أجرى الحوار: عمرو فاروق
أجرى الحوار: عمرو فاروق

مقالات مشابهة

حوار (2-2)

إيرينا تسوكرمان: التنظيمات المتطرفة انتقلت إلى “إدارة الفوضى” والمواجهة الأمنية وحدها لا تكفي لهزيمتها

أجرى الحوار: عمرو فاروق
أجرى الحوار: عمرو فاروق

في ظل الأزمات المتلاحقة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من الحرب في غزة، مروراً بالتحولات الجيوسياسية، ووصولاً إلى الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة مستقبل الإسلام الحركي، والسلفية السياسية، والتنظيمات الجهادية، بعيداً عن التقديرات التقليدية التي تربط قوتها فقط بقدرتها على السيطرة الميدانية أو الوصول إلى السلطة.

يقدم هذا الحوار مع الدكتورة إيرينا تسوكرمان، الباحثة المتخصصة في قضايا الأمن القومي الأمريكي ومكافحة الإرهاب، قراءة تحليلية للعلاقة الفكرية بين الإسلام الحركي والتنظيمات الجهادية، وأزمة الخطاب الأصولي، ومستقبل المواجهة الفكرية مع التطرف في عصر الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي.  

– بعد الضربات الأمنية والعسكرية التي تعرض لها تنظيما “القاعدة” و”داعش”، هل انتهى خطر السلفية الجهادية أم أنه يعيد إنتاج نفسه في أشكال متنوعة؟ 

– إيرينا تسوكرمان: لم ينتهِ خطر السلفية الجهادية، إنما تغيرت أشكال تجلياته. فقد خسر تنظيم “داعش” مركز ثقله الإقليمي في العراق وسوريا، بينما تعرض تنظيم “القاعدة” لخسائر كبيرة في قياداته، وتصاعدت المنافسة الداخلية بين فروعه.  

واليوم يعيد هذا التيار إنتاج نفسه عبر الفروع المحلية، وحركات التمرد الإقليمية، والدعاية الرقمية، والاقتصادات غير المشروعة، ومناطق الصراعات المسلحة، ولا تزال مناطق الساحل الإفريقي، وأجزاء من غرب إفريقيا، والصومال، واليمن، وأفغانستان، وسوريا، وغيرها من المناطق التي تعاني ضعف أو غياب سلطة الدولة، تمثل بيئات خصبة لنشاط التنظيمات الدينية المسلحة. 

– كيف تفسرين استمرار قدرة بعض التنظيمات المتطرفة على التجنيد رغم تراجع نفوذها الميداني؟

– تستمر التنظيمات المتطرفة في استقطاب عناصر جديدة لأن عملية التجنيد لا تعتمد فقط على النجاحات العسكرية أو السيطرة على الأرض، وإنما ترتبط أيضاً بعوامل نفسية واجتماعية وسياسية، مثل الشعور بالمظلومية، وأزمة الهوية، والبحث عن الانتماء.

ولا ينضم كثير من الشباب إلى هذه التنظيمات بسبب فهم عميق للعقيدة، وإنما لأن تلك الجماعات تمنحهم شعوراً باليقين، والمكانة، والانتماء إلى جماعة ذات هوية واضحة. ولهذا فإن المواجهة العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء عمليات التجنيد.

– هل انتقلت التنظيمات الجهادية من مشروع “إقامة الدولة” إلى استراتيجية “إدارة الفوضى”؟

– اتجهت عدة تنظيمات جهادية بالفعل نحو استراتيجية “إدارة الفوضى”، بعدما أصبح مشروع إقامة دولة معلنة أكثر صعوبة عقب انهيار “خلافة” تنظيم “داعش” في العراق وسوريا. وقد خلصت هذه التنظيمات إلى أن إعلان الدولة في مرحلة مبكرة يستدعي رداً عسكرياً دولياً واسعاً، بينما تتيح الفوضى لها فرصاً أكبر للبقاء، وتجنيد المقاتلين، وإضعاف الحكومات، دون تحمل أعباء إدارة دولة كاملة.

مع ذلك، فإن مشروع الدولة لم يختفِ من أدبياتها. فما زالت فكرة “الخلافة الإسلامية” هدفاً محورياً في المخيال الجهادي، إلا أن التغيير طرأ على ترتيب الأولويات وآليات التنفيذ. إذ أصبحت التنظيمات تنظر إلى الفوضى بوصفها البيئة المناسبة التي يمكن أن تهيئ مستقبلاً لقيام هذه الخلافة.

– ما طبيعة العلاقة الفكرية بين أدبيات “جماعة الإخوان” من جهة، وأدبيات تنظيمي “القاعدة” و”داعش” من جهة أخرى؟

– تتميز العلاقة بين أدبيات “جماعة الإخوان” وأدبيات تنظيمي “القاعدة” و”داعش” بأنها علاقة غير مباشرة، لكنها ذات أهمية تاريخية في تطور مشروع الإسلام الحركي، إذ أسهمت أدبيات “الإخوان” في تشكيل الإطار الفكري العام لمختلف الجماعات الدينية المتطرفة من خلال مفاهيم مثل الحاكمية، والطليعة المؤمنة، والمجتمعات الجاهلية، وعدم شرعية النظم السياسية التي لا تستند إلى السيادة الإلهية.

ويكتسب تأثير سيد قطب أهمية خاصة في هذا السياق؛ فقد وفرت كتاباته لغة فكرية استخدمتها الأجيال اللاحقة للنظر إلى المجتمعات الحديثة باعتبارها واقعة في الجاهلية، وإلى الأنظمة السياسية بوصفها فاقدة للشرعية إذا لم تخضع لما تراه حكماً إلهياً.

– إلى أي مدى أسهم مفهوم “الحاكمية” في تشكيل البنية الفكرية للحركات الأصولية؟

– يعد مفهوم الحاكمية أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في تشكيل الفكر السياسي للحركات الأصولية. فقد تحولت فكرة أن “السيادة لله” في كتابات منظري الإسلام الحركي إلى نظرية سياسية تُستخدم للطعن في شرعية القوانين والتشريعات، والسلطات المدنية، والدساتير الوطنية.

وتكمن خطورة هذا المفهوم في طريقة توظيفه سياسياً. فإذا ادعت جماعة ما أن القوانين القائمة فاقدة للشرعية لأنها لا تجسد “حاكمية الله” وفق تفسيرها هي، فإن الخلاف السياسي يتحول إلى خلاف ديني، ويصبح الخصوم خصوماً لحكم الله، بينما يمكن تصوير البرلمانات، والمحاكم، والدساتير، باعتبارها مؤسسات “جاهلية”.

– لماذا أخفقت تجارب الإسلام الحركي في الحكم عبر التاريخ الحديث؟

– أخفقت تجارب الإسلام الحركي في الحكم لأنها دخلت إلى الدولة بعقلية الحركة التنظيمية، لا بعقلية الدولة الحديثة. فهي كثيراً ما تعاملت مع مؤسسات الدولة باعتبارها غنائم ينبغي السيطرة عليها، ومع الخصوم السياسيين بوصفهم خصوماً للدين، كما حوّلت الخلافات السياسية إلى معارك دينية وعقائدية.  

فالدولة الحديثة لا يمكن أن تتحول إلى الذراع السياسية لحركة دينية، لأن حقوق المواطنين يجب أن تستند إلى صفتهم كمواطنين، لا إلى انتمائهم إلى جماعة أيديولوجية بعينها.

– لماذا أخفقت بعض برامج مكافحة التطرف في تحقيق نتائج مستدامة؟

– أخفقت العديد من برامج مكافحة التطرف لأنها تعاملت مع الظاهرة باعتبارها مشكلة إعلامية أو أمنية فحسب، دون أن تتصدى للبنية الفكرية والاجتماعية العميقة التي تنتج التطرف وتعيد إنتاجه. فقد انشغلت بعض هذه البرامج بإطلاق الشعارات، وتنظيم المؤتمرات وورش العمل، وتنفيذ الحملات الإعلامية، بينما تجنبت معالجة القضايا الأكثر حساسية، مثل الأسس الفكرية للتطرف، ومصادر التمويل، وطبيعة المناهج التعليمية، والبيئات الرقمية.

المواجهة الفكرية تستلزم تفكيك الأفكار التي تبرر الإطار الأيديولوجي، وفضح إخفاقات تجارب الإسلام الحركي في الحكم، ووقف عمليات الاستقطاب والتجنيد، وتعزيز هوية الدولة الوطنية.