بقلم أسماء رمضاني
بقلم أسماء رمضاني

مقالات مشابهة

لا توجد مقالات

رأي

إيزابيل عجاني… حين تصبح اللغة العربية موروثًا من الصمت والحنين!

بقلم أسماء رمضاني
بقلم أسماء رمضاني

ليست كل اللغات التي ننتمي إليها هي بالضرورة تلك التي نتقنها. هناك لغات أخرى تسكننا دون أن ننطق بها، تظل كامنة في الذاكرة والوجدان، كأنها موسيقى بعيدة تصلنا من زمن لم نعشه بالكامل. بالنسبة إلى الممثلة الفرنسية الجزائرية الأصل إيزابيل عجاني، تبدو العربية واحدة من تلك اللغات: ليست لغة الكلام، بل لغة الغياب، ولغة الأب الذي ظل يحمل وطنه في قلبه ويخفيه في صوته…

في أحد أكثر اعترافاتها إنسانية، تستعيد عجاني، على هامش حضورها الدورة الحالية من مهرجان “أفنيون” المسرحي، صورة والدها الجزائري القادم من قسنطينة، وهو يتحدث العربية همسًا داخل شقة متواضعة في أحد أحياء ضاحية جانفيلييه، غرب باريس. لم يكن الأب يرفع صوته وهو يخاطب، عبر الهاتف، أهله في الجزائر، بل كان يغلق الباب ويتحدث بخفوت، كأن اللغة نفسها سر ينبغي إخفاؤه. كان يقول لإبنته إنه يفعل ذلك كي لا يزعج الجيران، لكنها كانت تدرك أن الأمر أعمق من مجرد مراعاة للآخرين. كان يخشى أن تُسمع العربية، لأن الجيل الأول من المهاجرين كان يعتقد أن الاندماج يقتضي إخفاء اللسان قبل تغيير العنوان!

هكذا تحولت العربية، بالنسبة إلى كثير من أبناء الهجرة الجزائرية في فرنسا، من لغةٍ أم تُتداول في البيت وترتبط بذكريات الطفولة إلى لغة تُمارس في الخفاء، كأنها صلاة لا يمكن الجهر بها، ولا يجوز أن يسمعها أو يراها أحد. لم يكن ذلك تعبيرًا عن رفض للهوية الأصلية، بقدر ما كان ثمرة سنوات طويلة من الضغط الاجتماعي والثقافي الذي أوهم المهاجرين بأن مستقبل أبنائهم يكمن في الانصهار الكامل في المجتمع الفرنسي، ويتطلب محو آثار الماضي، والتخفف من كل ما قد يذكّرهم بأصولهم.

كان والد إيزابيل عجاني، شأنه شأن آلاف الآباء، يظن أنه يمنح أبناءه فرصة أفضل حين يخفف من الحضور الجزائري في حياتهم اليومية. استبدل رائحة الياسمين القسنطيني ببرودة الإسمنت الفرنسي، وأخفى لكنته، وحاول أن يجعل من الصمت جسرًا نحو مستقبل أكثر أمانًا. لكنه، من حيث لا يدري، أورث ابنته سؤالًا أكبر من اللغة نفسها: ما حجم العطب النفسي الذي يصيب الإنسان عندما يضطر إلى إخفاء جزء من هويته؟

ربما لهذا السبب ظل حضور الجزائر في شخصية عجاني أقرب إلى الإحساس منه إلى المعرفة، وإلى الحنين أكثر منه إلى الذاكرة. فهي لا تتحدث العربية، لكنها تعترف بأنها تشعر بها. تسمعها فتنتفض في داخلها منطقة يصعب تفسيرها، كأن الكلمات توقظ جذورًا لم تتح لها فرصة النمو. إنها علاقة وجدانية بلغة لم تتعلمها، لكنها ورثت أثرها النفسي، تمامًا كما يرث الإنسان ملامح وجه أبيه دون أن يختارها.

ولعل هذه المفارقة هي ما يمنح تجربة إيزابيل عجاني بعدًا ثقافيًا يتجاوز سيرتها الشخصية. فهي تنتمي إلى جيل كامل من أبناء المهاجرين الذين ورثوا ذاكرة منقوصة: يعرفون أن لهم وطنًا آخر، لكنهم لا يمتلكون مفاتيح الدخول إليه بالكامل. اللغة التي كان يفترض أن تكون جسر تواصل تحولت إلى حا-ز ومسافة يصعب القفز عليهما.

في مهرجان “أفينيون” المسرحي هذا العام، حيث تتلاقح ثقافات المتوسط، وتعلو أصوات ناطقة بالعربية في العديد من العروض، لم تستمتع عجاني بالأجواء الفنية فحسب، بل استعادت ذلك الهمس القديم الذي كان يخرج من غرفة والدها المغلقة. إنه سحر المسرح: هناك، بين الخشبة والجمهور، لا تعد العربية لغة أجنبية، بل أصبحت شبحًا حميمًا يعود من أعماق الطفولة ليذكّرنا بأن بعض الانتماءات لا تُقاس بعدد الكلمات التي نتقنها، وإنما بعمق الرجفة التي تتركها في القلب.

هنا تتجلى الوظيفة الحقيقية للفن. المسرح ليس مجرد فضاء للتمثيل، بل مكان تستعاد فيه الأرواح المؤجلة، وتجد فيه الذكريات التي خنقتها الهجرة منفذًا إلى الضوء. على الخشبة، يستطيع الأب الذي همس بالعربية طوال حياته أن يتكلم أخيرًا بصوت مرتفع، وتستطيع الابنة التي لم تتعلم لغة أبيها أن تصغي إليها دون خوف أو شعور بالنقص.

قصة إيزابيل عجاني مع اللغة العربية ليست مجرد علاقة بلغة مفقودة، بل هي قصة هوية متجذرة تبحث عن كلمات تخرجها للعلن. قصة مؤثرة تذكّرنا بأن اللغات لا تموت حين نتوقف عن التحدث بها، بل تظل كامنة فينا، تنتظر لحظة مصالحة، خلال عرض مسرحي أو في مناسبة أو ذكرى عابرة، لتعود وتخبرنا بأن الإنسان لا يفقد جذوره مهما ابتعد عنها، وإنما يؤجل فقط موعد الإصغاء إليها!