بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود
بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود

مقالات مشابهة

ثقافة عربية

الأدب العربي.. كيف تحول من التعبير إلى الشهادة في زمن الصدمات الكبرى والحروب والانهيارات؟

بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود
بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود

في زمن الحروب المفتوحة والانهيارات المتلاحقة، انتقلت الثقافة العربية من حقل التعبير الجمالي إلى حقل الشهادة والتوثيق. لم يعد النص يبحث عن اكتمال فني أو بناء تخييلي محكم، بل عن تثبيت الأثر قبل محوه. هكذا تغيّرت وظيفة الكتابة، والصورة، والفيلم، وحتى الأرشيف: من إنتاج معنى إلى حفظ ذاكرة.

أوضحت مظاهر هذا التحوّل في صعود اليوميات بوصفها شكلاً مركزياً للكتابة. يوميات تُكتب في الزمن الحقيقي، بلا مسافة تتيح التأمل أو التهذيب. ويقدم كتاب The Eyes of Gaza “عيون غزة” للصحفية بليستيا العقّاد Plestia Alaqad نموذجاً دالاً على ذلك. نصوصٌ قصيرة ومقتصدة، تُسجّل تفاصيل الحياة تحت القصف دون سعي إلى بناء سرد أدبي تقليدي.

يرى نقاد هذا الاتجاه أننا أمام ما يمكن تسميته “أدب الضرورة”، وهو أدب لا يُكتب لأن الظروف مهيّأة، بل لأنه لا يحتمل التأجيل. هنا يتراجع الطموح الجمالي لصالح واجب أخلاقي ملحّ، لا بوصفه عجزاً فنياً، بل خياراً واعياً تفرضه اللحظة.

المقال بوصفه شهادة لا رأياً

طال التحوّل أيضاً المقال الثقافي، الذي لم يعد مساحة رأي وتحليل محايد، بل شهادة شخصية تنطلق من التجربة المباشرة. وتُعد نصوص الشاعر والكاتب مصعب أبو توهة مثالاً بارزاً: لغة مباشرة، مشاهد محددة، ورفض للحياد البارد. الكاتب هنا لا يوازن السرديات، بل يقول ببساطة: “كنت هناك”.

يرى مؤيدو هذا الشكل أن المقال الشاهد أعاد الاعتبار للصوت الفردي في زمن تُصادَر فيه الروايات. في المقابل، يحذّر نقاد آخرون من خطر تحوّل الشهادة إلى بديل دائم عن التحليل، بما قد يُضعف القدرة على الفهم المركّب لاحقاً.

الصورة والفيلم: من الجمال إلى الإثبات

في الفوتوغرافيا، تراجع السؤال الجمالي لصالح سؤال واحد: هل تُثبت الصورة ما حدث؟ انتشرت صور المصوّر معتز عزايزة عالمياً، لا لأنها تبحث عن تكوين بصري مثالي، بل لأنها أدّت وظيفة الإثبات. الصورة هنا وثيقة، وأحياناً اتهام بصري، ومادة للذاكرة الجماعية.

الأمر نفسه في السينما، حيث ظهرت أعمال تُنجَز من داخل الحدث نفسه. ويجسّد مشروع “من نقطة الصفر”، بإشراف المخرج رشيد مشهراوي، هذا التحوّل: أفلام قصيرة، متفاوتة المستوى الفني، لكنها موحّدة الهدف، وهو تسجيل ما يحدث قبل أن يُعاد تعريفه أو إنكاره.

ويرى نقّاد السينما أن هذه الأعمال تنتمي إلى ما يُعرف بـ “سينما الضرورة”، التي لا يمكن تقييمها بمعايير الإنتاج التقليدية، لأن الزمن والخطر والنجاة عناصر مكوّنة لبنيتها.

الأرشيف كفعل ثقافي

في السودان، ومع اتساع رقعة الحرب، برز شكل آخر من الثقافة الشاهدة: الأرشيف الرقمي. فمشروع “ذاكرة السودان” لا ينتج نصوصاً أدبية، بل يحفظ صوراً ووثائق وتسجيلات مهددة بالضياع. هنا تتحوّل الثقافة من فعل إبداعي إلى حراسة للذاكرة.

ويرى نقاد الثقافة في هذا النموذج انتقالاً جوهرياً في تعريف دور المثقف: من منتج للمعنى إلى حارس للأثر، وهو انتقال تفرضه لحظات الانهيار حين يصبح فقدان الذاكرة خطراً لا يقل عن فقدان الأرض.

رأي النقاد: هل يُمحى الأدب الرصين؟

لا يدور الجدل النقدي  حول وجود هذا التحوّل، بل حول آثاره البعيدة. ويرى كثيرون أن ما يحدث لا يُلغي الأدب الرصين، بل يؤجله. فالتاريخ الأدبي، كما يشير نقاد كُثر، يمر غالباً بمرحلتين: الأولى الشهادة المباشرة، والثانية التخييل وإعادة البناء.

في المقابل، يحذّر بعض النقاد من خطر “تقديس الشهادة” إلى حدّ يمنع النقد والمساءلة الجمالية، ويحوّل كل نص صادر عن الألم إلى نص فوق النقاش. هذا الخطر قائم، لكنه، وفق قراءة متوازنة، ثمن لحظة استثنائية، لا نهاية الأدب.

ما نشهده اليوم ليس موت الأدب، بل انكماشه المؤقت أمام واجب أكبر. الثقافة العربية، في زمن الصدمة، اختارت أن تكون ذاكرة قبل أن تكون مرآة، وأن تكون وثيقة قبل أن تكون تحفة. أما الأدب الرصين، فغالباً ما يأتي لاحقاً، حين تهدأ النار، ويبدأ السؤال الأصعب: كيف نروي ما شهدناه دون أن نخونه؟