كيف يمكن قياس نسبة أو عدد الإخوان المسلمين في فرنسا، في حين يُحظَر على أعضاء هذه الجماعة الإسلاموية أن يصرّحوا علنًا بانتمائهم إليها؟ فباسم مبدأ التقيّة (المواربة/ازدواجية الخطاب)، يُؤمَر الأعضاء النشطون في التنظيمات الإخوانية بالكذب إذا سُئلوا عن انتمائهم إلى الجماعة. لذا، فإن استطلاع رأي يكتفي بسؤالهم مباشرةً عن هذا الأمر لن يكون ذا مصداقية كبيرة.
لهذا السبب، وبالاستعانة بباحثين متخصصين في شؤون الإخوان المسلمين، قمنا أيضًا بتحديد سبعة تيمات أو محاور تُعدّ “علامات مميّزة” لأيديولوجيا الإخوان، تسمح لنا باستطلاع عدد الإخوان المسلمين – من دون الحاجة لأن نطرح عليه أسئلة مباشرة بخصوص الانتماء للجماعة – وانطلاقا من ذلك، قمنا ببلورة ما أسميناه “مؤشر التغلغل السري للإخوان المسلمين في فرنسا”.
بما أن جماعة الإخوان المسلمين تُنمّي ثقافة السرية و”التقيّة”، فإن تحديد معالمها وأعداد المنتمين لها أمر شديد التعقيد. لذا، وبالرغم من أن 23% من مسلمي فرنسا عبَّروا علنا، في الجزء الأول من هذا الاستبيان، عن تعاطفهم مع الإخوان المسلمين، إلا أن ذلك ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد: هؤلاء هم فقط “المتعاطفون الخارجيون” مع الجماعة، الذين يستطيعون الحديث بحرية، خلافًا لمن هم مُنضوون رسميًا في الجماعة الذين يُلزَمون بالسرية ولا يستطيعون إعلان انتمائهم أو تأييدهم للجماعة علنًا. لأنهم، عن أدائهم “البيعة” للجماعة يتعهدونبالحفاظ وسريّة انتمائهم الإخواني.
مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنّا (1906-1949) – المتأثر بأساليب التنظيم السرية للماسونية التي كان على تواصل معها في شبابه في الإسماعيلية، على الضفة الغربية لقناة السويس في مصر – صمّم جماعة الإخوان المسلمين كـ “مجتمع سرّي” يتوجب على أعضائه إخفاء انتمائهم إليه. فعند أداء البيعة، يتعهّدون بكتمان انتسابهم إلى الجماعة، ويُؤمَرون بالكذب إذا سُئلوا عن ذلك، باسم مبدأ التقيّة (المواربة/ازدواجية الخطاب)، لجعل هذا الانتماء سرًا مصونًا.
لا ينطبق ذلك فقط على “النواة الصلبة” للجماعة، المكوّنة من الأعضاء الإخوانيين الذين يحملون رتبة “الأخ العامل”، بل أيضًا على “المتعاطفين النشطاء”، الذين استمالتهم الجماعة لكنهم لم يصلوا (أو لم يصلوا بعد) إلى رتبة “الأخ العامل”، بل مُنحوا مرتبة أدنى هي رتبة “الأخ المُحِبّ” (أي المتعاطف المولع للجماعة).
لكل هذه الأسباب، لم يكن من الموضوعي محاولة رسم معالم التيار الإخواني في بلد كفرنسا، عبر الاستناد إلى استبيان يعتمد فقط على التصريحات العفوية لمن يعترفون علنًا بتعاطفهم مع جماعة الإخوان المسلمين.
لتجاوز هذه العقبة، قرّرنا اللجوء إلى مقاربة مزدوجة. فبالتعاون مع معهد استطلاعات الرأي IFOP، اعتمدنا على استبيانين متكاملين:
1. استبيان مباشر لقياس نسبة من يعلنون علنًا تعاطفهم مع الإخوان المسلمين، الذين سنسمّيهم “المتعاطفون الخارجيون”.
2. استبيان غير مباشر يتمثل في وضع سبعة محاور تشكّل “علامات فارقة” لتحديد “مؤشر التغلغل السري للإخوان المسلمين” الذي يهدف إلى تحديد الدائرتين الأكثر سرية للتنظيمات الإخوانية: فئة “الأخ المحبّ” (المتعاطف النشط) وفئة “الأخ العامل” (العضو الفاعل).
أولا: المقاربة المنهجية لمؤشر التغلغل السرّي للإخوان المسلمين في فرنسا
يتضمن “مؤشر التغلغل السري للإخوان المسلمين في فرنسا” سبع “علامات فارقة” ترتبط كل واحدة منها بسؤال (أو مجموعة أسئلة) على صلة مباشرة بواحدة من السمات المميزة الأهم والأبرز لأيديولوجيا الإخوان المسلمين، والتي تعدّ من المقومات الرئيسية التي تأسّس عليها فكر الجماعة. ونسعى من خلال هذه “العلامات الفارقة” السبع إلى هدف مزدوج:
1. التمييز بين الأعضاء النشطين في الإخوان المسلمين وبين المسلمين المحافظين الذين يتشاركون بعض الأفكار أو الرؤى الإخوانية (التي انتشرت على نطاق واسع داخل المجتمعات والجاليات المسلمة) من دون أن يكونوا أعضاء نشطين منضوين رسميًا في صفوف الجماعة.
2. التفريق بين الإخوان المسلمين وبين أتباع أبرز خمس حركات إسلاموية أخرى، وهي : السلفية، الوهابية، التبليغ، التكفير، والجهادية. فهذه الحركات تشترك مع الإخوان المسلمين في الأسس المشتركة للفكر الأصولي الإسلاموي، لكنها تختلف عنها في أساليب العمل (العنيفة أو السلمية)، والمرجعيات الأيديولوجية (المتشددة أو المعتدلة)، والبنى التنظيمية (السرية أو العلنية/ الشرعية أو الخارجة عن القانون)…
وقد وُضعت هذه المؤشرات/العلامات الفارقة تحت إشراف:
- عثمان تزاغارت، مدير تحرير مجلة “إكران دو فَاي”، ومؤلّف عدة كتب عن الإسلاموية، ومنها: “التهديد العالمي للإخوان المسلمين” (GWA، 2022)، و”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي: تحقيق حول ورثة بن لادن في المغرب العربي وأوروبا” (Jean Picollec éditeur، 2011).
- مارتين غوزلان، رئيسة تحرير مجلة “إكران دو فَاي”، ومؤلفة عدة كتب عن الإسلاموية، ومنها: “من أجل فهم الأصولية الإسلاموية” (ألبان ميشال، 2002)، و”الإسلام والجمهورية” (بلفون، 1994).
وتم إشراك باحثين آخرين في إعداد هذه المؤشرات وتدقيقها.
ثانيا: مرجعيات الأسئلة التي تحدّد على أساسها مؤشر التغلغل السري للإخوان المسلمين
– الدائرة (أ):مسلمون محافظون “متعاطفون خارجيون” مع الإخوان المسلمين:
يندرج ضمن هذه الدائرة (أ) كل من يختار، في آن معا، الأجوبة الثلاثة المظلَّلة بالأخضر على الأسئلة التالية:
المؤشر 1: أي العبارتين التاليتين أقرب إلى رأيك؟
– الدين معتقد شخصي مرتبط بالإيمان ويجب أن يقتصر على الحياة الروحية وممارسة العبادات
– الإسلام دين ونظام معياري وتشريعي يجب أن يؤطر جميع جوانب حياة المسلمين، سواء منها الأسرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية.

المؤشر 2: هل توافق أم لا توافق على العبارة التالية؟
“تعاني المجتمعات الغربية من فراغ روحي ومأزق أخلاقي لا يمكن علاجهما إلا عبر تبني القيم الأخلاقية والروحية للإسلام”.
– أوافق
– لا أوافق

المؤشر 3: هل توافق أم لا توافق على العبارة التالية؟
“لكي تُقبَل القواعد الإسلامية بشكل أفضل في المجتمع الفرنسي، يجب على المسلمين في فرنسا الانخراط سياسيًا داخل جمعيات إسلامية أو دعم الأحزاب أو المرشحين أو القوائم الانتخابية التي تدافع عن قيم الإسلام”.
– أوافق
– لا أوافق

الخلفيات المرجعية:
– يحيل المؤشر 1 إلى المفهوم الإخواني لــ “شمولية الإسلام”، الذي يرى أن الإسلام ليس مجرد معتقد يقتصر على الإيمان والعبادات والحياة الروحية الشخصية، بل “دين ودولة” يشتمل على إطار معياري وتشريعي شامل يجب أن يضبط حياة المسلم في جميع جوانبها (الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية) من الميلاد إلى الوفاة.
– يحيل المؤشر 2 إلى مفهوم “التمكين”، أي إلى المشروع الإخواني الرامي لـ “التمكين للإسلام في الأرض”، على نطاق عالمي شامل، بحجة أن القيم الإسلامية هي لوحدها الكفيلة بتقديم إجابة حضارية لإنقاذ الإنسانية من الفراغ الروحي والأزمات الأخلاقية المعاصرة.
– يحيل المؤشر 3 إلى استراتيجية ومنهجية “الإسلام السياسي” الساعية إلى فرض المفاهيم والتشريعات الإسلامية على نطاق عالمي شامل، من دون اللجوء إلى العنف (خلافا لتيارات “الإسلام الحرَكي”)، عبر أساليب التغلغل السياسي والجمعياتي والانتخابي الهادفة لزرع التفرقة الدينية والانفصالية الطائفية، بوصفهما أبرز الـدعائم التمهيدية لمشروع “التمكين”.
مواصفات المنتمين إلى الدائرة (أ):
تمثل هذه الدائرة الطيف الأوسع للفكر الإخواني، وتضم مسلمين محافظين متأثرين بالتغلغل المتزايد للأفكار والمفاهيم الإخوانية داخل المجتمعات و/أو الجاليات المسلمة، من دون أن يكونوا منضوين فعليا في صفوف الـجماعة. ويمكن أن نجد ضمن هذه الفئة، مثلا، مسلمين غير ملتزمين بالشعائر الدينية والعبادات، لكنهم يؤيّدون المنظور الإخواني القائل بأن “الإسلام دين ودولة”، أو يؤمنون بأن قيم الإسلام هي العلاج الوحيد للانحلال الأخلاقي والخواء الروحي المُفترض للمجتمعات الغربية الحديثة.
لذا، فإن المنتمين لهذه الدائرة الأوسع للفكر الإخواني:
- ليسوا إسلامويين مُؤدلجين، بل مسلمون محافظون على الصعيد الفكري والاجتماعي، وقد يكونون متدينين أو غير متدينين.
- ليسوا منضوين تنظيميا في صفوف الإخوان المسلمين، لكنهم يؤيدون خطابها السياسي ومساعيها ذات الطابع الطائفي، مما يدفعهم إلى ارتياد المساجد والمراكز الدينية الإخوانية (إن كانوا ملتزمين بممارسة الشعائر الدينية) أو المشاركة في الأنشطة الجمعياتية أو الخيرية الإخوانية (حتى لو لم يكونوا ملتزمين بممارسة الشعائر الدينية).
– الدائرة (ب): إسلامويون إخوانيو التوجّه “متعاطفون نشطون” مع الجماعة (فئة “الأخ المحبّ”)
يندرج ضمن هذه الدائرة (ب) من تتوفر فيهم المواصفات التالية:
– الانتماء إلى الدائرة (أ)؛
– القرب الفكري من الرؤية الإسلاموية لشخصية واحدة على الأقل من الشخصيات الإخوانية المظلَّلة بالأخضر في السؤال التالي:
المؤشر 4: هل تشعر بأنك شخصيًا منسجم مع رؤية الإسلام لدى الشخصيات التالية؟
نعم / لا / لا أعرفها بما فيه الكفاية لإبداء رأي
– الشيخ رفاعة الطهطاوي (مصر، 1801-1873)
– الشيخ محمد عبده (مصر، 1849-1905)
– الدكتور طه حسين (مصر، 1889-1973)
– الرئيس الحبيب بورقيبة (تونس، 1903-2000)
– الشيخ حسن البنّا (مصر، 1906-1949)
– الشيخ يوسف القرضاوي (مصر-قطر، 1926-2022)
– الرئيس محمد مرسي (مصر، 1951-2019)
– الدكتور طارق رمضان (سويسرا، 1962- إلى اليوم)

الخلفيات المرجعية:
– يحيل المؤشر 4 إلى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (حسن البنّا)، وإلى أبرز الوجوه الإخوانية المعاصرة (يوسف القرضاوي بوصفه المرجعية الفقهية الأبرز للتيارات الإخوانية العالمية، ومحمد مرسي بوصفه “رمزا جديدا” للمظلومية الإخوانية في العالم العربي، وطارق رمضان بوصفه الداعية الإخواني الأكثر شعبية في الدول الأوروبية).
مواصفات المنتمين إلى الدائرة (ب):
الدائرة (ب) هي الدائرة الإخوانية الثانية، وهي أضيق من الأولى وتعدّ بمثابة “ردهة الانتظار” التي يتم فيها فرز واختيار المرشحين للدخول إلى “النواة الصلبة” الإخوانية الأكثر سرية. وتضم هذه الدائرة (ب) إسلامويين مؤيدون للأيديولوجيا الإخوانية، ويرون في رموز الفكر الإخواني المرجعيات الفكرية الأقرب إليهم. لكن جماعة الإخوان المسلمين لن تقبل بهم كـ”أعضاء فاعلين” (فئة “الأخ العامل”) إلا إذا وجدت لديهم مواصفات من شأنها أن تقدّم إضافة نوعية للجماعة.
لذا، فإن المنتمين لهذه الدائرة (ب) هم:
- “متعاطفون نشطون” غير مؤطّرين رسميا داخل الخلايا السرّية التي تسمّيها التنظيمات الإخوانية بـ “الأُسَر” (أي العائلات، كما في عصابات المافيا)، لكنهم يدورون في فلك “حلقات الدعوة” الإخوانية، على نحو يشبه فئة “المتعاطفين” في الأحزاب الماركسية-اللينينية.
- ملتزمون بالفكر الإخواني ويشاركون في الأنشطة العلنية للتنظيمات الإخوانية، لكن الجماعة لم تقبلهم (أو لم تقم بعدُ بتزكيتهم) كـ “أعضاء فاعلين” من فئة “الأخ العامل”.
- هم بمثابة “عضلات” تستخدمها الجماعة لتوسيع قاعدة نشاطاتها العلنية ونشر فكرها، لكنهم لن يصبحوا “عقولًا” منضوية رسميا في البنى السرية الإخوانية المسماة بـ “الأُسَر” إلا إذا رأى مجنّدوهم بأن لديهم في مواهب أو مقدرات خاصة من شأنها أن تعود بالفائدة على الجماعة.
– الدائرة (ج): النواة الصلبة لـ “الأعضاء الفاعلين” في جماعة الإخوان المسلمين (فئة “الأخ العامل”)
يندرج ضمن هذه الدائرة (ج) من تتوفر فيهم المواصفات التالية:
– الانتماء إلى الدائرة B؛
– اختيار الأجوبة الثلاثة المظلَّلة بالأخضر على الأسئلة التالية، في آن معا:
المؤشر 5: هل توافق أم لا توافق على العبارة التالية؟
“للشريعة الإسلامية بُعد عالمي يقتضي تطبيقها في كل أنحاء العالم”،
– أوافق
– لا أوافق

[يُطرح المؤشر 6 الموالي فقط على الذين إجابوا بأن للشريعة بُعدا عالميا في المؤشر 5]
المؤشر 6: أي العبارتين التاليتين أقرب إلى رأيك؟
– يجب تطبيق الشريعة بالقوة والإكراه.
– يجب أن تُقام الشريعة تدريجيًا عبر الدعوة والتعليم والتوعية إلى أن تُصبح مقبولة من قبل غالبية المجتمع.

المؤشر 7: أي العبارتين التاليتين أقرب إلى رأيك؟
– الديمقراطية مفهوم غربي لا يتوافق مع مبادئ الإسلام.
– يمكن اعتماد الديمقراطية في المجتمعات و/أو الجاليات المسلمة بشرط تكييفها مع السياق ومبادئ الإسلام، مثل “الشورى” (استشارة الحاكم للرعيّة).

الخلفيات المرجعية:
– يحيل المؤشران 5 و6 إلى “استراتيجية التدرّج” المنصوص عليها في مفهوم “التمكين” الإخواني، الذي يتضمن ثلاث مراحل (دعوة —< تنظيم —< سلطة) ضمن مسار تدريجي نحو التمكين لتطبيق الشريعة على نطاق عالمي شامل.
– يحيل المؤشر 7 إلى المفهوم الإخواني لـ “الديمقراطية الوظيفية”، القائم على قبول قواعد اللعبة الديمقراطية (أحزاب، انتخابات، حكومات قائمة على مبدأ الأغلبية…)، واستعمالها كأداة وظيفية للوصول إلى الحكم، مع رفض الفكر الليبرالي الذي يشكّل أساس الديمقراطية (احترام الأقليات، فصل السلطات، التداول على الحُكم، حرية التعبير والمعتقد…) بحجة ضرورة “تأصيل الديموقراطية”، أي تكييف الديمقراطية مع السياق والمفهوم الإسلاميين.
مواصفات المنتمين إلى الدائرة (ج):
الدائرة (ج) هي الدائرة الأضيق التي تشكّل النواة الصلبة للتنظيمات الإخوانية. المنتمون لهذه الفئة إسلامويون مؤدلجون ونشطاء إخوانيون قاموا بأداء طقوس البيعة رسميًا للجماعة. وبحكم التزامهم بالسرية، يمارسون “التقيّة” ولا يعترفون علنا بانتمائهم الإخواني.
لذا، فإن المنتمين لهذه الدائرة (ج) هم:
- النشطاء الإخوانيون الأكثر صلابة الذي يشكّلون “عقول” الدائرة الإخوانية الأضيق التي تُدار من قِبلها الدائرتان الأخريان اللتان تضمّان المتعاطفين (الخارجيين والنشطين) الذين يُستخدمون من قبل الجماعة كـ”عضلات”.
- إسلامويون متعصّبون يسعون لتطبيق الشريعة على صعيد عالمي شامل. لكنهم – خلافًا للجهاديين أو التكفيريين – لا يسعون إلى تحقيق ذلك بالعنف، بل بالتدرّج عبر المراحل الثلاث التي نظّر لها الأب المؤسّس للإخوان المسلمين، حسن البنّا (دعوة —< تنظيم —< سلطة).
- على غرار الحركات الجهادية، الهدف النهائي لهذه النواة الصلبة الإخوانية يتمثّل في إقامة “دولة إسلامية (خلافة) عالمية”، لذا تُوصف استراتيجيتهم بأنها نوع من “الجهادية منخفضة الضجيج”.
- يتمثّل حجر الزاوية بعملهم السياسي في السعي لكسب الاحترام، عبر إظهار “الاعتدال” و”الوسطية”، حيث يقدّمون أنفسهم للمجتمعات الغربية بوصفهم “ديمقراطيين إسلاميين” (في مقارنة تعسفية مع تيارات “الديمقراطيين المسيحيين”)، لكنهم ينظرون إلى الديمقراطية كمجرد “وسيلة وظيفية” للوصول إلى الحكم: “الديمقراطية مثل الباص الذي نركبه عند الحاجة، لكننا عندما نصل إلى وجهتنا ننزل منه!”، وفقا للعبارة الشهيرة للرئيس الإخواني التركي رجب طيب أردوغان.
ثالثا: تحليل نتائج الاستبيان

– الدائرة (أ): مسلمون محافظون “متعاطفون خارجيون” مع الإخوان المسلمين
بخصوص هذه الدائرة لا تتطابق نتائج المقاربتين (الاستبيان المباشر/مؤشر التغلغل السري للإخوان): فعدد المتعاطفين الخارجيين الذين يصرِّحون تلقائيًا بقربهم من التيارات الإخوانية أو من فكر الإخوان المسلمين – حين تم سؤالهم بشكل محدّد ومباشر عن ذلك (راجع ص ) – يمثّل 23 إلى 24% من مسلمي فرنسا، أي ما بين 874,000 و912,000 شخص.

لكن عندما استطلعنا آراءهم – عبر الاستبيان غير المباشر المتعلق بمؤشر التغلغل السري للإخوان المسلمين – حول مدى تبنيهم الأيديولوجيا الإخوانية ومعرفتهم الفعلية برموزها والمفاهيم المؤسِّسة لها، لا تتجاوز نسبتهم 9.7%، أي 193,800 شخص.
ويُفسَّر هذا الفارق بأن الفئة الأوسع من المتعاطفين – الذين تم استطلاع آرائها عبر الاستبيان المباشر – عبّروا عن تعاطف عفوي مع الإخوان المسلمين من دون أن يكونوا بالضرورة على تماس تنظيمي/عملي مع الجماعة. وهم في أغلبيتهم الساحقة ليسوا أتباعًا حقيقيين للفكر الإخواني، لأنهم لا يعرفون/لا يقرأون أدبياته الأساسية، كما يتّضح ذلك من خلال الأجوبة على الاستبيان غير المباشر . وفضلا عن ذلك، لا يقول سوى نصفهم فقط (13% من مسلمي فرنسا في سن الـ 15 سنة فما فوق، أي 494,000 شخص) إنهم متعاطفون مع جمعية “مسلمو فرنسا” (Musulmans de France) (إتحاد الجمعيات الإسلامية في فرنسا سابقا) مع أنها تُمثّل الفرع الفرنسي للإخوان المسلمين!

هذه الفئة من “المتعاطفين الخارجيين” يشعرون بالتعاطف مع الجماعة بفعل تأثيرات “استراتيجية المظلومية” الإخوانية المتمثلة في تقمّص دور الضحيّة، وتصوير أي نقد أو هجوم تجاه التنظيمات الإخوانية بوصفه “إسلاموفوبيا” معادية للإسلام ولكافة المسلمين. لذا، لم يكن من قبيل المصادفة أن الفرع الفرنسي للإخوان اختار – عن قصد – تسمية نفسه “مسلمو فرنسا” لكي يسهل إيهام الناس بأن أي قيود أو انتقادات موجّهة لهم هي بمثابة عداء لجميع مسلمي فرنسا.
أما المتعاطفون المقرّبون فعليا من الجماعة، والذين تم رصدهم عبر الاستبيان غير المباشر المتعلق بمؤشر التغلغل السري الذي يسمح بكشف الانتماء الإخواني حتى عند من يُراد لهم إخفاؤه، فإنهم يمثّلون فئة أصغر لا تضم سوى “المتعاطفين الخارجيين” الذين تأثروا فعليًا بالفكر الإخواني وأصبحوا من أتباعه. وهذه الفئة هي التي تمثل “ردهة الانتظار” المؤدية إلى الدائرة الثانية الإخوانية، أي البيئة الأيديولوجية التي يُستقطب ويُختار منها لاحقا “المتعاطفون النشطون” من فئة “الأخ المُحِبّ”.
– الدائرة (ب): إسلامويون إخوانيو التوجّه “متعاطفون نشطون” مع الجماعة (فئة “الأخ المحبّ”)
يبيّن “مؤشّر التغلغل السرّي للإخوان المسلمين” بأن المتعاطفين النشطين” (فئة “الأخ المحبّ”) يمثّلون 2.4% من مسلمي فرنسا، أي 91,200 شخص. ورغم أنهم غير مؤطّرين ضمن الخلايا السرية (“الأُسر”) الإخوانية، إلا أنهم يشكّلون القطاع الأكبر من القوى المشاركة في تأطير الأنشطة العلنية للجماعة ونشر أفكارها وأدبياتها.

– الدائرة (ج): النواة الصلبة لـ “الأعضاء الفاعلين” في جماعة الإخوان المسلمين (فئة “الأخ العامل”)
يكشف “مؤشّر التغلغل السرّي للإخوان المسلمين” بأن هذه الدائرة الإخوانية الأضيق، التي تضمّ النواة الصلبة لـ“الأعضاء الفاعلين” (فئة “الأخ العامل”)، تمثّل 2.2% من مسلمي فرنسا الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر، أي حوالي 83,600 شخص. وهذا العدد أعلى بكثير من تقديرات أجهزة الاستخبارات الفرنسية التي تشير إلى 500–600 عضوًا ينتمون إلى هذه النواة الصلبة الإخوانية، وفق ما ورد في التقرير وزارة الداخلية الفرنسية حول تغلغل الإسلاموية السياسية والإخوان المسلمين، الذي نُشر في شهر مايو 2025.
ويُفسَّر هذا الفارق الشاسع بالسرية المحكمة والانغلاق الشديد للخلايا/“الأُسر” الإخوانية. فالمعروفون لأجهزة الأمن الفرنسية بوصفهم أعضاء في النواة الصلبة للإخوان المسلمين لا يمثّلون في الواقع سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد: أي أولئك الذين يتولون مناصب مسؤولية رسمية داخل منظمات أو جمعيات أو مساجد أو مراكز ثقافية مرتبطة بالإخوان. وهذه الوظائف تجعل انتماءهم الإخواني أمرا مكشوفا – وإن كانوا لا يعترفون به رسميا – مما يسهّل التعرّف عليهم من قبل أجهزة الاستخبارات أو وسائل الإعلام أو مراكز الأبحاث التي تقوم بتحقيقات حول التيارات الإخوانية.
أما المكوّنات والأنشطة الداخلية الخاصة للخلايا /”الأُسر” الإخوانية، فإنها محاطة بالسرية المطلقة، ويُراد لها أن تبقى على الدوام بمثابة الجزء المغمور من جبل الجليد: أعضاؤها لا يشغلون أي وظائف رسمية، ولا يظهرون في الأنشطة أو الهياكل العلنية للتنظيم. وهؤلاء هم الذين يقع على عاتقهم القدر الأكبر من العمل السري المتعلق بالدعوة الإخوانية وزرع الاتفصالية الدينية والطائفية تمهيدا لـ “أسلمة” المجتمع الفرنسي.
















