بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

تقرير إقليمي

اقتصاد الخرافة في العالم العربي: كيف تحوّل السحر والشعوذة إلى سوق موازٍ يقتات على الأزمات والهشاشة النفسية

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

في عام واحد فقط، أعلنت سلطات الجمارك في مطارات وموانئ عدة دولة عربية ضبط آلاف القطع المرتبطة بالسحر والشعوذة، بينها كتب سحر، طلاسم، عظام حيوانات، وأدوات طقسية معدّة للبيع. هذه الأشياء، لا تمثل سوى الجزء المرئي من سوق خفيّ يشهد توسعاً مطّرداً، مدفوعاً بالخوف، والهشاشة النفسية، وتراجع الثقة بالحلول المؤسسية.

تشير الأرقام المتاحة على مستوى الوطن العربي إلى أن الشعوذة لم تعد ظاهرة هامشية، بل اقتصاد مواز يستفيد من أزمات المجتمع، ويعيد إنتاجها في آنٍ واحد.

القابلية المجتمعية: ماذا تقول الاستطلاعات؟

كشف استطلاع واسع النطاق، أجراه مركز الأبحاث الأمريكي المستقل “Pew Research Center” في أكثر من 30 دولة ذات أغلبية مسلمة، تفاوتاً حاداً في نسب الإيمان بوجود السحر وتأثيره في الحياة اليومية. ففي تونس، أيّد 89% من المستجيبين وجود السحر والمعتقدات ذات الصلة، مقابل 78% في المغرب، و56% في العراق، و13% في الأردن، و16% في مصر، و14% في فلسطين.

وأكد خبراء علم الاجتماع الديني الذين حللوا هذه النتائج أن ارتفاع النسب لا يعني بالضرورة ممارسة السحر، لكنه يشير إلى اتساع البيئة النفسية والثقافية التي تسمح بتحويل الاعتقاد إلى استهلاك فعلي لخدمات الشعوذة، خصوصاً في لحظات الأزمات الأسرية أو الاقتصادية.

من الاعتقاد إلى السوق: تقديرات الحجم والطلب

لا توجد أرقام رسمية لحجم سوق السحر في العالم العربي، إلا أن تقديرات باحثين في الاقتصاد غير الرسمي، استناداً إلى قضايا الاحتيال المسجلة وضبطيات الجمارك، تشير إلى أن عشرات ملايين الدولارات تُضخ سنوياً في هذا السوق على مستوى المنطقة.

في دول الخليج وحدها، كشفت بيانات رسمية عن ضبط أكثر من 10 آلاف مادة مرتبطة بالشعوذة خلال فترة زمنية محدودة في أحد المطارات الدولية. وهنالك عشرات القضايا سنوياً تتعلق بالاحتيال تحت غطاء “العلاج الروحي”.

باحثون في شؤون الجريمة المنظمة يؤكدون أن هذا النوع من الأسواق يعمل وفق نموذج “الدفع المتدرج”، حيث يبدأ المبلغ بمئات الدولارات، ثم يتحول إلى آلاف مع تكرار الجلسات وادعاء “تجدد السحر”.

الصحة النفسية: الأرقام التي تفسّر الاندفاع

من وجهة نظر الطب النفسي، أشارت تقارير صادرة عن باحثين في السعودية ومصر والعراق إلى أن ما بين 30% و40% من المرضى الذين يُعانون من أعراض اكتئاب أو قلق في بعض المجتمعات العربية، يلجؤون أولاً إلى معالجين روحانيين أو دجالين قبل زيارة طبيب مختص.

كما أقرّ ثلث المرضى الذين وصلوا لاحقاً إلى العيادات النفسية بإنفاق مبالغ مالية كبيرة على “فك السحر” أو “العلاج بالرقية غير المنضبطة”.

يربط خبراء الصحة النفسية انتشار هذه الظاهرة بجملة عوامل بنيوية متداخلة، تأتي في مقدّمتها الفجوة الواضحة بين عدد الأطباء النفسيين وحجم السكان، ما يحدّ من إمكانية الوصول إلى رعاية متخصّصة في الوقت المناسب. ويُضاف إلى ذلك استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالعلاج النفسي، التي تدفع كثيرين إلى تجنّب المؤسسات الطبية خشية الوصم أو الإقصاء الاجتماعي.

في هذا السياق، يمكن اعتبار أن سهولة الوصول إلى الدجّال، مقارنة بالإجراءات والقيود المرتبطة بالمؤسسة الصحية، تجعل الشعوذة خياراً أسرع وأقل كلفة نفسياً في نظر المتضرّرين، حتى وإن كانت عواقبه أكثر خطورة على المدى المتوسط والبعيد.

شهادات الخبراء: لماذا ينجح الدجال؟

من وجهة نظر علم الاجتماع، نجاح الشعوذة لا يعود إلى قدرتها على تقديم حلول حقيقية، بل إلى كونها تعرض تفسيراً مبسّطاً لأزمات معقّدة، وتمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالسيطرة في لحظات العجز والارتباك. هذا التفسير السريع، وإن بدا مريحاً في ظاهره، يلبّي حاجة نفسية آنية أكثر مما يعالج جذور المشكلة.

أما علم النفس الإكلينيكي فيرى أن الدجّال لا يدخل في منافسة مباشرة مع الطبيب على مستوى العلاج العلمي، بل ينافسه على مستوى السردية. فهو يقدّم قصة متماسكة وسهلة الفهم، تُعيد ترتيب الألم والمعاناة ضمن إطار مفهوم، ما يمنح المراجع ارتياحاً نفسياً مؤقتاً، حتى وإن كانت هذه السردية مدمّرة على المدى الطويل.

في السياق الأوسع، تلفت دراسات التطرف والخرافة الاجتماعية إلى أن ازدهار الأسواق الغيبية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئات التي تعاني من اختلالات بنيوية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الأمان الاجتماعي، وضعف الثقة بالدولة ومؤسساتها. في مثل هذه السياقات، تتحوّل الشعوذة من ممارسة هامشية إلى مورد بديل لإنتاج المعنى وتفسير الفشل، وسوق مفتوح للاستغلال المنهجي.

الكلفة الاجتماعية: أرقام لا تُقاس بسهولة

تفيد تقارير اجتماعية وقضائية صادرة عن عدد من الدول العربية بأن الشعوذة لم تعد ظاهرة معزولة عن البنية الأسرية والاجتماعية، بل باتت حاضرة في قلب النزاعات اليومية. وتشير هذه التقارير إلى أن نسبة معتبرة من قضايا الاحتيال الأسري ترتبط مباشرة بادعاءات السحر والحسد، في حين تبدأ بعض حالات الطلاق والنزاعات العائلية بسلسلة من الاتهامات المتبادلة المرتبطة بممارسات غيبية، تُستخدم لتفسير الفشل أو تبرير القطيعة. كما تكشف المعطيات نفسها أن عدداً من قضايا الابتزاز المالي والأخلاقي ينطلق من جلسات يُروَّج لها بوصفها “علاجاً روحياً”، قبل أن تتحوّل إلى مسار استغلال ممنهج.

وقد دفعت هذه الوقائع خبراء اجتماعيين إلى التحذير من أن كلفة الشعوذة تتجاوز الخسائر المادية المباشرة، لتطال النسيج الاجتماعي ذاته. فالأثر الأعمق يتمثّل في تآكل الثقة داخل الأسرة والمجتمع، وتعزيز مناخ الشك والارتياب، بما يضعف الروابط الاجتماعية ويفتح المجال أمام مزيد من التفكك والاستغلال.

لماذا لا تتراجع الظاهرة؟

تشير مراكز بحثية متخصّصة إلى أن المقاربة الأمنية، على أهميتها، تبقى قاصرة عن إحداث تراجع فعلي في ظاهرة الشعوذة، طالما ظلّ الطلب المجتمعي على هذا النوع من الخدمات قائماً. فالسوق، بطبيعته، يمتلك قدرة عالية على إعادة إنتاج نفسه والالتفاف على أدوات الردع، مستفيداً من الهشاشة النفسية والاجتماعية التي تغذّيه. والحل، وفق هذه المراكز، يتطلب:

أولاً: توسيع خدمات الصحة النفسية، وإتاحتها بشكل أكثر عدالة، بما يقلّل من لجوء الأفراد إلى بدائل غير علمية.

ثانياً: خطاب ديني واضح يفصل بين الإيمان كممارسة روحية والخرافة كمدخل للاستغلال والاحتيال.

ثالثاً: رقابة رقمية فعالة تحدّ من انتشار المحتوى الاحتيالي على المنصّات الإلكترونية، حيث باتت الشعوذة تُسوَّق بوصفها خدمة عابرة للحدود وقليلة الكلفة القانونية.