بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

الهيمنة الأمريكية (4-4)

احتكار الرواية وصناعة الحقيقة.. كيف تصنع واشنطن “أشرار” العالم و”أبطاله” تحت غطاء “المبادئ الإنسانية”؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في زمنٍ لم تعد فيه القوة تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الأساطيل، تتجلى الهيمنة الأمريكية في مجالٍ أكثر خفاءً وأشدّ تأثيراً، ألا وهو احتكار الرواية وصناعة الحقيقة. فمن تعريف “الإرهابي” إلى توصيف “المناضل من أجل الحرية”، ومن “النظام القائم على القواعد” إلى “حقوق الإنسان”، تنسج واشنطن خيوط خطابٍ عالمي يجعل مصالحها تبدو كأنها مبادئ إنسانية، ويحوّل خصومها إلى رموز للشر في الوعي الجمعي الدولي.

وفقاً للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو فإن “السلطة لا تُختزل في القدرة على القمع، بل في القدرة على إنتاج الحقيقة”. بالفعل، تبدو هذه العبارة اليوم توصيفاً دقيقاً لما يجري في النظام الدولي المعاصر. ففي الحروب التقليدية، ينتصر من يمتلك الدبابة الأقوى، أما في حروب القرن الحادي والعشرين، فيتفوق من يملك الرواية الأكثر إقناعاً.

“إرهابي” أم “مناضل من أجل الحرية”؟

من يملك حق تعريف “الإرهابي”، ومن هو “المناضل من أجل الحرية”؟. من يقرر متى تصبح حقوق الإنسان قيمة كونية غير قابلة للتجزئة، ومتى تتحول إلى تفصيل يمكن تجاهله باسم “الأمن القومي”؟

هنا، لا تتوقف الهيمنة الأمريكية عند حدود الدولار أو التفوق العسكري، بل تمتد إلى مستوى أعمق وأكثر خطورة: هندسة الإدراك العالمي. أي القدرة على تقديم المصالح الأمريكية بوصفها قيماً إنسانية عامة، وتصوير خصومها لا كأطراف سياسية مختلفة، بل كتهديد أخلاقي وحضاري للنظام العالمي.

ينقلنا هذا من معالجة أدوات القوة الصلبة إلى ما هو أكثر نفاذاً وتأثيراً: كيف تُدار الرواية، وكيف تحولت “القوة الناعمة” من وسيلة جذب وتأثير إلى أداة لعزل الخصوم وشرعنة الصراعات.

“النظام القائم على القواعد”

منذ سنوات، يكرر المسؤولون الأمريكيون تعبيراً يبدو بريئاً للوهلة الأولى: “النظام الدولي القائم على القواعد”. السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يُستخدم مصطلح “القانون الدولي” مباشرة؟

الفارق ليس لغوياً، بل جوهرياً. فالقانون الدولي يستند إلى نصوص مكتوبة ومعاهدات واضحة، أبرزها ميثاق الأمم المتحدة، ويفترض، نظرياً، مساواة جميع الدول أمامه. أما “النظام القائم على القواعد”، فهو مفهوم مرن، غير مدوَّن، تُحدَّد قواعده سياسياً، وتُعدَّل حسب الظرف والمصلحة.

وعليه، يمكن لغزو عسكري أن يُقدَّم بوصفه “تحريراً”، بينما يُوصَف فعل مشابه من طرف آخر بأنه “عدوان سافر”. لأن القواعد هنا ليست معياراً ثابتاً، بل أداة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم وتُعلَّق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.

آلة الإعلام والترفيه

قبل أن تتحرك الجيوش، تكون الرواية قد سبقتها. الأفلام، القنوات الإخبارية، ووكالات الأنباء تؤدي دور “القوات المتقدمة” في معركة الإدراك.

المشهد الإعلامي العالمي شديد المركزية. الأخبار القادمة من إفريقيا، أو آسيا، أو الشرق الأوسط، تمر غالباً عبر عدسة غربية، تحمل معها مفرداتها وتصنيفاتها الجاهزة: “نظام”، “متمردون”، “إصلاحيون”، “دكتاتور”. هذه اللغة ليست بريئة؛ إنها تؤطر الحدث قبل أن يصل إلى المتلقي.

في الثقافة الشعبية، يتكرر النمط ذاته. البطل غالباً أمريكي أو غربي، حتى عندما يكون متمرداً على مؤسسته، فيما يُقدَّم “الآخر”، روسي، أو عربي، أو صيني، في صورة الخصم الغامض أو الشرير. وهذا التكرار لا يصنع صدفة، بل يرسّخ في الوعي الجمعي العالمي فكرة أن النوايا الأمريكية خيّرة بطبيعتها، وأن أخطاءها “استثناءات”، في حين أن أفعال الآخرين “سياسة ممنهجة”.

حقوق الإنسان كأداة وظيفية

لا جدال في أن حقوق الإنسان تمثل قيمة إنسانية عليا، لكن في سياق الهيمنة، يجري التعامل معها أحياناً بوصفها أداة سياسية أكثر من كونها معياراً أخلاقياً ثابتاً.

وهذه الآلية تتكرر بنمط شبه ثابت. فعند مواجهة الخصوم، يتم تسليط الضوء المكثف على الانتهاكات، وتتحول التقارير الحقوقية إلى مادة إعلامية يومية، تتبعها إدانات رسمية، ثم عقوبات اقتصادية تطال المجتمع بأكمله. أما مع الحلفاء، فيتم تجاهل انتهاكات مماثلة، أو تبريرها تحت عناوين مثل “الخصوصية الثقافية”، أو “ضرورات الاستقرار”، أو “الحق في الدفاع عن النفس”.

هذا الاستخدام المزدوج لا يضعف فقط مصداقية الخطاب الحقوقي، بل يحوّل المؤسسات الدولية من منصات للعدالة إلى ساحات تنافس جيوسياسي.

العدالة الدولية المدجنة

تتجلى هذه الازدواجية بوضوح في العلاقة مع المحكمة الجنائية الدولية. فبينما تُستخدم المحكمة أداة ضغط سياسي ضد خصوم واشنطن، تظل الولايات المتحدة نفسها خارج ولايتها القضائية.

الأمر لا يتوقف عند عدم العضوية. فقد أقرت واشنطن تشريعاً يتيح لها اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية مواطنيها وحلفائها من أي ملاحقة محتملة. الرسالة الضمنية هنا واضحة: القانون أداة تُستخدم عند الحاجة، لا قيداً ملزماً للجميع.

هذا الواقع يضرب مبدأ “المساواة السيادية” في جوهره، ويكرّس نظاماً دولياً بطبقتين: من يخضع للقانون، ومن يقف فوقه.

لماذا تتآكل السردية اليوم؟

رغم قوة هذه المنظومة، تواجه “القوة الناعمة” الأمريكية تحدياً متزايداً. لأن وسائل التواصل الاجتماعي كسرت احتكار السردية، وأتاحت روايات بديلة تصل مباشرة إلى الجمهور العالمي دون المرور عبر الفلاتر التقليدية.

ولعل أحداث السنوات الأخيرة، من الحروب إلى الأزمات الإنسانية، كشفت حدود القدرة على التحكم الكامل بالرواية. في بعض الحالات، لم تعد اللغة التقليدية كافية لتفسير ما يراه الناس بأعينهم، ما أدى إلى تصدعات في الرأي العام العالمي، بل وحتى داخل المجتمعات الغربية نفسها.

عندما تتآكل المصداقية الأخلاقية، وتنكشف ازدواجية المعايير، يصبح الاعتماد على الأدوات الخشنة أكثر إلحاحاً. والتاريخ يخبرنا أن هذا التحول غالباً ما يرافق بداية تراجع النفوذ المعنوي، حتى لو استمر التفوق العسكري والمالي.

الهيمنة الأمريكية ليست فقط شبكة قواعد عسكرية أو نظاماً مالياً متشابكاً، بل قصة كبرى تُروى باستمرار حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة. والخروج من هذه الهيمنة يمر فقط عبر بناء اقتصاد قوي، أو تكنولوجيا مستقلة، مع ضرورة تحرير الوعي وبناء سرديات بديلة قادرة على مخاطبة العالم بلغة مفهومة ومقنعة. وطالما ظل العالم يرى نفسه من خلال عدسة واحدة، ستبقى الهيمنة قائمة، حتى لو تراجع الدولار، وغابت حاملات الطائرات عن الأفق.