يتجاوز وجود جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا كونه ظاهرة هامشية أو نتيجة لسياسات لجوء قديمة، إذ أصبح مشروعاً منظّماً للتغلغل داخل بنية الدولة والمجتمع، يُنفّذ بهدوء وتدرّج مستفيداً من الحريات الليبرالية والثغرات القانونية والتردد السياسي المزمن.
بينما تواجه أوروبا تهديدات متصاعدة من التطرف والإرهاب، تحوّلت لندن – بحكم الواقع لا الإعلان – إلى واحدة من أهم منصات الإسلام السياسي في الغرب، ومركز ثقل لشبكات إخوانية تعمل تحت عناوين براقة مثل العمل الخيري، والتمثيل المجتمعي، والدفاع عن الحقوق.
يعتمد الوضع في بريطانيا على وقائع وأرقام ومسارات نفوذ يمكن تتبعها بوضوح داخل الجامعات والمجالس البلدية والأحزاب السياسية، وصولاً إلى دوائر صنع القرار غير الرسمية. والسؤال الجوهري لم يعد: هل الإخوان موجودون في بريطانيا؟ بل: لماذا لا تزال الدولة البريطانية ترفض مواجهة هذا الوجود، على الرغم من التحذيرات الأمنية المتراكمة؟
بريطانيا قاعدة خلفية للإسلام السياسي
شكّلت بريطانيا منذ تسعينيات القرن الماضي، ملاذاً مريحاً لقيادات إخوانية فرّت من الملاحقة في الشرق الأوسط. وبمرور الوقت، لم يقتصر الأمر على الإقامة الآمنة، بل تطور إلى بناء بنية تحتية فكرية وتنظيمية معقّدة: مراكز أبحاث، جمعيات خيرية، منصات إعلامية، ومنظمات شبابية تعمل جميعها ضمن شبكة غير معلنة، لكنها متماسكة أيديولوجياً.
هذا النموذج، القائم على «التنظيم غير المرئي»، منح الجماعة قدرة استثنائية على الحركة من دون الاصطدام المباشر بالقانون، وفي الوقت نفسه مكّنها من التأثير في النقاش العام البريطاني حول الإسلام، والاندماج، والسياسة الخارجية، بحيث بات صوتها يُقدَّم – في أحيان كثيرة – بوصفه الصوت «الشرعي» للمسلمين.
الجامعات.. إعادة الإنتاج الأيديولوجي
تشكل الجامعات البريطانية ساحة مركزية في الاستراتيجية الإخوانية طويلة الأمد. فوفق دراسات بحثية متعددة، تعتمد الجماعة على الأوساط الطلابية بوصفها الخزان البشري الأهم لإعادة إنتاج كوادرها في أوروبا. ومن خلال اتحادات طلابية ومنظمات شبابية، يتم تمرير خطاب أيديولوجي مغلّف بلغة الحقوق ومناهضة «الإسلاموفوبيا»، لكنه يقوم في جوهره على منطق الاستقطاب والهُوية الصدامية.
وقد حذّرت مؤسسات بحثية بريطانية مراراً من استضافة شخصيات ذات خلفيات متشددة داخل الحرم الجامعي، ومن استخدام الجامعات كمساحات آمنة لتطبيع أفكار تتعارض صراحة مع القيم الديمقراطية. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الإدارات الجامعية تتعامل مع الملف بمنطق إنكاري، خشية الاتهام بالتمييز.
الأرقام تكشف المشكلة
تُظهر البيانات الرسمية ارتفاعاً ملحوظاً في حالات القلق المرتبطة بالتطرف داخل الجامعات البريطانية خلال الأعوام الأخيرة. ففي العام الدراسي 2023–2024 وحده، جرى الإبلاغ عن عشرات الحالات التي أثارت مخاوف أمنية، في بيئة يُفترض أنها تمثل خط الدفاع الأول عن العقل النقدي والتعددية.
غير أن الأخطر من الأرقام ذاتها هو العجز المؤسسي عن التعامل معها بجدية. فبرنامج «بريفِنت»، الذي صُمم لرصد التطرف المبكر، يواجه معارضة شرسة من منظمات مرتبطة بالإسلام السياسي، تُصوّره كأداة قمع، في محاولة واضحة لتجريد الدولة من أدواتها الوقائية.
من المجتمع المدني إلى السياسة
لم تكتفِ الشبكات الإخوانية بالنشاط الدعوي أو الطلابي، بل انتقلت خلال العقد الأخير إلى الاستثمار المكثف في السياسة المحلية. فالمجالس البلدية، والانتخابات المحلية، تمثل مدخلاً مثالياً لبناء نفوذ تدريجي بعيداً عن الأضواء الوطنية.
في عدد من المدن البريطانية ذات الكثافة المسلمة، برز مرشحون مدعومون بشكل غير مباشر من شبكات إسلامية منظمة، يرفعون شعارات الخدمات والتمثيل، بينما يعملون عملياً على ترسيخ نفوذ أيديولوجي طويل الأمد. هذا التغلغل المحلي يتيح للجماعة التأثير في قضايا التعليم، والتمويل، والخطاب المجتمعي، من دون الحاجة إلى واجهة تنظيمية واضحة.
العلاقة الملتبسة مع الأحزاب
تتسم علاقة الإخوان المسلمين بالأحزاب البريطانية، لا سيما حزب العمال، بدرجة عالية من البراغماتية المتبادلة. فمن جهة، تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كوسيط انتخابي قادر على حشد أصوات الأقليات. ومن جهة أخرى، تغضّ بعض الدوائر الحزبية الطرف عن الخلفيات الأيديولوجية مقابل مكاسب انتخابية قصيرة الأمد.
هذا التواطؤ الصامت لا يعني تبنياً رسمياً، لكنه يخلق منطقة رمادية خطيرة، تُمنح فيها الشرعية لجهات تعمل فعلياً ضد أسس الدولة المدنية. أما حزب المحافظين، فعلى الرغم من خطابه الأكثر تشدداً، فقد فشل هو الآخر في الانتقال من التحذير اللفظي إلى الفعل السياسي الحاسم.
منظمات عابرة للحدود وإنذارات أوروبية
أثار نشاط منظمات شبابية مرتبطة بالإخوان، مثل منتديات أوروبية عابرة للحدود، قلقاً متزايداً لدى أجهزة أمنية في دول عدة. وقد وصفت تقارير رسمية بعض هذه الكيانات بأنها منصات لإعداد كوادر سياسية شابة تعمل وفق أجندة الإسلام السياسي، مستخدمة بريطانيا كمركز تشغيل أساسي.
المفارقة أن هذه التحذيرات غالباً ما تُؤخذ بجدية في عواصم أوروبية أخرى، بينما تُقابل في لندن بالتجاهل أو التقليل من المخاطر، في انعكاس واضح لازدواجية المعايير.
لماذا ترفض بريطانيا الحظر؟
على الرغم من تراكم المؤشرات، لا تزال الحكومات البريطانية المتعاقبة ترفض تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم محظور. ويُعزى ذلك إلى مزيج من العوامل القانونية والسياسية، أبرزها صعوبة إثبات التورط المباشر في العنف داخل الأراضي البريطانية، والخشية من الدخول في معركة قانونية طويلة.
غير أن هذا التبرير يغفل حقيقة أساسية: أن التهديد لا يقتصر على العنف المباشر، بل يشمل تقويض القيم الديمقراطية من الداخل، وبناء ولاءات موازية، واستخدام الحريات كسلاح ضد الدولة نفسها.
الإعلام والمنصات البحثية
إلى جانب العمل الطلابي والسياسي المحلي، استثمرت الشبكات المرتبطة بالإخوان المسلمين في بناء حضور مؤثر داخل المجال الإعلامي والفكري في بريطانيا. فقد أُنشئت منصات بحثية ومواقع إلكترونية ومراكز دراسات تقدم نفسها بوصفها جهات مستقلة أو أكاديمية، بينما تعكس في كثير من الأحيان سرديات متطابقة مع خطاب الإسلام السياسي، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، والعلاقات مع العالم العربي، وتعريف التطرف.
مكّن هذا الحضور الجماعة من التأثير في الصحافة، وفي بعض دوائر صنع القرار غير الرسمية، عبر تقارير ومقالات رأي تُستَخدم لتطبيع وجودها، وتشويه خصومها، وربط أي انتقاد لها بخطاب «الإسلاموفوبيا». هذا النمط من النفوذ الناعم لا يقل خطورة عن النشاط التنظيمي المباشر، لأنه يعمل على إعادة تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاش السياسي.
دولة تتردد وتنظيم يتقدم
إن استمرار السياسة البريطانية القائمة على التساهل والانتظار لا يعكس حكمة بقدر ما يكشف عجزاً عن مواجهة واقع متغيّر. فبينما تتقدم الشبكات الإخوانية بخطوات محسوبة داخل المجتمع والسياسة، تكتفي الدولة بالمراقبة والتقارير.
وفي لحظة تتطلب وضوحاً وحسماً، تبدو بريطانيا عالقة بين خطاب القيم الليبرالية وضرورات الأمن القومي. وإذا استمر هذا التردد، فإن السؤال الذي سيُطرح مستقبلاً لن يكون عن أسباب عدم الحظر، بل عن الثمن الذي ستدفعه الدولة جراء هذا الإخفاق.















