بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

استبعاد “فيميسو” يكشف التحول الأوروبي العميق في مواجهة شبكات الإسلام السياسي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

أدخل الإعلان عن استبعاد “منتدى المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة في أوروبا” المعروف اختصاراً بـ”فيميسو” من أنشطة البرلمان الأوروبي، المواجهة مع شبكات الإسلام السياسي إلى مساحة أكثر حساسية من ملفات الأمن والهجرة: تحديد الجهات التي يحق لها الوصول إلى مؤسسات الاتحاد والتحدث باسم المسلمين الأوروبيين داخلها.

لكن الواقعة نفسها لم تكتمل مؤسسياً بعد. ففي الثامن من يوليو/تموز 2026، أعلنت النائبة الفرنسية ماريون ماريشال أن مكتب البرلمان الأوروبي قرر، خلال اجتماعه في اليوم السابق، استبعاد “فيميسو” من أنشطة المؤسسة، بدءاً من فعالية الشباب الأوروبي المقبلة. وقدمت ماريشال الخطوة باعتبارها انتصاراً على نفوذ جماعة “الإخوان المسلمين” داخل المؤسسات الأوروبية.

في المقابل، قالت المنظمة إنها لم تتلقَّ أي إخطار رسمي من البرلمان، ولم تُبلغ بوجود إجراء يجري بحقها، أو تُدعَ إلى الرد على الاتهامات. وحتى 16 يوليو/تموز، لم ينشر البرلمان بياناً يوضح نطاق القرار أو أسبابه أو المعايير التي استند إليها. كما طالبت عشرات المنظمات المدنية وعدد من النواب الأوروبيين بكشف محضر الاجتماع وتوضيح الأساس الإجرائي للاستبعاد.  

قرار سياسي ينتظر وثيقته

هذه الفجوة بين الإعلان السياسي والتوثيق المؤسسي ليست تفصيلاً إجرائياً. فالحديث لا يدور عن حظر قانوني للمنظمة أو تصنيفها كياناً متطرفاً، بل عن سحب إمكانية الوصول إلى أنشطة البرلمان الأوروبي. ومع ذلك، فإن مثل هذا القرار، إذا تأكد، قد يضع سابقة في طريقة تعامل المؤسسة مع منظمات المجتمع المدني التي تدور حولها شبهات أيديولوجية من دون أن تكون محظورة قضائياً.

تكمن حساسية القضية في أن “فيميسو” ليست جمعية محلية محدودة، بل شبكة تأسست عام 1996 وتقول إنها تضم عشرات المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة في أكثر من عشرين دولة أوروبية. وقد شاركت خلال السنوات الماضية في فعاليات أوروبية رسمية، بينها فعالية الشباب الأوروبي، وبنت حضورها من خلال خطاب يركز على مكافحة التمييز والإسلاموفوبيا، وتمكين الشباب وحرية المعتقد.

أتاح هذا الخطاب للمنظمة التحرك داخل مساحات مؤسسية لا تقوم على التمثيل الديني المباشر، بل على الشراكة المدنية والمشاركة الشبابية. وهنا تحديداً نشأ الخلاف: هل تمثل “فيميسو” صوتاً مدنياً لمسلمين أوروبيين يعانون التمييز، أم تشكل واجهة مؤسسية أكثر مرونة لشبكة أيديولوجية أوسع؟

التقرير الفرنسي يغيّر قواعد النقاش

اكتسبت الاتهامات الموجهة إلى المنظمة ثقلاً سياسياً أكبر بعد نشر التقرير الفرنسي الرسمي عن “جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا” في مايو/أيار 2025. التقرير وصف “فيميسو” بأنها الذراع الشبابية لـ”مجلس مسلمي أوروبا”، الاسم الجديد لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، واعتبرها مساحة لتأهيل كوادر شابة قادرة على التعامل مع المؤسسات الأوروبية بلغة الحقوق والحريات.

هذه الخلاصات لا تشكل حكماً قضائياً، لكنها نقلت الاتهامات من كتابات الباحثين ومواقف أحزاب اليمين إلى وثيقة حكومية رسمية. كما ساهم التقرير في توسيع النقاش خارج فرنسا، ودفع دولاً، بينها السويد، إلى مراجعة طبيعة حضور شبكات الإسلام السياسي وآليات تمويل بعض المؤسسات الدينية والمدنية.  

تنفي “فيميسو” وجود أي ارتباط تنظيمي أو أيديولوجي بجماعة “الإخوان المسلمين”، وتتهم خصومها بدمج النشاط الإسلامي المدني بالتطرف. لكن النفي لا يحسم وحده الأسئلة المتعلقة بتاريخ العلاقات بين مؤسسي الشبكة وكيانات إسلامية أوروبية، كما أن ورود الاتهامات في تقرير حكومي لا يحولها تلقائياً إلى إدانة قانونية.

المشكلة الأوروبية هنا أعمق من إثبات علاقة تنظيمية مباشرة. فالشبكات الأيديولوجية الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى هرم قيادي أو عضوية معلنة كي تنتج خطاباً متقارباً وتنسق أولوياتها وتدفع بفاعلين جدد إلى المؤسسات. وفي الوقت نفسه، فإن توسيع مفهوم الارتباط إلى درجة تشمل التشابه الفكري أو العلاقات التاريخية وحدها قد يجعل أي منظمة إسلامية عرضة للإقصاء السياسي بلا معيار قابل للقياس.

من مكافحة التطرف إلى تدقيق الشركاء

منذ الهجمات التي تعرضت لها مدن أوروبية خلال العقد الماضي، توسع النقاش من مواجهة الإرهاب المسلح إلى البحث في البيئات التنظيمية والفكرية التي يمكن أن تمنح التطرف شرعية أو حاضنة اجتماعية. قادت فرنسا المسار الأكثر تشدداً تحت عنوان مواجهة “الانعزال الإسلاموي”، بينما وضعت أجهزة أمنية أوروبية جمعيات وكيانات إسلامية محددة تحت المراقبة.

لكن الانتقال من الرقابة الأمنية الوطنية إلى استبعاد منظمة من أنشطة البرلمان الأوروبي يمثل مستوى مختلفاً من المواجهة. فالسؤال لم يعد فقط عما إذا كانت جهة ما تشكل خطراً أمنياً، بل عما إذا كانت مؤهلة لتكون شريكاً مدنياً، وتحصل على منصة عامة، وتشارك في صياغة النقاش المتعلق بالتمييز والهوية وحقوق المسلمين.

إذا تأكد قرار مكتب البرلمان، فلن يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي تبنى موقفاً موحداً من “الإسلام السياسي”. مؤسسات الاتحاد ودوله لا تزال تختلف في تعريف الظاهرة وفي الحدود الفاصلة بين التدين المحافظ، والنشاط الإسلامي المدني، والعمل الأيديولوجي المنظم. لكنه سيشير إلى أن الشكوك التي كانت محصورة في بعض الحكومات والأجهزة الوطنية بدأت تؤثر في سياسات الوصول والشراكة داخل المؤسسة الأوروبية نفسها.

اختبار للأدلة لا للنوايا

إقصاء منظمة بسبب صلات محتملة بشبكة أيديولوجية لا يمكن أن يعتمد على الانطباع السياسي وحده. فإذا كانت لدى البرلمان وثائق تثبت تعارض نشاط “فيميسو” مع قيم الاتحاد أو شروط المشاركة، فإن نشر الأساس الذي بُني عليه القرار يصبح ضرورياً لحماية صدقيته. أما إبقاء القرار محجوباً وترك الإعلان عنه لنواب ينتمون إلى اليمين، فيمنح المنظمة فرصة لتقديم نفسها ضحية لحملة سياسية، ويضعف الحجة التي يفترض أن القرار اتُّخذ على أساسها.

في المقابل، لا يكفي استدعاء الإسلاموفوبيا لإغلاق باب التدقيق. فمكافحة التمييز لا تمنح أي منظمة حصانة من مراجعة مصادر تمويلها وعلاقات قياداتها وخطابها الداخلي ومدى تطابق ممارساتها مع الصورة الحقوقية التي تقدمها للمؤسسات.

لذلك، لا تتعلق القضية بالمفاضلة بين التساهل والإقصاء، بل ببناء معيار يمكن تطبيقه على جميع الشركاء المدنيين: شفافية التمويل، استقلال القرار، وضوح العلاقات التنظيمية، الالتزام بحقوق الأفراد، وإتاحة فرصة الرد قبل اتخاذ إجراءات تمس المشاركة المؤسسية.

معركة النفوذ لم تُحسم

حتى إذا تأكد استبعاد “فيميسو”، فلن يؤدي ذلك تلقائياً إلى إنهاء نفوذ الشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي. التنظيمات الأيديولوجية قادرة على إعادة التموضع، وتغيير الأسماء، والعمل عبر تحالفات مدنية وحقوقية يصعب ربطها ببنية مركزية واحدة. ولهذا، فإن سياسة تقوم على إقصاء الأسماء من دون فهم شبكات العلاقات قد تنتج تغييراً شكلياً، لا تحولاً فعلياً.

وفي الاتجاه المقابل، فإن تحويل كل نشاط إسلامي منظم إلى تهديد أمني أو مؤسسي سيدفع المنظمات المسلمة بعيداً عن المجال العام، ويمنح التيارات الأكثر تشدداً دليلاً جاهزاً على أن المشاركة الديمقراطية لا توفر الحماية أو الاعتراف.

قضية “فيميسو” لم تصبح بعد “زلزالاً أوروبياً”. لكنها تكشف أن معركة النفوذ انتقلت إلى داخل مؤسسات الاتحاد، وأن المرحلة المقبلة ستدور حول من يملك حق تمثيل المسلمين الأوروبيين، ومن يحدد شرعية هذا التمثيل، وما مقدار الأدلة المطلوبة قبل إغلاق أبواب المؤسسات أمام منظمة مدنية.

القرار النهائي للبرلمان، ومحضره وأسبابه، هو ما سيحدد ما إذا كانت الواقعة بداية سياسة أوروبية أكثر صرامة في تدقيق الشركاء، أم حلقة جديدة في صراع سياسي تستخدم فيه اتهامات الإسلام السياسي والإسلاموفوبيا بصورة متبادلة، بينما تبقى المعايير المؤسسية غائبة.