بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

أمن قومي

اختراق التمويل العابر للحدود يدفع السويد نحو أكبر مواجهة تشريعية مع شبكات “الإسلام السياسي” والنفوذ الأجنبي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تكشف السويد عن تحول واضح في مقاربتها لملف التمويل الأجنبي الموجّه إلى الجمعيات الدينية والمدنية، في خطوة تعكس تغيراً أعمق في فهم مصادر التهديد داخل المجتمعات الأوروبية. فبعد سنوات من التركيز على التنظيمات الإرهابية والجماعات التي تمارس العنف بشكل مباشر، باتت ستوكهولم تنظر بصورة متزايدة إلى التمويل العابر للحدود بوصفه أداة محتملة لبناء نفوذ أيديولوجي وسياسي واجتماعي طويل الأمد داخل المجال الديمقراطي.

يأتي هذا التحول في أعقاب تحقيق حكومي سويدي واسع كشف عن حجم التدفقات المالية الأجنبية التي دخلت البلاد خلال السنوات الأخيرة عبر قنوات دينية ومدنية مختلفة، ما دفع الحكومة إلى إعداد مشروع قانون يمنح السلطات صلاحيات غير مسبوقة لمراقبة مصادر الأموال الأجنبية ومنع التمويلات التي يُعتقد أنها تشكل خطراً على النظام الديمقراطي أو الأمن القومي.

مليارات خارج الرقابة

أثار التحقيق الذي قاده المحقق الحكومي مايكل مولكفيست اهتماماً واسعاً بعدما كشف أرقاماً اعتبرها مراقبون مؤشراً على محدودية الرقابة التي كانت مفروضة على التمويل الخارجي. ووفق نتائج التحقيق، تلقت المجتمعات الدينية في السويد خلال الفترة الممتدة بين العامين 2020 و2025 ما يقارب 3.5 مليار كرونة سويدية (نحو 333 مليون دولار أمريكي) من مصادر أجنبية، بينما حصلت الجمعيات والمنظمات المدنية وغير الربحية على نحو 21 مليار كرونة سويدية (قرابة ملياري دولار أمريكي) خلال الفترة نفسها.

لا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها المالي فقط، بل في أن السلطات السويدية لم تكن تمتلك الأدوات القانونية الكافية لمعرفة الأهداف الحقيقية لبعض هذه التدفقات أو التدقيق في خلفيات الجهات المانحة بصورة شاملة. وقد أدى ذلك إلى ظهور مساحات رمادية استغلتها جهات مختلفة للعمل بعيداً عن الرقابة الفعلية، مستفيدة من القوانين التي أعطت أولوية لحرية التنظيم والعمل المدني.

وتشير القراءة الأمنية الأوروبية إلى أن بعض شبكات النفوذ الأيديولوجي لا تعتمد على النشاط السياسي المباشر، بل تفضل الاستثمار التدريجي داخل المؤسسات الدينية والثقافية والخيرية، بما يسمح لها بتوسيع حضورها الاجتماعي وبناء قواعد تأثير طويلة المدى.

الإسلاموية في الواجهة

أحد أبرز أبعاد النقاش الدائر في السويد يتعلق بالتمويل المرتبط بتيارات الإسلام السياسي. الحكومة السويدية لم تعد تنظر إلى الخطر من زاوية الإرهاب وحده، بل باتت تركز أيضاً على الجهات التي تعمل على نشر أفكار مناهضة للديمقراطية أو تشجع على بناء هويات ومرجعيات موازية لسلطة الدولة.

في هذا السياق، برز اسم “جماعة الإخوان المسلمين” في عدد من النقاشات السياسية والأمنية الأوروبية بوصفها نموذجاً للحركات التي تعتمد على العمل المؤسسي طويل الأمد داخل المجتمعات الغربية. وتخشى السلطات من أن تتحول بعض الجمعيات أو المؤسسات المرتبطة بخلفيات أيديولوجية معينة إلى أدوات لنشر خطاب سياسي أو ديني يتعارض مع قيم الاندماج والمواطنة والمساواة التي تقوم عليها الديمقراطيات الأوروبية.

ولا يرتبط القلق السويدي بالمعتقدات الدينية أو بحرية العبادة، بل بالقدرة على التمييز بين النشاط الديني المشروع وبين استخدام المؤسسات الدينية والمدنية كقنوات لبناء نفوذ سياسي أو أيديولوجي ممول من الخارج. ولهذا السبب أصبح التمويل نفسه جزءاً من معادلة الأمن الوطني، وليس مجرّد قضية مالية أو إدارية.

كما حذرت شخصيات حكومية سويدية من أن بعض الجهات الخارجية قد تلجأ إلى استخدام وسطاء ماليين أو دول أوروبية كقنوات عبور لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال، ما يجعل عملية التتبع أكثر تعقيداً ويزيد الحاجة إلى أدوات رقابية جديدة.

أدوات قانونية جديدة

استجابة لهذه المخاوف، اقترحت الحكومة السويدية منظومة تشريعية تهدف إلى سد الثغرات القائمة وإخضاع التمويل الأجنبي لمستويات أعلى من الشفافية والتدقيق.

وبموجب المقترح الجديد، ستصبح المؤسسات والجمعيات ملزمة بالإبلاغ عن أي تمويل أجنبي تتجاوز قيمته 150 ألف كرونة سويدية (نحو 14,200 دولار). كما ستتمتع الوكالة السويدية لشؤون الشباب والمجتمع المدني بصلاحيات أوسع لمراجعة البيانات المالية والتدقيق في خلفيات الجهات الممولة، مع إمكانية الاستعانة بمركز مكافحة التطرف العنيف لتقييم المخاطر المرتبطة ببعض التحويلات.

تمنح القواعد المقترحة السلطات حق منع أو تجميد التمويل الخارجي إذا ثبت أنه قد يؤثر سلباً في الأمن الوطني أو يدعم أنشطة مناهضة للديمقراطية. كما يتضمن المشروع عقوبات جنائية بحق الجهات التي تتعمد إخفاء المعلومات أو تقديم بيانات مضللة، إلى جانب غرامات مالية تتراوح بين 25 ألف كرونة سويدية (نحو 2,300 دولار) و25 مليون كرونة سويدية (نحو 2.3 مليون دولار) بحسب حجم المخالفة وخطورتها.

ويعكس هذا التوجه انتقالاً واضحاً من سياسة المراقبة اللاحقة إلى سياسة الوقاية الاستباقية، بحيث تتمكن الدولة من التدخل قبل وصول الأموال المشبوهة إلى الجهات المستفيدة منها.

معركة أوروبية أوسع

لا يمكن فهم الخطوة السويدية بمعزل عن السياق الأوروبي العام. خلال السنوات الأخيرة اتجهت دول عدة إلى إعادة النظر في قواعد تمويل المؤسسات الدينية والجمعيات المدنية بعد سلسلة من التحقيقات التي كشفت محاولات لاستغلال الانفتاح الديمقراطي في بناء شبكات تأثير مرتبطة بأجندات خارجية.

وأصبحت الحكومات الأوروبية أكثر اقتناعاً بأن مواجهة التطرف تبدأ من معالجة البيئات الفكرية والتنظيمية والمالية التي تسمح بتمدده، وليس فقط من خلال ملاحقة الأعمال العنيفة بعد وقوعها. ومن هنا يأتي التركيز المتزايد على مصادر التمويل باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم شبكات النفوذ الأيديولوجي وقدرتها على الاستمرار.

من المتوقع أن يدخل القانون السويدي الجديد حيز التنفيذ مطلع العام 2028 إذا استكمل مراحله التشريعية؛ وهو ما قد يجعل السويد من بين أكثر الدول الأوروبية تشدداً في مراقبة التمويل الأجنبي للمؤسسات الدينية والمدنية.

وفي المحصلة، تعكس هذه الخطوة تحولاً جوهرياً في الرؤية السويدية لمفهوم الأمن الوطني. فالمعركة لم تعد تقتصر على مواجهة التنظيمات الإرهابية أو إحباط الهجمات العنيفة، بل باتت تشمل أيضاً مراقبة البنى المالية التي يمكن أن تستخدمها شبكات الإسلام السياسي أو الجهات الأجنبية لبناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمع. وبينما تؤكد الحكومة أن هدفها حماية الديمقراطية والانفتاح، يرى مراقبون أن ستوكهولم بدأت فعلياً إغلاق واحدة من أبرز الثغرات التي سمحت خلال العقود الماضية بتدفق الأموال إلى مؤسسات يصعب التحقق من ارتباطاتها وأهدافها النهائية.