قبل أربعين عاماً، لم يكن حضور الإسلام سوى ظاهرة هامشية في فرنسا (0,5% من السكان عام 1985). لكنّه شهد نمواً لافتاً يجعل منه اليوم الديانة الثانية في البلاد. وفقاً لاستطلاع الرأي الذي أنجزه معهد IFOP لحساب مجلة Écran de Veille الصادرة عن غلوبال ووتش، فإن هذا التوسع الديموغرافي ترافقه نزعة انفصالية ذات طابع إسلاموي، تولّد شكلاً مُغالياً من “‘التديّن السّام”، خصوصاً لدى فئات الشباب. فيما يلي تحليل لنتائج هذا الاستبيان.

يمثّل المسلمون في فرنسا اليوم نحو 7% من السكان فوق سن الخامسة عشرة، أي نحو 3,8 ملايين شخص* (مقابل 280 ألفاً قبل أربعة عقود). لا يعود هذا النمو إلى العوامل الديموغرافية والهجرات فحسب، بل أيضاً – وأساساً – إلى ظاهرة “انغلاق هويّاتي” تتّسم بتديّن أكثر تشدّداً مما هو عليه لدى باقي الديانات الموجودة في البلاد: 76% من المسلمين فوق 15 عاماً في فرنسا يعرّفون أنفسهم بأنهم “متديّنون” (من بينهم 19% – أي أكثر من 700 ألف شخص – يقولون إنهم “شديدو التديّن”)، مقابل 51% لدى أتباع الديانات الأخرى (9% منهم فقط “شديدو التديّن”).

ترتفع نسب التديّن بشكل أوضح بين الشباب: 30% من المسلمين دون 25 عاماً يعتبرون أنفسهم ‘”شديدي’” أو “بالغي’” التديّن. كما يظهر التأثير العائلي بوضوح، إذ يقول 74% من المسلمين إن الدين لعب دوراً مهماً في تربيتهم (مقابل 58% لدى الأديان الأخرى). ويبلغ هذا التأثير ذروته لدى الشباب: 87% لدى المسلمين دون 25 عاماً، و82% للفئة بين 25 و34 عاماً.

بين التديّن والمغالاة
نتجت عن هذا الاندفاع نحو التديّن المتشدّد ظاهرتان مترابطتان لكنهما مختلفتان جذريا، فالأولى مشروعة وطبيعية تندرج ضمن حرية المعتقد، فيما تمثّل الثانية شططا من شأنه أن يقوّض السلم الاجتماعي وقيم العيش المشترك:
1. حياة روحية أكثر حيوية: نزعة التديّن لدى مسلمي فرنسا حالياً لا تقلّ تشدّداً عن أكثر الدول الإسلامية محافظةً. إذ يؤكد 62% من المسلمين فوق 15 عاماً أنهم يصلّون يومياً (مقابل 18% لدى أتباع الأديان الأخرى). وترتفع النسبة إلى 67% لدى من هم دون 25 عاماً، بينما لم تكن هذه النسبة تتجاوز 16% عام 1994.

الأمر نفسه بالنسبة لصلاة الجمعة: 35% من المسلمين في فرنسا يؤدّونها اليوم (مقابل 16% عام 1989). أما بين الشباب، فقد قفزت النسبة من 7% عام 1989 إلى 40% اليوم. كما ينعكس هذا التديّن المتصاعد أيضاً في ازدياد الالتزام بصوم رمضان: 73% من المسلمين في فرنسا يصومونه (مقابل 60% عام 1989). ولدى من هم دون 25 عاماً تصل النسبة إلى 83%، مقارنةً بـ 51% سنة 1989. واللافت أن نسبة الصائمين لدى من تجاوزوا الخمسين انخفضت من 84% عام 1989 إلى 61% اليوم.


يظهر التباين بين الأجيال أيضاً في ما يتعلق باستهلاك الكحول: 21% فقط من المسلمين الفرنسيين يتناولون الكحول حاليا (مقابل 35% في 1989). أما لدى من هم دون 25 عاماً فقد انخفضت النسبة إلى 12% (بعد أن كانت 35% عام 1989). وفي المقابل، ارتفع الاستهلاك لدى من تفوق أعمارهم الخمسين إلى 30% (مقابل 20% عام 1989).

2. المغالاة ومظاهر “التديّن السّام”: يكفل القانون للمسلمين في فرنسا – كغيرهم من أتباع الديانات الأخرى – الحق في ممارسة شعائر دينهم بكامل الحرّية وتبني ما يرونه مناسباً من أفكار ومعتقدات. إلا أنّ هذا التديّن المتنامي أفرز لدى بعض الشرائح مظاهر مغالية تنمّ عن “تديّن سامّ”. فبالرغم من أنّ هذا التوجّه نحو المغالاة في التديّن يوازيه ارتفاع لافت في تبني قيم التسامح – خصوصاً في ما يتعلق بالزواج المختلط، وحقّ تغيير الدين، وتطبيق الشريعة في البلاد غير المسلمة – إلا أن مظاهر الشطط والانحرافات الناجمة عن ظاهرة “التديّن السّام” تبدو واضحة في نتائج هذا الاستبيان، ويمكن تصنيفها ضمن ثلاثة مظاهر رئيسية:


• التشدّد الإسلاموي: من الطبيعي أن يؤدي تنامي التديّن إلى حرص أكبر على الالتزام بالتعاليم الدينية، إلا أنّ بعض الفئات “شديدة التديّن” يصل بها الشطط إلى حد فرض قيود ومحظورات لا تحظى بالإجماع في المنظور الديني الإسلامي، وتندرج أكثر ضمن الفكر المغالي للتيارات الإسلاموية المتشددة.
على سبيل المثال:
- %11 من مسلمي فرنسا يمتنعون تماماً عن سماع الموسيقى.
- %34 لا يستمعون إلا للأناشيد والابتهالات الدينية الخالية من العزف الموسيقي.
- %33 يرتدون “العباية” (للنساء) أو “القميص” (للرجال)، التي يروّج لها الإخوان المسلمون كرموز للهوية الإسلامية، في حين أن الهدف منها فصل المسلمين عن بقية المجتمع الفرنسي وتكريس النزعات الانفصالية الدينية والطائفية.
- %19 يلتزمون برفع الملابس لما فوق فوق الكعبين، وهو سلوك خاص بالتيارات السلفية المغالية.

• الانفصالية الدينية والمجتمعية: يُبرز الاستبيان قيودا مُغالية أخرى تروّج لها التيارات الإسلاموية بوصفها من “ثوابت الهوية الإسلامية”، في حين أنها لا تعدو أن تكون مظاهر للشطط و”التديّن السّام” الهدف منها إقامة حواجز تفصل بين المسلمين وبقية المجتمع عموماً، وبين الرجال والنساء بشكل أخص.
من مظاهر الشطط هذه:
- %43 يتجنبون أي شكل من أشكال الاختلاط أو التواصل مع الجنس الآخر.
- %33 يرفضون تبادل التحية عبر القبلات على الخدّين.
- %20 يعتبرون ارتياد المسابح المختلطة أمراً محرّماً.
- %14 يرفضون المصافحة باليد.
- %6 يرفضون تلقي العلاج من قبل طبيب أو ممرض من الجنس الآخر.

ويحتلّ الحجاب مكانة محورية ضمن رمزيات الهوية الإسلامية التي تُروّج لها التيارات الإسلاموية: 31% من المسلمات في فرنسا يرتدين الحجاب اليوم (مقابل 19% عام 2003)، وترتفع هذه النسبة إلى 45% بين الشابات تحت سن الخامسة والعشرين (مقابل 16% عام 2003).

اللافت أن الدوافع المعلنة من قبل المحجّبات لتفسير أسباب ارتدائهن الحجاب تكشف بأن ضغوط المحيط الاجتماعي والعائلي تضاهي البُعد الروحي المتعلق بالالتزام الديني:
- %80 يقلن أنهن يرتدين الحجاب بدافع الواجب الديني.
- %44 يصرّحن بأنهن يرتدينه لتجنب نظرات (تحرّش) الرجال.
- %42 للشعور بالأمان.
- %38 لإبراز انتمائهن الديني.
- %15 لتجنب وسمهن بأنهن نساء “فاسقات” أو غير محتشمات.
- %6 بدافع تقليد ما هو رائج في أوساطهن العائلية والاجتماعية.
- %2 تحت ضغوط العائلة أو المحيط الاجتماعي.
• النزعة المحافظة المفرطة Ultra Conservatism: يساهم النفوذ المتزايد للإسلام السياسي في فرنسا إلى ترسيخ نزعة محافظة متشدّدة. فعند سؤال المسلمين عن التطوّر الذي يرغبون أن يطرأ على الإسلام في فرنسا، لم يعبّر سوى 21% عن رغبتهم في أن يزداد الدين “حداثة” (مقابل 48% عام 1998)، بينما ترغب الأغلبية (67%) في أن يبقى الإسلام الفرنسي “كما هو” أو أن يعود إلى مزيد من “التقليدية”.
من مظاهر هذه النزعة المحافظة المفرطة أن العلاقة مع العلوم تبدو إشكالية لدى مسلمي فرنسا: 65% منهم يرون أنّه في حال تعارض الدين مع العلم، يجب الترجيح بأن الدين هو الصواب (مقابل 19% فقط لدى أتباع الديانات الأخرى). وتزداد حدّة هذا التوجه المعادي للعلم لدى فئات الشباب: 82% من المسلمين دون 25 سن عاماً في فرنسا يتبنّون هذه الرؤية ذات الطابع الظلامي (مقابل 24% فقط لدى أتباع الديانات الأخرى).
* وفقا لبيانات المعهد الفرنسي للإحصائيات والدراسات الاقتصادية INSEE لعام 2022، يبلغ عدد السكان في فرنسا 65,8 مليون نسمة، بينهم 54,5 مليون فوق سن 15 عاماً. ما يعني أن المسلمين الذين يشكّلون 7% من السكان يبلغ عددهم 3,8 ملايين شخص.
















