القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

مؤلفون وهميون (2-2)

اعترافات كاتب بالذكاء الاصطناعي: نشرت 445 كتابًا في سنة.. وشرط “أمازون” الوحيد 10 كتب أسبوعيًا

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

بالمصادفة البحتة، اكتشفت الكاتبة الأمريكية كشمير هيل، المتخصصة في التكنولوجيا بصحيفة “نيويورك تايمز”، أن هناك كتابًا عن سيرتها الذاتية يباع على موقع “أمازون” منذ سنة كاملة، من دون أن تعرف عنه، أو عن مؤلفه، أي شيء، غير أن اسمه الموجود على الغلاف هو جون كرين ميلر، أما الكتاب فمُبالغٌ فيه، ومملوء بالمعلومات المختلقة وغير الحقيقية، ويحمل كل علامات رداءة الذكاء الاصطناعي.

تتبعت هيل القصة لتكتشف آلاف الكتب الشبيهة والتي لا تمانع “أمازون” في نشرها لمجرد أنها “مضمونة الأرباح”. ولأن إدارة الموقع امتنعت عن مشاركتها أرقام أرباح هذه النوعية من الكتب، كما رفضت منحها معلومات الاتصال بمؤلف سيرتها الذاتية، راحت تبحث عن أصل الموضوع، وتفاصيل القصة التي تحولت إلى تحقيق موسع يهدد عرش “أمازون”.

ورغم أنها لم تتمكن من العثور على الشخص المختفي خلف اسم ميلر، مؤلف سيرتها الذاتية، لكنها خلال رحلة البحث التقت بشخصية خرافية أخرى، فتحت لها بوابة أقرب إلى بوابات الجحيم، إذ اعترف لها بيل جونز، مستشار الأمن السيبراني المتقاعد أنه يستخدم تطبيق “تشات جي بي تي” منذ مارس 2025، في كتابة ونشر كتبه على موقع “أمازون”، وأنه منذ هذا التاريخ كتب ونشر 445 كتابًا غير روائي، تتناول مواضيع عديدة ومتنوعة، من سيرة حياة بعض العباقرة وغريبي الأطوار إلى المشروبات الكحولية، وصولًا إلى “خليج تشيسابيك” حيث يقيم.

فراغ ما بعد الطلاق والتقاعد

جونز الذي وافق على لقاء هيل شرح لها كيف بدأت الفكرة، وكيف ساعدته “أمازون” على تنفيذها، وما جدواها الاقتصادية، بل ولم يمانع من التصوير ونشر القصة كاملة.

تقول كشمير هيل: “بيل جونز، البالغ من العمر 70 عامًا، ذو الشعر الأبيض المُجعد الطويل والبشرة البرونزية التي تُشير إلى قضاء وقت طويل في الهواء الطلق، لم يكن شخصية وهمية، كان يعيش على خليج تشيسابيك في ولاية ماريلاند. وعلى عكس كاتب سيرتي الذاتية، كان مُستعدًا للحديث”. 

حكى لها جونز أنه بعد أن تقاعد من عمله كمستشار في مجال الأمن السيبراني عام 2024، وطلاقه وعيشه وحيدًا مع كلبين من نوع “شيه تزو”، وجد نفسه فجأةً أمام وقت فراغ كبير، فانتابه الفضول تجاه الذكاء الاصطناعي، وقرر خوض غمار التجربة، وقال: “يكاد كل من أعرفهم يقولون إنهم يرغبون في تأليف كتاب، إنها فكرة رومانسية للغاية أن يجلس المرء ويبذل جهدًا مضنيًا، صفحةً تلو الأخرى، وفقرةً تلو الأخرى، لكنها غير مجدية اقتصاديًا”، مضيفًا أنه أنفق أسبوعين و20 دولارًا على تطبيق الدردشة “تشات جي بي تي” لمساعدته في كتابة ونشر كتابه الأول عن تاريخ القرصنة “أشباح في الآلة” في مارس 2025، وهو كتاب ضخم يقع في 651 صفحة. ورغم أن الكتاب لم يبع سوى نسخ قليلة، فإنه أحب الموضوع، وقرر الانغماس في هذا المجال.

مكتبة رقمية غزيرة… وأرباح متواضعة

يمتلك السيد جونز الآن 445 كتابًا معروضًا للبيع على “أمازون”، وعادة ما يطلب نسخة ورقية من كل كتاب من كتبه، ثم يضعها على أربعة رفوف بيضاء دوارة، مكتظة بشكل غير منظم بجوار أريكة في غرفة معيشته، وجميعها تحمل صورة له ببدلة داكنة أنيقة، أنشأها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

D.R

يقول جونز: “كان الاختيار إما هذه أو ارتداء بدلة والتقاط صور سيلفي”. 

بحسب هيل “الكتب مُرتبة تقريبًا حسب الموضوع: الرياضة، العباقرة وغريبو الأطوار، الجسور الشهيرة، الكحول، خليج تشيسابيك.. هذه هي المواضيع التي تثير اهتمام السيد جونز غريب الأطوار، والذي يتمتع بإطلالة على الخليج من حانة “تيكي” المجهزة جيدًا، فهو من بناها في فناء منزله الخلفي، وتحتوي على تلفزيون بشاشة كبيرة، مثالية لمشاهدة الأحداث الرياضية، وهو من  اعترف خلال مقابلة في منزله في يونيو/حزيران بأن الكثير من الكتب لا تُباع أبدًا، لكنه يبيع بضع مئات من النسخ شهريًا، ويجني من كل نسخة حوالي 7 دولارات، أغلبها من الكتب الورقية التي تطبعها “أمازون” حسب الطلب، ويحكي أن أرباحه تتحسن خلال الأعياد، فقد باع 821 نسخة في موسم هدايا الأعياد الأخير، بأرباح تقترب من 6 آلاف دولار، وفقًا لتقرير مبيعات أمازون الذي أطلعني عليه، قائلًا أنه لا يعتبرها مبيعاتٍ هائلة، لكنها على الأقل تكفي لشراء مشروب”.

مراحل التأليف والنشر

أخذت كشمير هيل كتاب سيرتها المزعومة إلى “ماريلاند”، وسألت بيل جونز عن رأيه فيه، فقلب صفحات الكتاب الرقيق وسخر قائلًا: “لا يوجد فيه الكثير من المحتوى، أستطيع إنهاء هذا الكتاب بحلول الظهر”، وقال إنها تستحق كتابًا من 400 صفحة، ثم ابتسم وهو يقول لها “رغم أنني لا أكتب عادةً إلا عن الموتى، لكن يمكنني كتابة هذا الكتاب عنك”، فضحكت، ربما بشكلٍ هستيري بعض الشيء، ورفضت.

اصطحبها إلى داخل المنزل، وجلس إلى مكتبه ليريها كيف يبدأ عادة في تأليف كتاب جديد. كتب لبرنامج “تشات جي بي تي”: “لو أردتُ كتابة كتاب عن تلال كشمير، ما الذي تقترحه كإطار عام؟”، ثم طلب جدول محتويات، وقال إنه عادةً ما يُجري بحثًا إضافيًا أولًا، ويجمع روابط لمواقع إلكترونية ذات صلة، ويُعطيها للبرنامج، ثم يطلب منه تحديد ركائز تاريخية واقتصادية وثقافية للكتاب، ثم يكلف البرنامج بكتابة مسودة لكل فصل، ولكن تدريجيًا، لأنه إذا طلب الكثير من الكلمات دفعة واحدة، يبدأ البرنامج بالتشتت والضياع.

غموض الكتب الذكية

تقول هيل: “كان يكلف التطبيق بإنشاء حواشي ختامية وبعض المراجع حين لاحظ أن البرنامج يدّعي زورًا أنه أجرى مقابلات مع أشخاص، فاعترض وحذف هذه الفقرات، ولكنه ظل ينسخ النص المنتج بعد تعديلاته، ثم يلصقه على مستند “وورد”، وشرح لي أنه يهدف إلى كتابة ما بين 10 إلى 15 فصلًا، أي ما يعادل حوالي 300 صفحة، ثم يستخدم تطبيق “كيندل كرييت” من أمازون لتحويل النص إلى مخطوطة كتاب إلكتروني، بعدها يطلب من “تشات جي بي تي” إنشاء صورة غلاف، ثم يرفعها جميعًا إلى “أمازون”، التي لا تتقاضى أي رسوم مقابل هذه الخدمة. وسألته إن كان قد قرأ كتبه، فأجاب: هذا سؤال غريب. بالتأكيد أقرأها أثناء كتابتها”.

وقال جونز إنه عندما يقوم بتحميل أحد كتبه على “أمازون”، يسأله الموقع عما إذا كان قد استخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في تأليفه، وإنه دائمًا ما يجيب بالإيجاب، بل إنه يكتب أنه استخدم هذه الأدوات في العمل بأكمله، فربما يرغب مشتري كتبه في معرفة المزيد عن استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن أمازون لا تُفصح لهم عن ذلك.

وتضيف هيل إن ماري راسنبرجر، الرئيسة التنفيذية لنقابة المؤلفين، قالت لها إن النقابة تضغط على أمازون منذ عام 2023 لتصنيف الكتب التي تُنتجها تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكنهم يقاومون هذا الإجراء، لأنهم لا يرغبون في معاقبة من يُصرّحون باستخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما تتم مكافأة من يُخادعون بشأنه.