على مدى العقدين الماضيين، تعامل الاتحاد الأوروبي مع منظمات المجتمع المدني بوصفها شريكاً مركزياً في تعزيز التعددية، ومكافحة التمييز، وحماية حقوق الأقليات. غير أن هذا الانفتاح المؤسسي، الذي استند إلى افتراض حسن النية، أظهر في حالات محددة ثغرات استغلتها شبكات أيديولوجية مرتبطة بالإسلام السياسي، وعلى رأسها الدوائر القريبة من جماعة الإخوان المسلمين، أو ما بات يُعرف في الأدبيات الحديثة بـ«الأخوية».
تقريرٌ حديث صادر عن مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين (ECR) في البرلمان الأوروبي، لم يكتف بتوصيف الظاهرة، بل قدّم تفكيكاً أيديولوجياً، وتنظيمياً، ومالياً، أوضح من خلاله كيف تعمل “الأخوية” كمنظومة شبكية مرنة، تتجاوز التنظيم التقليدي لجماعة الإخوان، لتشمل طيفاً واسعاً من المنظمات والأفراد. بعضهم واعٍ تماماً بدوره، وبعضهم الآخر يعمل، من دون قصد، في خدمة أجندة أيديولوجية بعيدة عن القيم الليبرالية الأوروبية.
في أوروبا، تتخذ جماعة الإخوان المسلمين شكل الذئب المتخفي في ثياب الحمل، متجنبةً العنف ومتخذةً واجهةً براغماتيةً ناعمة. يتظاهرون بأنهم إصلاحيون، حريصون على العمل ضمن الأنظمة القائمة والتفاعل مع الحكومات والمجتمع. لكن يجب ألا ننخدع، فهذا التحول التكتيكي ليس تغييراً في الفكر، فهدفهم النهائي لا يزال تفكيك المؤسسات الديمقراطية العلمانية في أوروبا وإقامة نظام ثيوقراطي متجذر.
من التنظيم إلى المنظومة: مفهوم “الأخوية”
لا يركّز التقرير على تنظيم الإخوان المسلمين بصيغته الكلاسيكية فقط، بل ينطلق من مقاربة أوسع تعتبر أن التحدي الحقيقي يكمن في منظومة شبكية مرنة تتجاوز العضوية التنظيمية الرسمية. هذه المنظومة تضم أفراداً ومؤسسات تتشارك مرجعيات فكرية وأهدافاً عامة، حتى وإن اختلفت الواجهات القانونية أو الخطاب العلني.
هذه المنظومة تقوم على ثلاث دوائر متداخلة: دائرة العضوية التنظيمية الصريحة، ودائرة الانخراط السري أو غير المعلن، ودائرة ثالثة من الفاعلين الذين يعملون داخل منظمات متأثرة بالفكر الإخواني من دون انتماء تنظيمي مباشر. وتتيح هذه البنية المرنة للأخوية التكيف مع البيئات السياسية المختلفة في أوروبا، والعمل داخل أنظمة ديمقراطية، مع تبنّي خطاب ظاهره الاعتدال وباطنه مشروع هوياتي انفصالي.
الجذور الفكرية: المودودي والقرضاوي و”الاعتدال الزائف”
يفرد التقرير حيزاً مهماً لتتبع الأسس الفكرية للأخوية الحديثة، بصياغة شخصيتين محوريتين، الأولى أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند إبان الحقبة الاستعمارية، والذي كان له تأثيرٌ بالغٌ في فكر جماعة الإخوان المسلمين وتطورها في أوروبا. ورغم أنه لم يكن عضواً رسمياً في التنظيم، إلا أن مفهومه عن “الإسلام النظامي”، الذي يُشدد على اكتفاء الإسلام الذاتي وقدرته على توفير التوجيه لجميع جوانب الحياة البشرية في العالم، لاقى صدىً عميقاً لدى رؤية الجماعة لحكم إسلامي عالمي.
والشخصية الثانية يوسف القرضاوي، الذي لعب دوراً محورياً في صياغة فكر جماعة الإخوان المسلمين وتطويرها منذ انضمامه المبكر إليها في منتصف القرن العشرين وحتى وفاته عام 2022. ترتكز إسهاماته الفكرية على مفهوم الوسطية، الساعي إلى تحقيق التوازن بين القيم الإسلامية التقليدية واحتياجات المجتمع المعاصرة من خلال رؤية “معتدلة” للإسلام ذات توجه سياسي.
لقد أتقنت مدرسة “الاعتدال” استخدام لغة حقوق الإنسان والديمقراطية، مع تفريغها من مضمونها الحقيقي، وإعادة تعبئتها بمعانٍ أيديولوجية إسلاموية، ما يخلق التباساً دائماً بين الدين كهوية فردية، والإسلاموية كمشروع سياسي.
بوابات التمويل الأوروبي: المسؤولية دون مساءلة
شرح التقرير آليات تمويل الاتحاد الأوروبي، مميزاً بين الإدارة المباشرة والمشتركة وغير المباشرة. ورغم اختلاف هذه الآليات، هناك تأكيد على أن المفوضية الأوروبية تحتفظ، نظرياً، بالمسؤولية النهائية عن حسن إدارة الأموال واحترام القيم الأوروبية. لكن عملياً، يكشف التقرير عن خلل بنيوي في آليات التدقيق، لا سيما فيما يتعلق بفحص الخلفيات الأيديولوجية للمنظمات المستفيدة.
ففي كثير من الحالات، تُبنى قرارات التمويل على قرارات ذاتية، وفحوص شكلية للأنظمة الداخلية، دون تحقيق فعلي في شبكات الارتباط، أو في طبيعة القيادات، أو الخطاب غير المعلن. هذا الخلل لا يعني غياب القوانين، بل سوء تطبيقها، وتحويل الرقابة القيّمة إلى إجراء شكلي يفتقر إلى العمق والمساءلة.
منظمات محورية في شبكة “الأخوية” الأوروبية
أشار تقرير “مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين” إلى حالات لمنظمات حصلت على تمويل أوروبي كبير، أو تمتعت بشرعية مؤسسية، رغم ارتباطها الواضح بشبكات إخوانية أو بخطاب “الأخوية”، أبرزها:
- منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية (IRW)
قلّما حظيت منظمات بدعم سخي من الاتحاد الأوروبي مثل دعم منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية وفروعها الوطنية، مع أكثر من 40 مليون يورو من المِنح خلال الفترة ما بين 2007 و2020.
وبينما تنفي (IRW) أي انتماء لها، إلا أن هناك روابط تنظيمية وشخصية واسعة النطاق بين هذه المؤسسة وشبكة الإخوان المسلمين الأوروبية. وغالباً ما تُدار فروع المنظمة من قبل أفراد مرتبطين بكيانات أخرى تابعة للجماعة. ورغم علاقاتها تلك، والتي أظهرتها على نطاق واسع أبحاث مستقلة وتقارير حكومية وتحليلات استخباراتية، لم تكلف المفوضية الأوروبية نفسها عناء معالجة هذا الجانب، واكتفت بالإشارة إلى “دعم الإرهاب” و”معاداة السامية” كأساس محتمل للاستبعاد. وهذا يُظهر ضمنياً أن المفوضية لا تعتبر الولاء أو الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، في حد ذاته، عاملاً مُقصياً عن صرف مساهمات الاتحاد الأوروبي.
- الشبكة الأوروبية لمناهضة العنصرية (ENAR)
تُعرّف الشبكة نفسها بأنها “شبكة أوروبية شاملة لمناهضة العنصرية” تعمل على القضاء على العنصرية والتمييز البنيويين في جميع أنحاء أوروبا، وإحداث تغيير حقيقي في حياة الأقليات العرقية والدينية، علماً أن العديد من المنظمات الأعضاء فيها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحركة الإخوان المسلمين العالمية.
حصلت (ENAR) على تمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة 23 مليون يورو خلال الفترة من 2007 إلى 2020. وهي موجودة باستمرار كشريك ومستشار في مبادرات مختلفة ترعاها المفوضية الأوروبية أو وكالات الاتحاد الأوروبي. ترأس الشبكة من عام 2010 إلى عام 2021 مايكل بريفو، العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين، والذي تبرأ لاحقاً من انتمائه إليها.
- الاتحاد الإسلامي الأوروبي (EMU)
يُعتبر الاتحاد الإسلامي الأوروبي، ومقره فرنسا، جزءاً من شبكة الإخوان المسلمين. أسسه الألماني أندرياس أبو بكر ريغر، الذي اعتنق الإسلام، واشتهر بإشادته الصريحة بالمحرقة عام 1993. لم يُثر أي من هذا شكوك مُقيّمي الاتحاد الأوروبي، الذين منحوا (EMU) أكثر من مليون يورو عبر 16 مشروعاً ضمن برنامج “إيراسموس”، من بينها مشروع “لنضع حداً للإسلاموفوبيا”.
- منتدى منظمات الشباب والطلاب المسلمين في أوروبا (FEMYSO)
يضم في بنيته القيادية شخصيات تنتمي إلى عائلات محورية في الحركة الإخوانية الدولية. وبممثلين من 32 منظمة عضو في 22 دولة أوروبية، يجسد المنتدى رؤية الإخوان المسلمين العالمية الرامية إلى تعزيز الروابط العابرة للحدود، وتوفير منصة لتطوير هوية إسلامية أوروبية موحدة. ورغم التحذيرات الأمنية في بعض الدول، استفاد المنتدى من تمويل أوروبي بنحو 290 ألف يورو، ومن اعتراف مؤسسي مكّنه من لعب دور فاعل في النقاشات المتعلقة بالشباب والتطرف.
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (ECFR)
يتخذ هذا المجلس، ومقره دبلن، هيئة فقهية تُصدر فتاوى لمساعدة المسلمين الأوروبيين على التوفيق بين الشريعة الإسلامية والحياة في المجتمعات غير المسلمة. أسسه القرضاوي، ويرتبط العديد من أعضائه بكيانات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين.
- المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)
شبكة من المؤسسات التعليمية في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وفنلندا، تُدرِّب الأئمة وعلماء الدين، وتُروّج لتفسير إسلام يتماشى مع فكر جماعة الإخوان المسلمين. حرّضت على التمييز والكراهية والعنف ضد فئات مختلفة في المجتمع، وروّجت لأيديولوجيات متطرفة، ودعمت منظمات إرهابية متعددة. يُذكر أن الحكومة الفرنسية حلّت فرعهم الرئيسي في فرنسا في سبتمبر 2025.
- مؤسسة أوروبا الخيرية (Europe Trust)
يقع مقرها الرئيسي في المملكة المتحدة، مع فروع في دول أوروبية مختلفة. تنشط في مجال التمويل، وخاصة الاستثمارات العقارية.
- المنتدى الأوروبي للنساء المسلمات (EFOMW)
تأسس المنتدى عام 2005 تحت رعاية اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، الهيئة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين والتي تُعرف الآن باسم “مسلمي فرنسا”. وشارك في مشاريع ممولة أوروبياً، قبل أن يُحلّ في فرنسا عام 2023، في حين استمرت آثاره وشبكاته متغلغلة داخل الإطار الأوروبي.
“الإسلاموفوبيا” كأداة اختراق
يرى التقرير أن مفهوم “الإسلاموفوبيا” هو الأداة الأنجع في يد الإخوان المسلمين لتوسيع نفوذهم. فالمصطلح، يفتقر إلى تعريف علمي دقيق، لكنه يُستخدم لتجريم أي نقد للإسلام السياسي، وخلط الأيديولوجيا بالدين، والسياسة بالهوية.
من خلال هذا الإطار، تمكنت منظمات مرتبطة بالإخوان من التأثير في السياسات الأوروبية لمكافحة التطرف، وإعادة تعريفه بوصفه نتيجة “تمييز بنيوي”. كما أن هناك عدداً من المشاريع الأوروبية الممولة تحت عنوان مكافحة “الإسلاموفوبيا” التي لم تكن محايدة أيديولوجياً، واستهدفت المدارس والمجتمع المدني، وساهمت في ترسيخ سردية تعتبر الإسلاموية جزءاً من الهوية، ونزع الطابع السياسي عنها، مع تصوير أي اعتراض بوصفه انحيازاً عدائياً.
التقاء “الأخوية” مع شبكات أخرى.. الحالة الإيرانية
يُحذر التقرير من تقاطعات خطيرة بين شبكات إخوانية وأخرى مرتبطة بإيران، حيث حصلت منظمات خاضعة لمراقبة أمنية على تمويلات أوروبية تحت لافتة “مكافحة التطرف”، رغم تبنيها خطاباً معادياً للديمقراطية، ولحقوق المرأة، وللأقليات.
,من الأمثلة اللافتة على دعم الاتحاد الأوروبي لمنظمة إسلامية تعمل كوسيط بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران، جمعية الطوائف الشيعية في ألمانيا (IGS)، التي تأسست عام 2009 كاتحاد لمنظمات شيعية تحت إشراف آية الله رضا رمضاني جيلاني، عضو مجلس خبراء الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو الهيئة العليا التي تنتخب المرشد الأعلى، بل وتستطيع عزله.
وفي فرنسا، يرتبط مركز “الزهراء”، الذي تشتبه السلطات الفرنسية في دعمه لأنشطة إرهابية، بإيران وحزب الله. ورغم عدم وجود روابط موثّقة، يتشارك المركز مواقف مماثلة مع منظمات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين بشأن قضايا مثل فلسطين و”المقاومة”.
إخفاق أوروبي في الفهم والاستجابة
إن المشكلة، بحسب تقرير (ECR)، لا تكمن في غياب القوانين، بل في سوء فهم طبيعة الإسلام السياسي غير العنيف، والخلط بين حرية الدين والأيديولوجيا السياسية، إضافة إلى الخشية السياسية من الاتهام بالعنصرية أو بالتمييز. وهذا الإخفاق، أتاح لجماعة الإخوان المسلمين، أو “الأخوية”، أن تتحول من هامش أيديولوجي إلى فاعل مؤثر داخل النقاش العام الأوروبي.
وبين الدفاع عن القيم وحماية الديمقراطية، يرسم التقرير صورة قاتمة لكنها تحذيرية: الاتحاد الأوروبي، في سعيه المشروع لحماية الأقليات ومكافحة التمييز، سمح، عن غير قصد، بتمكين شبكات دينية لا تؤمن جوهرياً بالقيم الليبرالية التي يقوم عليها المشروع الأوروبي. مع التأكيد على أن مواجهة هذا التحدي يتطلب وضوحاً مفاهيمياً، وصرامة مؤسسية، وفصلاً دقيقاً بين الدين كحق فردي، والإسلاموية كتشريع سياسي. من دون ذلك، سيبقى الاختراق ناعماً، لكنه عميق الأثر، وطويل المدى.















