بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

اعتقال الإمام السلفي كيندو وإغلاق الجامع الكبير.. هل تفتح أزمة بوركينا فاسو ثغرة جديدة أمام تمدد القاعدة؟

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

تحولت قضية اعتقال الدكتور محمد إسحاق كيندو، رئيس مجلس علماء أهل السنة وأحد أشهر الأئمة السلفيين في بوركينا فاسو، إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في البلاد خلال الأيام الأخيرة، بعد أن أعقبها قرار السلطات إغلاق الجامع الكبير للحركة السنية في العاصمة واغادوغو، ما أثار موجة واسعة من النقاشات والاحتجاجات وردود الفعل داخل الأوساط الدينية والسياسية.

تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه بوركينا فاسو تحديات أمنية متفاقمة نتيجة تصاعد هجمات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي القاعدة و”داعش”، وسيطرة هذه الجماعات على مساحات واسعة من الأرياف والطرق الحيوية، ما جعل أي توتر داخلي محل متابعة دقيقة من قبل المراقبين.

من هو محمد إسحاق كيندو؟

يُعد كيندو من أبرز الشخصيات الدينية السنية في البلاد، ويرأس مجلس علماء أهل السنة، كما ارتبط اسمه لعقود بالنشاط الدعوي والتعليم الديني. ويتمتع الرجل بحضور واسع داخل الأوساط السلفية المحافظة، فيما يُنظر إلى الحركة السنية باعتبارها واحدة من أكبر الشبكات الدينية المنظمة في بوركينا فاسو.

وخلال السنوات الماضية، حافظ التيار السني على مسافة واضحة من الجماعات المسلحة، كما شارك عدد من رموزه في مبادرات التوعية ومواجهة الخطابات المتشددة التي تستهدف الشباب.

بدأت الأزمة باعتقال كيندو بعد انتقادات وجهها لسياسات حكومية تتعلق بالشأن الديني، قبل أن تتصاعد بشكل غير مسبوق مع صدور قرار رسمي بإغلاق الجامع الكبير للحركة السنية في واغادوغو “حتى إشعار آخر” بدعوى الحفاظ على النظام العام.

ورأى مؤيدو القرار أن السلطات تتحرك في إطار متطلبات الأمن والاستقرار، بينما اعتبر منتقدوه أن الخطوة قد تؤدي إلى توسيع التوتر بين الدولة وقطاع ديني يتمتع بحضور اجتماعي واسع.

لماذا تثير الأزمة القلق؟

لا ترتبط المخاوف الحالية بمصير كيندو أو المسجد وحدهما، بل بالسياق الأمني الذي تعيشه البلاد. فالرئيس إبراهيم تراوري كان قد دعا أخيراً إلى بناء “خطاب ديني بديل” لمواجهة التطرف وإشراك العلماء في تحصين الشباب من التجنيد الجهادي، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى التساؤل حول تأثير الأزمة الحالية على هذه المقاربة.

الجامع الكبير لم يكن مكان للعبادة فحسب، بل أحد أبرز المنابر الدينية المؤثرة في العاصمة، وأن إغلاقه في هذا التوقيت قد يفتح نقاشاً واسعاً حول العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية التقليدية.

التحذيرات الأبرز تتعلق بإمكانية استغلال جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة للأزمة.

الجماعة بنت جزءاً مهماً من خطابها خلال السنوات الماضية على اتهام الحكومات في منطقة الساحل باستهداف العلماء والمؤسسات الدينية والمجتمعات المحلية. ويرى محللون أن أزمة كيندو توفر مادة دعائية يمكن توظيفها لتعزيز هذه السردية، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الدعاية التابعة للجماعات المسلحة.

ولا يتوقع المراقبون أي تقارب بين الحركة السنية والجماعات الجهادية، لكنهم يحذرون من أن التنظيمات المؤدلجة لا تحتاج إلى كسب العلماء المعتدلين بقدر حاجتها إلى تعميق مشاعر الاحتقان وفقدان الثقة بين الدولة وبعض الفئات الاجتماعية والدينية.

درس مالي

يمكن هنا استحضار بعض التجارب السابقة في منطقة الساحل، خصوصاً في مالي، حيث استفادت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” مراراً من التوترات السياسية والاجتماعية ومن الخلافات بين السلطات ومرجعيات دينية أو تقليدية نافذة، لتحويلها إلى أدوات تعبئة واستقطاب داخل المجتمعات المحلية.

أن الجماعات المسلحة غالباً ما تحقق مكاسب استراتيجية عندما تنجح في تقديم نفسها كمدافع عن فئات تشعر بالتهميش أو الاستهداف، حتى وإن لم تكن تلك الفئات تتبنى خطابها أو مشروعها الأيديولوجي.

وبينما تواصل القوات البوركينية عملياتها العسكرية ضد الجماعات المسلحة في مختلف أنحاء البلاد، تبدو الأزمة الحالية اختباراً لقدرة الدولة على الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية في مواجهة تهديد متصاعد.

ففي حروب الاستنزاف الطويلة التي تشهدها منطقة الساحل، لا تُحسم المعارك بالسلاح وحده، بل أيضاً بقدرة الدول على الحفاظ على ثقة المجتمعات المحلية والشركاء الدينيين والاجتماعيين الذين يشكلون خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف.

السؤال الأهم اليوم لا يتعلق فقط بمصير كيندو أو مستقبل الجامع الكبير، بل بما إذا كانت الأزمة ستبقى خلافاً محدوداً يمكن احتواؤه، أم أنها ستتحول إلى فجوة أوسع قد تجد الجماعات المرتبطة بالقاعدة فرصة لاستغلالها في واحدة من أكثر ساحات الصراع هشاشة في أفريقيا.