظيمية للإخوان، فهذه الواقعة المتمثّلة في استيلاء الإخوان على نصف مليار دولار في حملة واحدة باسم غزة، تأتي استكمالاً لتاريخ طويل من استغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق مكاسب شخصية وتنظيمية على حساب المتضررين الفعليين.
البعد الأخلاقي والديني للفساد
من الناحية الأخلاقية والدينية، وصف العالم الأزهري الدكتور عبد العزيز النجار ما حدث بأنه جريمة ضد الإنسانية والدين، معتبراً أن استغلال الأموال المخصصة للإغاثة خارج نطاقها الشرعي في وقت يعاني فيه الناس من الجوع والحصار يُعد إفساداً في الأرض وفق الشريعة الإسلامية، ومن يقوم بهذه الأفعال يتحمل مسؤولية دينية وأخلاقية أمام الله. واعتبر أن استغلال حاجة المنكوبين لتحقيق مصالح شخصية يشبه السلب والنهب المباشر لحقوق الآخرين.
إن الانتهازية هنا لا تتعلق بالجانب المالي والسياسي فقط، بل تتجاوز إلى خرق القيم الدينية والأخلاقية التي يفترض أن تقوم عليها المؤسسات الخيرية. إن أي منظمة تدعي العمل الخيري ينبغي أن تُقاس بمعايير النزاهة والشفافية، وإلا فإن شعاراتها الدينية ستصبح مجرد غطاء لاستغلال ضعف الآخرين، وهذا ما رأيناه بوضوح في قضية “وقف الأمة”.
سوابق الإخوان في استغلال الأزمات الإنسانية
القضية الحالية ليست منعزلة، إذ أن الإخوان لديهم تاريخ طويل في تحويل الأزمات الإنسانية إلى أداة لتوسيع نفوذهم المالي والسياسي. في فلسطين، ظهرت اتهامات متكررة حول جمع التبرعات التي لم تصل كاملة للمحتاجين واستُخدمت لدعم برامج سياسية أو فصائل متحالفة. في سوريا والعراق وليبيا، اتهمت تقارير بعض الجمعيات المحسوبة على الإخوان بتوجيه جزء من التبرعات لدعم ميليشيات أو لتوسيع النفوذ السياسي للجماعة. أما في مصر والسودان قبل 2013، فقد ظهرت انتقادات حول إعادة توجيه أموال التبرعات المخصصة للأيتام والمحتاجين لأغراض حزبية وتنظيمية.
ما يميز نمط الإخوان في استغلال التبرعات هو الجمع بين الوسائل الحديثة والتقليدية لإخفاء الفساد. يستخدمون رجال الدين والمشايخ لجذب المانحين، ويستثمرون الحملات الإعلامية الضخمة، والبث المباشر على الإنترنت لإضفاء الشرعية والوضوح على أنشطة الجمعيات، بينما يكون هدفهم الحقيقي تحويل الأموال إلى جيوبهم الخاصة أو تمويل مشاريع تنظيمية بعيدة عن الهدف الإنساني. كل هذا يخلق وهماً مزيفاً للشفافية والخير، بينما تُستنزف الموارد بعيداً عن مَن يحتاجونها فعلياً.
الآثار الاجتماعية لهذه الانتهازية كبيرة، فهي تؤدي إلى زيادة الشك وعدم الثقة في أي مؤسسة خيرية مرتبطة بالإخوان، ما يضرّ بالجهود الإنسانية الحقيقية. كما أنها تغذّي الانقسامات السياسية داخل المجتمع الفلسطيني والعربي، حيث يُنظر إلى هذه الحملات على أنها أدوات لتحقيق مصالح فئوية وتنظيمية، وليس وسيلة لإغاثة المحتاجين.
تحذير للمجتمع والمانحين
فضيحة “وقف الأمة” تحذر الجميع من وهم الشعار الخيري أو الديني، وتؤكد أن الشفافية والمحاسبة يجب أن تكونا شروطاً أساسية لأي حملة إنسانية. نصف مليار دولار من التبرعات لغزة ذهبت بعيداً عن أهدافها الإنسانية لتصبح مثالاً صارخاً على استغلال الإخوان للأزمات الإنسانية. هذه الأموال لم تحقق الغرض الذي جُمعت من أجله، بل خدمت مصالح شخصية وتنظيمية ضيقة، وأثبتت مرة أخرى أن الشعارات الدينية والخيرية لا تعني بالضرورة النية الحسنة.
إن الأزمات الإنسانية ليست فرصة للخير فقط، بل قد تتحول إلى ساحة لاستغلال الانتهازية المالية والتنظيمية إذا تُركت من دون رقابة، وجماعة “الإخوان المسلمين” بارعة في استغلال هذه الظروف لصالح مصالحها على حساب الإنسانية الحقيقية والمحتاجين الفعليين. أي حملة خيرية يجب أن تُراقب بدقة، وأي منظمة تتصرف بعيداً عن أهدافها يجب أن تواجه المساءلة القانونية والدينية والأخلاقية، وإلا فإن استغلال المأساة الإنسانية سيستمر، وسيظل الضحايا هم الذين يفترض أن تكون أموال المانحين قد وصلت إليهم.
فضيحة “وقف الأمة” ليست مجرّد حادثة مالية، بل درس صارخ لكل من يعتقد أن الشعارات الدينية والخيرية تضمن نزاهة الجمعيات، وتؤكد أن الانتهازية والاستغلال المالي يمكن أن تختبئ خلف أي واجهة مزيفة للخير، وأن المعاناة الإنسانية الحقيقية قد تُستغل لتحقيق مكاسب شخصية وتنظيمية على حساب المحتاجين الفعليين.















