تغلغل تنظيم الإخوان المسلمين في مفاصل دول الخليج العربي بدقة لامتناهية على امتداد خمسة عقود من الزمن. استعدّ خلالها للملاحقات الأمنية، وهيّأ أدواته للمناظرات الفكرية، وتكيّف بمرونة مع تبدلات السياسة وتقلبات الإقليم. غير أن السيناريو الذي لم يخطر ببال «مكتب الإرشاد»، ولم يتنبّه له أشد منظّريه دهاءً، كان أن تأتيه الضربة الأقسى من حيث ادّعى الشرعية ذاتها: من «محراب القرآن».
أن يتحوّل الشيخ مشاري العفاسي، الأيقونة العالمية الهادئة في عالم التلاوة والإنشاد، إلى رأس حربة في مواجهتهم على منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن حدثاً عابراً، بل شكّل «اختراقاً عكسياً» قلب المعادلة من جذورها، ونسف سرديتهم الدينية من أساسها.
يوثّق هذا التقرير القصة كاملة، لا برواية الخصوم بل بألسنة من عايشوها وكشفوا خفاياها. من سنوات «الخداع الطويل» التي فكّكها الشيخ عادل السيد، إلى «المواجهة غير المتوقعة» التي يقودها مشاري العفاسي اليوم، مستنداً إلى إجماع خليجي غير مسبوق.
الفصل الأول: نسيج الخداع.. شهادات «المشرِّح» عادل السيد
لفهم العمق الحقيقي لـ«الدولة العميقة» التي شيدها تنظيم الإخوان المسلمين، لا بد من العودة إلى ما يشبه «التشخيص الجراحي» الدقيق الذي قدّمه الشيخ عادل السيد، أحد أبرز الدعاة الذين اقتربوا من بنية الجماعة من الداخل ثم عملوا على تفكيكها فكرياً وتنظيمياً بالاستناد إلى اقتباسات مباشرة من شهاداته الموثّقة.
- اختراع «السرورية».. «قناع السلفية»
يؤكد الشيخ عادل السيد أن تنظيم الإخوان سرعان ما أدرك حقيقة أن بضاعته الحزبية لا يمكن أن تجد طريقها إلى المجتمعٍ السلفيّ فلجأ إلى «التلفيق الماكر» عبر تيار «السرورية».
يقول السيد في وصف هذه الخديعة: «لقد جاءونا بمظهر السلفية، في اللحية وتقصير الثوب ومحاربة القبوريات، لكنهم كانوا يحملون في رؤوسهم فكر الخوارج ومنهج المرشد. كانت السرورية هي ‘حصان طروادة’ الذي عبر عليه فكر الإخوان الثوري إلى داخل حصون التوحيد، دون أن يشعر الناس في البداية». (المصدر: سلسلة محاضراته عن خطر السرورية).
- استراتيجية «الطباشير».. السيطرة على العقول
لم تكن الخطة مزاحمة الحكّام على الكراسي بل السيطرة على النشء، وهنا يضيف الشيخ السيد موضحاً: «لم يُزاحموا الأمراء والوزراء في مناصبهم بداية، بل زاحموهم في المدارس والجامعات. وأدركوا أن المعلّم هو من يصنع الجندي، فسيطروا على محاضن التربية، ومن خلال ‘الأنشطة اللاصفية‘ والمخيّمات، عزلوا الشباب عن ولائهم لأوطانهم، وربطوهم بولاءٍ سرّي لأمير الجماعة».
الفصل الثاني: سقوط الأقنعة.. من خيانة 1990 إلى حضن إيران
استمرّت اللعبة طويلاً تحت عباءة «الدعوة» وشعارات الإصلاح، إلى أن جاءت لحظات الاختبار الحقيقية التي أسقطت ورقة التوت:
- صدمة غزو الكويت (الفضيحة الكبرى)
حين اتخذت قيادات الإخوان موقفاً مؤيداً لصدام حسين ضد دول الخليج التي آوتهم، علّق الشيخ عادل السيد على هذا المفصل التاريخي قائلاً: «حرب الخليج كانت الفضيحة التي لا تُستر. رأينا بأعيننا كيف انحازوا للظالم المعتدي ضد من آواهم وأكرمهم. لقد أثبتوا يومها للعالم أجمع أن الإخواني لا وطن له، وأن ولاءه العابر للحدود هو للمرشد فقط».
- التحالف المحرّم مع إيران
لم تقتصر خيانة قيادات التنظيم على الأوطان، بل تجاوزوها إلى التحالف مع أعدائهم الاستراتيجيين. فملف العلاقات مع إيران، من تهنئة الخميني العام 1979، مروراً بتخادم «حزب الإصلاح» مع الحوثيين في اليمن، وصولاً إلى ارتهان «حماس» لطهران، أصبح اليوم الدليل القاطع الذي يستند إليه منتقدوهم لتعرية ادعاءاتهم بالدفاع عن «السنّة».
الفصل الثالث: المفاجأة.. العفاسي يقلب الطاولة
بعدما لفظت الدول قيادات التنظيم وجفّفت منابعهم، ظن الإخوان أنهم سيجدون ملاذاً في «الفضاء الإلكتروني». هنا، ظهرت «المواجهة التي لم يتوقعوها» بدخول الشيخ مشاري العفاسي إلى حلبة الصراع. ليكون خروج الأخير عن صمته واشتباكه الشرس معهم على منصة «إكس» ضربة موجعة لسببين، الأول هو كسر احتكار الدين: لأن وجود قارئ بحجم العفاسي يصفهم بـ «الخوارج» و«المفلسين» ينسف سرديتهم بأن خصومهم هم «أعداء الدين». والسبب الثاني يعتمد على أسلوب «قصف الجبهات»: وهذا تجسّد باقتحام العفاسي لميدان السجال ببراعة، فاضحاً تناقضاتهم، خصوصاً علاقتهم بإيران، وراداً الصاع صاعين لإعلامييهم في قنوات الخارج، ما جعل تغريداته أشدّ وقعاً من برامجهم.
الفصل الرابع: ليس وحده.. إجماع خليجي على الاجتثاث
من المهم التأكيد أن العفاسي لم يكن يغرد وحيداً في هذا السرب، بل كان صوته جزءاً من “صحوة خليجية شاملة” (رسمية، علمائية، وشعبية) قررت استئصال هذا الورم. وقد تدعّم موقفه بمواقف كبرى:
- الموقف الرسمي الحاسم (السعودية نموذجاً)
جاءت الضربة القاضية للمشروع الإخواني في تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي أكد في مقابلته الشهيرة (2018) أن جماعة الإخوان «اختطفت التعليم» في المملكة، متعهداً بـ«اجتثاث بقايا التطرف اليوم وفوراً». هذا الغطاء السياسي الأعلى منح الشرعية لكل الأصوات المواجهة للجماعة.
- الكلمة الفصل من كبار العلماء
لم تعد المواجهة فردية، بل مؤسسية. فقد أصدرت هيئة كبار العلماء في السعودية بياناً تاريخياً فاصلاً في 2020، صنّفت فيه جماعة الإخوان المسلمين “جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام، وإنما تتبع أهدافها الحزبية.. وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفرقة وإثارة الفتنة والعنف والإرهاب”. كان هذا البيان بمثابة «شهادة وفاة» شرعية للتنظيم في معقله المفترض.
- الإسناد الفكري والإعلامي
اصطفت نخبة من المثقفين والكتاب الخليجيين في نفس الخندق، مقدمين الدعم الفكري لهذه المواجهة عبر مقالاتهم وبرامجهم التي تفضح تاريخ الجماعة (أمثال مشاري الذايدي، وعبدالله بن بجاد، وغيرهم)، ما شكل حائط صدّ شعبي أمام محاولات الإخوان للعودة عبر الذباب الإلكتروني.
نهاية الوهم
كانت رحلة طويلة ومكلفة، بدأت بمعلم سروري كما شرحه الشيخ عادل السيد، وانتهت بتنظيم مطارد يواجهه الجميع، من القمة السياسية إلى قرّاء القرآن مثل العفاسي.
سقط تنظيم الإخوان المسلمين في الخليج لأن «الخداع الطويل» وصل إلى نهايته، ولأن المجتمعات الخليجية، بكل مكوناتها، قررت أن الولاء للوطن، والدين الصحيح لا يجتمع مع الولاء لمرشد سري أو أجندة خارجية.















