بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

“الإخوان المسلمون”.. بين التحوّل إلى ملف أمني دولي وتراجع النفوذ السياسي الإقليمي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يتحوّل التعامل مع “جماعة الإخوان المسلمين” خلال الفترة الأخيرة من مقاربة سياسية تقليدية إلى أخرى أمنية أكثر صرامة، تعكس تغيراً جذرياً في طريقة تعاطي عدد من الدول العربية والغربية مع ملف الإسلام السياسي عموماً. فلم تعد الجماعة تُقدَّم في الخطاب العام بوصفها مجرد حركة أيديولوجية ذات امتداد اجتماعي أو تنظيم سياسي معارض، بل باتت تُصنّف تدريجاً ضمن إطار أمني معقّد، تُعاد من خلاله صياغة مفهوم “التهديد” وحدود الفعل السياسي المقبول.

هذا التحول لم يحدث بشكل مفاجئ أو معزول، بل جاء نتيجة تراكم طويل من التجارب السياسية والأمنية، التي أعادت تشكيل صورة “الجماعة” في أكثر من عاصمة، ودفعت باتجاه إعادة تقييم دورها ووظيفتها داخل الإقليم.

في مطلع العام 2026، برز تطور لافت أعاد تسليط الضوء على هذا التحول، مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف فروع مرتبطة بالإخوان في مصر والأردن ولبنان ضمن قوائم الإرهاب، وفرض عقوبات مباشرة عليها. هذه الخطوة لم تكن مجرّد إجراء إداري، بل حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن التعامل مع الجماعة انتقل من مساحة الجدل السياسي إلى إطار المواجهة الأمنية المباشرة.

هذا التطور أعاد ترتيب الأولويات في التعامل الدولي مع التنظيم، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق بين بعض القوى الدولية والدول الإقليمية التي كانت أصلاً تتبنى موقفاً متشدداً من الجماعة.

تقاطع مواقف إقليمية واضحة

لم يكن الموقف الدولي منفصلاً عن السياق الإقليمي، بل تزامن مع حالة تقاطع لافتة بين عدد من الدول العربية في توصيف الجماعة وطبيعة التهديد الذي تمثله. فقد سارعت مصر إلى الترحيب بالقرار الأمريكي، معتبرة أنه ينسجم مع رؤيتها الممتدة منذ سنوات، والتي تصنف الجماعة تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي والأمن الوطني.

يعكس هذا التقاطع بين الموقفين الدولي والإقليمي تحولاً أعمق من مجرّد تفاهمات سياسية، إلى شبه إجماع تدريجي على إعادة تعريف الجماعة ليس كفاعل سياسي معارض، بل كبنية تنظيمية تُدار وفق اعتبارات أمنية بالدرجة الأولى. وهو ما يفسر تراجع المساحات السياسية المتاحة لها في عدد من الدول التي كانت سابقاً أكثر انفتاحاً أو حياداً تجاه نشاطها.

في هذا السياق، لم تعد العلاقة مع الجماعة تُدار بمنطق “الإدماج أو الاستيعاب السياسي”، بل بمنطق “الاحتواء الأمني” أو “المنع القانوني”؛ وهو تحوّل جوهري في فلسفة التعامل مع الإسلام السياسي عموماً في المنطقة.

تشديد أمني متزايد ميدانياً

على الأرض، تتزايد المؤشرات على أن هذا التحول لم يعد نظرياً، بل أصبح واقعاً تنفيذياً في عدد من الدول. ففي الأردن، شهدت الفترة الأخيرة توقيف عدد من الأشخاص على خلفية مشاركتهم في اجتماعات مرتبطة بالجماعة، إلى جانب تأكيدات رسمية متكررة بأن أي نشاط تنظيمي خارج الأطر القانونية غير مسموح به.

هذا النوع من الإجراءات يعكس انتقالاً تدريجياً من سياسة “الضبط المرن” إلى “التقييد الصارم”، ضمن سياق أوسع من إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والتنظيمات السياسية ذات الطابع العابر للحدود، حيث باتت الأولوية تُعطى للاستقرار الداخلي ومنع أي شبكات تنظيمية موازية خارج إطار الدولة.

تفكك القيادة التنظيمية

في موازاة الضغوط الخارجية، تعاني الجماعة من أزمة داخلية لا تقل خطورة، تتعلق ببنيتها التنظيمية وقدرتها على الحفاظ على وحدة القرار. فالتباينات بين مراكز القيادة في الخارج، والانقطاع شبه الكامل في بعض الحالات عن القواعد داخل الدول، أسهما في خلق حالة من التشظي التنظيمي غير المعلن.

أنتج الواقع الجديد تعدداً في مراكز النفوذ داخل الجماعة، وتبايناً واضحاً في الخطاب السياسي، بين تيارات تدفع نحو إعادة التموضع كحركة مدنية أو دعوية، وأخرى تتمسك بخطاب تقليدي قائم على فكرة العودة إلى المشاركة السياسية الواسعة والتمكين التنظيمي.

ولم يعد هذا الانقسام مجرد اختلاف في التكتيك، بل تحول إلى أزمة شرعية داخلية، تتنازع فيها أكثر من جهة على تمثيل الجماعة وقيادتها، في ظل غياب مركز قرار موحد وفاعل قادر على ضبط الإيقاع التنظيمي العام.

تراجع الفاعلية السياسية

إلى جانب الأزمة التنظيمية، تواجه الجماعة تحدياً أعمق يتعلق بتراجع قدرتها على التأثير في المشهد السياسي العربي. فالمتغيرات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أعادت تعريف طبيعة الفاعل السياسي المقبول، لصالح نماذج أكثر ارتباطاً بالدولة ومؤسساتها، وأقل اعتماداً على التنظيمات الهرمية العابرة للحدود.

هذا التحول جعل من الصعب على الجماعة استعادة دورها السابق كفاعل سياسي مؤثر، خصوصاً في ظل تقلّص المساحات الانتخابية والسياسية التي كانت تشكل تاريخياً أحد أهم منافذها إلى المجال العام.

في المقابل، تحاول بعض الأذرع الفكرية والإعلامية المرتبطة بالتيار الحفاظ على حضور رمزي عبر فعاليات وأنشطة ذات طابع ديني أو سياسي محدود التأثير، تُستخدم غالباً كوسيلة لإبقاء الخطاب حياً أكثر من كونها أدوات تأثير سياسي فعلي.

مرحلة إعادة تموضع شامل

في ضوء هذه التطورات المتزامنة، يبدو أن “الجماعة” تقف أمام مرحلة إعادة تموضع شاملة، لا تتعلق فقط بطريقة عملها، بل بوجودها نفسه كنموذج تنظيمي تقليدي. فالتقاطع بين الضغوط الدولية، والتشديد الإقليمي، والانقسام الداخلي، يضعها في قلب معادلة معقدة تتجاوز فكرة “الأزمة العابرة” إلى سؤال البقاء والاستمرارية.

فمن جهة، يتقلص هامش الحركة السياسية للجماعة بشكل واضح، ومن جهة أخرى تتآكل بنيتها التنظيمية من الداخل، ما يجعل قدرتها على إعادة إنتاج نفسها وفق الصيغة التقليدية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

مستقبل غامض للمشهد

لا يمكن النظر إلى ما يجري باعتباره مجرّد مرحلة ضغط سياسي أو أمني عابر، بل هو مسار طويل من إعادة تشكيل موقع “جماعة الإخوان المسلمين” في الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة. هذا المسار لا يهدد فقط دور الجماعة، بل يعيد أيضاً رسم حدود الإسلام السياسي في المنطقة، وشكل تفاعله مع الدولة والمجتمع في المرحلة المقبلة.

بين التحول إلى ملف أمني دولي، وتراجع القدرة على التأثير السياسي، تبدو الجماعة أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيسها. مرحلةٌ لم يعد فيها السؤال حول قدرة التنظيم على العودة إلى المشهد، بل حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه إن بقي له دور أصلاً في السنوات المقبلة.