بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

الأمم المتحدة: “داعش” يعيد تشكيل نفسه كشبكة عابرة للحدود مدعومة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

قالت الأمم المتحدة إن التهديد الذي يشكّله تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ازداد بشكل مطّرد منذ منتصف عام 2025 وأصبح أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، في مؤشر يعكس تحولاً نوعياً في بنية التنظيم وشبكاته العابرة للحدود، وقدرته المتزايدة على التكيّف مع الضغوط الأمنية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي في التجنيد والتمويل والتخطيط للعمليات.

في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي، حذّر وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالإنابة ألكسندر زوييف، من أن تنظيم الدولة الإسلامية وفروعه واصلوا توسيع نطاق حضورهم خصوصاً في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل بالتوازي مع استمرار الهجمات في العراق وسوريا، وبقاء فرع “داعش” في أفغانستان ولاية خراسان أحد أخطر التهديدات الإقليمية والدولية.

وأوضح زوييف أن التنظيم لم يعد يعتمد على مركز عمليات واحد بل يعمل عبر شبكة مرنة من الأقاليم المترابطة أيديولوجياً وعملياتياً، وهو ما يفسر قدرته على تنفيذ أو إلهام هجمات في مسار جغرافي ممتد من الساحل الإفريقي إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى دول بعيدة عن مسار الصراعات التقليدية.

تمدد ميداني من الساحل إلى أفغانستان

يُمثل الساحل وغرب إفريقيا اليوم إحدى أكثر ساحات نشاط تنظيم الدولة الإسلامية دموية وفق تقارير أممية متطابقة، حيث استغل التنظيم هشاشة الدول وضعف السيطرة الحدودية وتداخل شبكات الجريمة المنظمة ليبني نفوذاً عملياتياً يمكّنه من شن هجمات نوعية واستهداف مواقع عسكرية وبنى تحتية حيوية.

أكّد وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بالإنابة تبنّي “داعش” لهجوم نادر استهدف المطار الرئيسي في النيجر الشهر الماضي، هذا التحول النوعي من العمل في الأطراف إلى ضرب مراكز رمزية للدولة، كما أعقب ذلك تبنّيه هجوماً على مطعم صيني في كابول أوقع سبعة قتلى، ما أعاد تسليط الضوء على قوة فرع التنظيم في أفغانستان وقدرته على استهداف مصالح أجنبية.

في السياق نفسه، لفت زوييف إلى أن الهجوم الذي وقع على شاطئ بونداي في سيدني في ديسمبر وأسفر عن مقتل 15 شخصاً، كان مستوحى من أيديولوجية التنظيم في دلالة على استمرار قدرته على الإلهام العابر للحدود حتى دون توجيه عملياتي مباشر.

سوريا مخيمات الاحتجاز كقنبلة موقوتة

في سوريا حذّرت الأمم المتحدة من تحديات أمنية وإنسانية جديدة عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مخيم الهول في يناير، ويضم المخيم نحو 24 ألف شخص بينهم آلاف النساء والأطفال من عشرات الجنسيات وترفض غالبية الدول استعادتهم.

ترى مراكز أبحاث أن هذه المخيمات تمثل خزاناً بشرياً محتملاً لإعادة إنتاج التطرف، حيث يعمل تنظيم “داعش” على الحفاظ على ولاء أيديولوجي داخلها مستفيداً من غياب الحلول السياسية والقانونية طويلة الأمد، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى البدء بنقل محتجزين إلى العراق خشية حدوث عمليات فرار أو إعادة تنظيم.

شبكة لا مركزية.. تحليل مراكز الأبحاث

تشير تحليلات صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، إلى أن “داعش” نجح خلال السنوات الأخيرة في التحول من تنظيم هرمي إلى شبكة لا مركزية تعتمد على ترابط أيديولوجي وتبادل خبرات وموارد بين الأقاليم.

هذا النموذج يسمح للتنظيم بالاستمرار حتى في حال تعرض أحد فروعه لضربات قاسية، إذ تعوض الأقاليم الأخرى الخسائر بسرعة كما يسهّل نقل المعرفة القتالية واستخدام الطائرات المسيّرة والعبوات المتطورة والدعاية الرقمية بين إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سلاح المرحلة الجديدة

قالت رئيسة المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، إن تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات المتطرفة الأخرى وسّعوا بشكل لافت استخدامهم للأصول الافتراضية بما فيها العملات المشفرة وأدوات الإنترنت المتقدمة والطائرات المسيّرة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

تؤكد دراسات مركز الأبحاث والسياسات الأمريكي RAND Corporation أن الذكاء الاصطناعي بات عنصراً مركزياً في استراتيجية التنظيم، حيث يُستخدم لإنتاج محتوى دعائي مخصص وتحليل البيانات المفتوحة وتجاوز آليات الرقابة الرقمية، إضافة إلى تعزيز عمليات التجنيد خاصة في صفوف الشباب والأطفال عبر منصات التواصل والألعاب الإلكترونية.

وترى الأمم المتحدة أن هذا التطور التكنولوجي يضاعف من خطورة “داعش”… لأنه يقلل كلفة العمل الإرهابي ويزيد من صعوبة تعقبه أمنياً مقارنة بالمراحل السابقة.

تراجع التركيز الدولي نافذة تمدد جديدة

تحذّر مراكز أبحاث غربية من أن انشغال المجتمع الدولي بأزمات كبرى أخرى وتراجع بعض برامج مكافحة الإرهاب، وهو ما أتاح للتنظيم هامشاً لإعادة التموضع وبناء شبكات جديدة، خصوصاً في المناطق الهشة التي تعاني من أزمات اقتصادية ونزاعات داخلية مزمنة.

وتؤكد هذه المراكز أن المقاربات الأمنية وحدها لم تعد كافية في مواجهة تنظيم أعاد تعريف نفسه كشبكة عالمية مرنة تستخدم أدوات القرن الحادي والعشرين.

تتفق التقييمات الأممية وتحليلات مراكز الأبحاث على أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يُهزم بل أعاد تشكيل نفسه على أسس أكثر تعقيداً وخطورة، شبكة ممتدة من غرب إفريقيا إلى الشرق الأوسط وأفغانستان مدعومة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تجعل “داعش” قادراً على الصمود والتكيف وإعادة الظهور في مسارح جديدة ما لم تُطوَّر استجابة دولية شاملة تتجاوز الحلول العسكرية الضيقة.