في تاريخ الأمجاد العربية بالأندلس هناك معركة “الزلاقة” بين يوسف ابن تاشفين وألفونسو السادس ومعركة “الأرك” بين أبو يوسف يعقوب المنصور وألفونسو الثامن ومعركة “الغرق”، التي حدثت أمام أعيننا يوم الخميس 30 يوليو/تموز 2026، وانتهت بإغراق إسبانيا بـ 60 ألف مهاجر وغرق 67 منهم ومعهم حكومة بيدرو سانشيز..
على حين غرة، اقتحم عشرات الآلاف من المغاربة مدينة سبتة المحتلة من طرف إسبانيا منذ ستة قرون، واستطاعوا تحريرها في يوم واحد، وسط صدمة “المُحتلّ” وغضب حلفائه وذهول العالم.
جيش عرمرم من “المجاهدين” غامروا بحياتهم فداءً لـ”الأمة”، لم يرهبهم البوليس ولا الدرك ولا الجمارك ولا البحر ولا الأسلاك الشائكة، عبروا الحدود وبسطوا نفوذهم على المدينة المستعمَرة في بضع ساعات، دون أي مقاومة تذكر، بل إن عناصر “الغوارديا سيفيل” شوهدوا وهم يساعدون المقتحمين في تسلق الحافة الصخرية على الشاطئ، وقدموا المساعدة والإسعاف لمن كانوا في حاجة إليها، مما يدعو إلى الاعتقاد بأن هناك انشقاقات كبيرة في صفوف “العدو”…
وكالات الأنباء العالمية تناقلت صور المقتحمين وهم يسجدون شكرا لله ويرفعون شارة النصر، في قلب المدينة التي كانت إلى وقت قريب تحت “الحكم الصليبي الغاشم”، قبل أن تتحرر في رمشة عين.
ونحن نشاهد الساجدين المنتصرين الخاشعين القانتين، لا يمكن إلا أن نتذكر لامين ياميل، اللاعب المغربي “المزروع” في صفوف المنتخب الإسباني، الذي يسجد كلما سجل هدفاً في مرمى الخصم، زعيم الطابور الخامس، الذي لعب دوراً مريباً في كأس العالم بأمريكا وفي عملية “استرجاع” مدينة سبتة.
عدد “المجاهدين” الذين هبوا لتحرير الثغر المحتل في تموز/ يوليو 2026 يفوق عدد الجنود الذين أرسلهم السلطان مولاي إسماعيل إلى المدينة، خلال حصاره الشهير الذي استمر من 1694 إلى 1727 دون أن يسفر عن نتيجة. جنود الملك الجبار لم يستطيعوا الدخول إلى الجيب وتحريره، وأحفادهم نجحوا. نساء ورجال، شباب وشيوخ وأطفال، يرتدون نايك وأديداس ومختلف الماركات العالمية، الحقيقية والمزيفة، مدججين بإطارات السيارات المطاطية، اخترقوا الحدود الوهمية، وحققوا المعجزة !
لمن لا يعرف سبتة، فهي مدينة مغربية عربية إسلامية أفريقية أمازيغية أندلسية، توجد جغرافيا شمال المملكة المغربية، وتحتلها إسبانيا منذ 1415. المدينة أنجبت عدداً كبيراً من الكتاب والعلماء والفقهاء، يحملون كلهم اسم (السبتي)، من أشهرهم ابن رشيق السبتي وأبو جعفر السبتي وأبو العباس السبتي والقاضي عياض… وقد سقطت بين أيدي “الصيلبيين” خلال حروب الاسترداد، قبل غرناطة بثمانين عاماً. احتلها البرتغاليون في البداية، وعندما هلك ملكهم دون سيباستيان في معركة “وادي المخازن”، استحوذت عليها إسبانيا عام 1580. ولم تستطع أجيال متعاقبة من المسلمين أن تفتكّها من يد “النصارى”، بمن فيهم المولى إسماعيل، أعظم سلاطين الدولة العلوية، إلى أن حدث ما حدث يوم الخميس العظيم، حين هبّ أحفاد طارق ابن زياد هبة رجل واحد، ودخلوا إلى المدينة وحرروها أمام أنظار العالم.
الجيوش المباركة ركبت القطارات والتاكسيات والحافلات المهترئة وشاحنات النفايات، وتسلقت الجبال وعبرت الغابات، يحركها هدف واحد: الوصول إلى المدينة “السليبة”، كما توصف في مقررات التاريخ والجغرافيا وقصائد مولاي علي الصقلي، وما هي إلا ساعات حتى نزل النصر من عند الله، ووصلت طلائع الفتح إلى قلب المدينة..
وإذا استمرّ الزخم على الجانب المغربي بهذا الشكل، لن نكتفي بتحرير سبتة ومليلية، بل يمكن ان نستعيد غرناطة ومالقة وإشبيلية وقرطبة ومجريط وكل مدن الأندلس، خصوصاً إذا وصل المدد من الأشقاء في الجزائر وتونس وليبيا ومصر وبقية الدول العربية والإسلامية، وكلها تملك احتياطياً خطيراً من “المجاهدين”، الذين يتحينون أول فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى… إنها معركة أمة، معركة “الغرق” المجيدة !







